آراء حرة

نضال منصور يكتب: الأردن أمام مجلس حقوق الإنسان.. تجاهل وإنكار للتحديات الحقوقية

عين نيوز-

قدم الأردن طوعا “جردة حساب” لواقع حقوق الإنسان خلال المراجعة الدورية الشاملة لحقوق الإنسان (UPR) في جنيف في الثامن من تشرين الثاني/نوفمبر الماضي، وخضع لاستجواب وأسئلة 98 دولة خلال جلسة امتدت لثلاثة ساعات ونصف الساعة، لم تخل من المفاجآت والملاحظات التي تمتدح أو تنتقد الأردن.

قدم الأردن نفسه بصورة مثالية كدولة راعية لحقوق الإنسان، ولم تتطرق كلمة رئيس الوفد الرسمي، المنسق الحكومي لحقوق الإنسان باسل الطراونة، التي امتدت 44 دقيقة إلى التحديات التي تواجه بلاده في ميدان حقوق الإنسان، أو التجاوزات والانتهاكات التي تحدث، أو رؤية الحكومة لتطوير منظومة حقوق الإنسان واحتياجاتهم من الدعم والمساندة من المجتمع الدولي.

بدى المشهد لوفد التحالف المدني الأردني الذي حضر بقوة وكثافة في هذه التظاهرة الحقوقية الهامة، وكأن الوفد الرسمي لا يتحدث عن بلاده التي قدمت باعتبارها مدينة فاضلة خالية من المشاكل أو الانتهاكات؛ وهو ما دفع الصحفي والكاتب الساخر أحمد حسن الزعبي الذي حضر الجلسة الرسمية لـ UPR بجنيف للتندر بالقول “شعرت أن الأردن هو سويسرا”.

كنت من الإعلاميين والحقوقيين الذين خاضوا هذه التجربة بتفاصيلها منذ سنوات. حضرت المراجعة الدورية الشاملة لحقوق الإنسان للأردن عام 2013، وتابعت المشاورات الوطنية تحضيرا لمثول الأردن أمام المجتمع الدولي عام 2018، ولم أتوقع للحظة أن تقبل الحكومة وأجهزة الدولة المختلفة كل التوصيات المقدمة لها، إلا أنني بذات الوقت لم أكن أتخيل حالة الإنكار للتحديات الحقوقية، “ودفن الرأس بالرمال”، وتقديم البلاد على أنها واحة للحقوق والحريات. كنت أتمنى أن أسمع خطابا واقعيا يقدم الصورة كما هي، ولا مانع حتى لو أضافوا قليلا من “مساحيق التجميل”.

وحتى لا يُتهم قادة المجتمع المدني بأنهم عدميون لا يرون من “كأس الماء إلا النصف الفارغ”، سأذكّر بما قلته في جنيف ليس مرة واحدة وإنما في أكثر من مناسبة وآخرها في النشاط الجانبي (Side-event) الذي نظمه التحالف المدني الأردني عن واقع حقوق الإنسان في الأردن يوم 7/11/2018 وكنت مديرا لجلسة الحوار.

في هذا النشاط قلت “إن الأردن من دول الهامش الديمقراطي، وهو مختلف عن دول الإقليم، ففي بلادي لا يُقتل مواطنا، ولا يخطف، ولا يعذَب، ولا يختفي قسريا”.

وأضفت “في الأردن قصص نجاح تستحق أن تُروى، وتحديات كثيرة يجب أن نملك الجرأة في التصدي وإيجاد الحلول لها”.

وقلت أيضا “إن الدفاع عن الأردن لا يكون بتجاهل المشاكل الحقوقية والسكوت عنها، إنما بالاعتراف بواقع حقوق الإنسان والدفاع عن هذه الحقوق، لأن ذلك وحده يخدم أجندة الدولة الأردنية ويحسن صورتها ويعزز مكانتها شعبيا ودوليا”.

أكثر من 4 سنوات حرصت خلالها مؤسسات المجتمع المدني الأردنية وتحالفاتها المتعددة على العمل والتنسيق الجاد مع فريق المنسق الحكومي لحقوق الإنسان، والنتيجة كانت قبول الأردن لـ 131 توصية من مجموع 226 توصية قدمتها دول العالم، وتعليق 21 توصية للدراسة، و74 توصية قال الوفد الرسمي بأنه “أحيط علما بها” بمعنى الرفض الضمني لها.

لا يحتاج الأمر الى جهد كبير حتى يتضح بأن نسبة التوصيات التي قبلها الأردن تراجعت مقارنة مع المراجعة الحقوقية التي حدثت عام 2013، حيث قبل الأردن حينها 126 من مجموع التوصيات البالغة 173، ورفض 34 توصية أو لم تحظ بالموافقة، وعلق 13 توصية للدراسة.

الأمر الأكثر أهمية من الأرقام والنسب، أن التوصيات التي وافق الأردن عليها في غالبها عامة ودبلوماسية، ولا تتعلق بمعالجة جذرية لمشاكل تكرر الحديث عنها في العقود الماضية، في حين كان واضحا وصارما الموقف في الرفض أو “الإحاطة علما” وكلاهما سيان عند المطالبة بتوصيات جدية مثل: التوقيع على البروتوكول الاختياري لمناهضة التعذيب، أو البروتوكول الاختياري لإلغاء عقوبة الإعدام، أو إزالة التحفظات على اتفاقية “سيداو”، أو اتفاقية المهاجرين أو الاختفاء القسري، وحتى ضمان محاكمة الصحافيين أمام المحاكم المدنية فقط، أو إزالة جميع الظروف الاستثنائية التي تسمح بزواج القاصرات أو القصّر؛ وهي توصيات لم تجد طريقا للموافقة والقبول.

تفاجأت مؤسسات المجتمع المدني الأردنية المتابعة للاستعراض الدوري الشامل لحقوق الإنسان بالعدد الكبير للتوصيات التي لم يقبلها الوفد الرسمي؛ فقد كانت التوقعات، بل الكلام الذي سُرّب بأنهم لن يرفضوا أي توصية وسيعلق الرد رسميا إلى شهر آذار/مارس المقبل، وهذا حق لهم ضمن هذه الآلية الدولية.

وكانت الوعود الرسمية بأن يعود الجميع لطاولة الحوار المعمق مع كل أصحاب المصلحة لاتخاذ قرارات تتوافق مع المصالح والتوجهات الأردنية.

لا أعرف حقيقة ماذا حدث مع الوفد الرسمي، ولماذا ذهب بهذا الاتجاه الذي يوحي بتراجع التزامات الأردن الحقوقية، ومن هو صاحب القرار النهائي، إذا ما كان رئيس الحكومة يجاهر ليلا نهارا بالتأكيد على احترام أجندة حقوق الإنسان!

واقع الحال أن المقدمات التي حدثت لا تقود إلى هذه النتائج، ففريق المنسق الحكومي لحقوق الإنسان وضع خطة وطنية لحقوق الإنسان بعيدة المدى فيها تعهدات ربما يكون بعضها أكثر صرامة من التوصيات التي لم تُقبل واكتفى الوفد الرسمي بإعلان أنه “أحيط علما بها”. فتقارير المركز الوطني لحقوق الإنسان ـ المؤسسة الوطنية الأردنية ـ التي تقدم للعاهل الأردني تقاريرها السنوية وتقر الحكومة بصدقيتها، ويطلب الملك من سلطاته الالتزام بتوصيات المركز تشي بغير ذلك؛ وهو ما دفع المفوض العام للمركز الوطني لحقوق الإنسان الدكتور موسى بريزات في اجتماعات مشتركة بجنيف مع الوفد الرسمي بحضور مؤسسات المجتمع المدني إلى انتقاد الصورة التي قدم فيها الوفد الرسمي حالة حقوق الإنسان في الأردن.

الأمر الآخر أن المشاورات الوطنية بين فريق المنسق الحكومي وتحالفات مؤسسات المجتمع المدني كانت مستندة إلى تفاهمات بالعودة والتشاور قبل رفض التوصيات المقدمة من دول العالم وهو ما لم يحدث، ولم يترجم على أرض الواقع.

لماذا حدث ذلك؟ وهل أضاع الأردن فرصة ثمينة في هذا المحفل الدولي ليقدم نفسه بصورة أكثر تفهما للدعوات والتوصيات الدولية؟

أول ما يجب أن نلفت الانتباه له، هو أن لا نحمّل الوفد الرسمي المسؤولية الكاملة عما حدث، سواء في الرسائل المتناقضة أو في العرض غير الواقعي أو حتى في الارتباك بالتعامل مع المشهد. وأرى أن نعيد الأمر إلى حقيقة أن “المرجعيات” التي تمتلك “القرار” لم تحسم التعامل مع ملف حقوق الإنسان ولم تضع رؤية استراتيجية للأسئلة الملحة التي يطالب المجتمع الدولي بالإجابة عليها. وتعتقد هذه المرجعيات أن الأولوية الآن ليس للموافقة على بروتوكول اختياري لمناهضة التعذيب ـ على سبيل المثال لا الحصر ـ وأن العالم منشغل عن ذلك بمكافحة الإرهاب ورعب تداعيات اللجوء، وهي التوجهات التي تعطيها الدولة الأردنية اهتماما وتنسق مع المجتمع الدولي بشأنها، وهذا يرفع عنها، ويزيح عن كاهلها الأصوات الأخرى المطالبة بالالتفات لقضايا حقوق الإنسان الأخرى!

وفي غمرة هذه التوجسات والانشغالات والغضب وعدم الرضى عما حدث في جنيف علينا أن نقر أيضا، رغم كل الملاحظات، أن أجندة حقوق الإنسان كانت حاضرة بقوة في الأردن في السنوات الماضية، سواء في الأوراق النقاشية للعاهل الأردني، أو كتب التكليف الملكية للحكومات، ولن نغفل التفاعل الإيجابي للمنسق الحكومي لحقوق الإنسان وحرصه على التواصل بشكل حثيث مع مؤسسات المجتمع المدني.

هل يعني ذلك أننا تقدمنا في حركة حقوق الإنسان أم تراجعنا وهُزمنا بعد الانتهاء من الاحتفاء بالاستعراض الدوري الشامل لحقوق الإنسان؟

ما زلت مؤمنا أن الفرص ما زالت متاحة في الأردن لنخرج من حالة التيه والمراوحة، وأن ننجو من التقارير الدولية والمؤشرات التي تضعنا وتصنفنا في خانة الدول الديمقراطية جزئيا. وبالتأكيد لن نشتري الوهم، فنحن ندرك أن التغيير الجذري يحتاج إلى مراكمة الإنجازات، وما لم يتحقق اليوم، سيأتي غدا؛ ففي هذا الزمن وهذه “القرية الكونية”، لم يعد هناك من أسرار، ولم تعد الدول قادرة على “ستر عوراتها”، ولهذا ستضطر عاجلا أم آجلا للتجاوب مع تطلعات شعوبها واحترام حقوقهم وإرادتهم.

لست قلقا على مستقبل الأردن، مع أنني كنت أتمنى أن نمضي أسرع ونركب القطار من أول محطة لا أن نلحق به متأخرين، وعلينا أن ننظر للنماذج الملهمة في التطور الحضاري وأول ركائزها صون حقوق الإنسان، لا أن ننظر لمن في محيطنا والذين يعيدون عقارب التاريخ للوراء.

في القريب منا، لا يفتح الناس فمهم إلا عند طبيب الأسنان؛ هذه ليست نكتة بل حقيقة! وفي الأردن لا يمكن أن يحدث ذلك، ولا تجوز المقارنة معهم. فنحن سنظل نرفع صوتنا مطالبين باحترام الحريات وحقوق الإنسان، وواثقين رغم ذلك بأننا لن نتعرض للملاحقة أو الحبس.

هل هذا يكفي؟

طبعا لا يكفي، لكني متيقن أن المستقبل لمن يؤمنون بحقوق الإنسان ويدافعون عنها، وهذا هو الأردن الذي أراه!

(الحرة)