وليد حسني يستذكر طفولته مع الأخوان المسلمين: بزنس المعارضة الدنيوية.

عين نيوز- وليد حسني:

خيرا انكشفت ساحة الحرب في الحركة الاسلامية، فقد بدا المشهد بكليته مجرد حرب داخلية على قيمتين، واحدة تنظر الى الدين باعتباره كلا واحدا لا يحتمل التجزئة والتفريق، وواحدة ترى ان بالامكان تجيير الدين وتطويعه خدمة للدنيا قبل الاخرة.

اعرف الحركة الاسلامية تماما منذ اكثر من ثلاثين عاما مضت، قبل ان اخرج منها وبصحبتي 23 اخوانيا اخرين كنا جميعنا في حينها لم نتجاوز الخامسة عشرة من اعمارنا، فقد تبدت لنا في حينه على ضآلة معارفنا قيما عديدة لم ترق لنا كان من بينها وربما اهمها اننا في حركة لا تحتمل التفريق بين التاجر الذي يبيع على بيع اخيه ، وبين المتدين الذي صار غريبا في حياض حركة اسلامية تتقن الانقلاب على نفسها.

والذكريات هنا تدفع بعضها بعضا، فقد تركنا مدارسنا آنذاك، وصرنا شبه طلاب في الجامعة الأردنية نداوم على حضور محاضرات محمد ابو فارس، واحمد نوفل، وعبد الله عزام، وفضل عباس، وراجح الكردي، وهمام سعيد، وابراهيم زيد الكيلاني، وكنا نطارد أي احتفال يقام في أي مكان يخطب فيه هؤلاء او يتحدث فيه يوسف العظم، او عبد المنعم ابو زنط، وغيرهم من قادة الاخوان، فقد كانت الساحة السياسية في حينه لا تقبل القسمة على اثنين، ولم تكن الساحة السياسية الرسمية في الاردن تقبل بديلا عن الاخوان في الشارع والمسجد، وربما في العقول أيضا.

وبعد خروجنا الجماعي من الجماعة لم تحتمل الجماعة نفسها هذه الحركة، فقد كنا طلابا مراهقين، لكننا كنا نملك رؤية متواضعة عن علاقة الدين بالدنيا، وعلاقة المجتمع بالحياة وبالله، ولم نعد في حينه نحتمل منعنا من قراءة الانجيل في غرفة القران، او حتى منعنا من قراءة كتب كارل ماركس التي كانت ممنوعة في حينه ليس داخل غرف القران وانما في الاردن كله.

ولم نعد في حينه أيضا نحتمل تكرار اسم حسن البنا في اجتماعاتنا داخل الاسرة”الخلية التنظيمية الصغيرة في الجماعة” اكثر من تكرار اسم النبي عليه الصلاة والسلام، وتكرار اسم سيد قطب اكثر من تكرار اسماء الصحابة الاجلاء.

في تلك الفترة بالذات كانت جماعة الاخوان المسلمين غيرها جماعة الاخوان المسلمين الان، وكانت الجماعة في حينه لا تخفي مجاهرتها باستمرار حربها على القومية العربية، والشيوعيين، وماركس وجمال عبد الناصر، وحزب البعث، والانظمة العربية الأخرى التي لا تحكم بشرع الله، وكان قادة الاخوان في حينه يعتلون المنابر ويشتمون ويكفرون، ويتهمون ويبرؤون دون حسيب او رقيب.

ولا انسى  في زحمة الذكريات هنا ان المرحوم الشهيد د. عبد الله عزام الذي كنا نتبعه كظله في حينه اعتلى منبر مسجد القدس في مخيم البقعة بعد صلاة المغرب في يوم الاربعاء”كانت دروسه في المسجد كل يوم اربعاء بعد صلاة المغرب” وصار يشتم جمال عبد الناصر فقام له احد الشيوخ كبار السن وهدده بعصاه التي يتوكأ عليها طالبا منه النزول عن المنبر لانه يشتم الاموات ولانه يشتم عبد الناصر قائلا له”انتم الانكليز…”، واصر على نزول عزام عن المنبر وكادت ان تحدث مشكلة كبيرة في المسجد قبل ان يستجيب عزام لمطالبات المصلين ويغادر المنبر.

ولا زلت اذكر هنا لحظة الاعلان عن نبا وفاة المفكر الاسلامي الباكستاني ومؤسس الجماعة الاسلامية في الباكستان ابو الاعلى المودودي، ففي تلك اللحظة بالذات رايت حجم الباكين على المودودي، فقد كان المودودي في حينه يشكل ثنائيا في غاية الدقة مع سيد قطب، بل كانت مؤلفات المودودي في حينه تشكل جزءا رئيسيا من مادة التثقيف الديني داخل الجماعة الى جانب مؤلفات سيد قطب نفسه.

ولا زلت استذكر تماما “المفاهيم الاربعة في القران” و”تفسير سورة النور”، ورسالة “الجهاد” وغيرها من مؤلفات المودودي، التي كانت تترافق تماما مع”معالم في الطريق” و”في ظلال القران”، و”خصائص التصور الاسلامي ومقوماته” وباقي مؤلفات سيد قطب، الى جانب رسائل ومؤلفات الشهيد المؤسس حسن البنا، وغيرها من مؤلفات الاخوان او المؤلفات التي تتغنى بامجاد الاخوان وخاصة كتاب”الاخوان في حرب فلسطين” لكامل الشريف، وغيرها.

هذه الارضية التثقيفية المرجعية هي التي كانت تصوغ في حينه فكر جماعة الاخوان، ولهذا وعندما اصبح المشروع الامريكي لاعلان الجهاد المقدس في افغانستان فرض عين، كانت جماعة الاخوان المسلمين في معظم اماكن الدنيا هي الوقود الذي غذى تلك الحرب التي قامت باسم الله جهارا، وباسم امريكا سرا، ولم يجد عبد الله عزام في حينه الا ان يكون مبشرا بالجهاد الاعظم في افغانستان فقد كان رحمه الله قبل سنوات من تحوله يضع كتابا بعنوان”السرطان الاحمر” كانت قراءته في حينه فرض عين على كل عضو في الاخوان، ويتصدى فيه لنقد الشيوعية ويكفرها ويدعو لمحاربتها والقضاء عليها باعتبارها فكرا كافرا.

ولست هنا بصدد الخوض في التفاصيل، ومناقشة الافكار لان المكان لا يتسع لها هنا وهي تحتاج الى  كتاب موسع، لكن رايت ضرورة التعريج على بعضها للدخول الى عقل الجماعة الذي شهد تحولات كبرى في الثلاثين سنة الماضية تكرس فيها لاحقا تجذير البراءة غير المعلنة من افكار سيد قطب، والتمسك اكثر بكتاب”دعاة لا قضاة” لحسن الهضيبي  المرشد الثاني للجماعة الذي رد فيه على سيد وافكاره التي اودت به الى مشنقة عبد الناصر ليكون اعدامه ــ برأيي ــ اخطر من ان يحتمله تاريخ دولة، فقد كان قتله بسبب افكاره جريمة من جرائم العصر بالرغم من الخلاف مع سيد قطب، والاختلاف عليه.

لقد تحولت جماعة الاخوان المسلمين في الاردن تحديدا في العقود الثلاثة بشكل كبير، فلم تعد الجماعة مجرد تحفة ديكورية في اطار الدولة الأردنية منذ تاسيسها في نهاية اربعينيات القرن الماضي في عمان، لكونها كانت تقوم بدور خطر جدا بالعمل كواقي صدمات في مواجهة الافكار الالحادية التي كانت تهب على المنطقة بدءا بالقومية العربية وانتهاءا بالشيوعية ــ وفقا لعقل الجماعة ــ، بل ذهبت لتقف دائما في خندق الدولة في مواجهة اية حركة شعبية معارضة للدولة، ولذلك بقيت الجماعة طيلة السبعين سنة الماضية تعمل موظفا عند الدولة وعقلها السياسي الذي اتقن توظيفها وتوجيهها، ونجح تماما في خلق اذرع له وصلت الى قيادة الجماعة، واصبحت جزءا فاعلا في خلية التوجيه الديني والسياسي والثقافي فيها.

والمشكلة الابرز هنا ان هذه الاذرع هي التي تعمل الان جاهدة على خلق المرحلة الثالثة من مرحلة انقلابات الجماعة على عقلها السياسي والعقائدي، فقد راى القادة الجدد ان مصلحة جماعتهم تذهب للتبرؤ من قيم ثاوية في الاسلام السياسي الاردني، وهي قيمة المعارضة في اطارها الديني وليس في اطارها السياسي، وهذا اخطر بكثير من اية معارضة سياسية تخضع عادة لحسابات المصالح والربح والخسارة الدنيوية، اما المعارضة الدينية فهي الموقف الموجع الذي لا تحتمله مصالح القادة الجدد، لانها تستند اساسا الى احكام شرعية لا يستطيع القادة الجدد تسويق نقيضها على الناس.

وليس افضل من يجيب عن ذلك من الشيخ الجليل د. محمد ابو فارس عن هذه المعارضة في اطاريها الديني والسياسي، فله في هذا الجانب ابحاث ومؤلفات لا تحتمل التفسير والتاويل، وكذلك الشيخ الجليل د. همام سعيد الذي يتبوأ الان مقعد المرشد لاخوان الاردن.

وما شهدته الجماعة من تحولات لا يحتمل المكان هنا الاحاطة بها، وما يقال الان عن ان السبب هو فقط الارتباط بين الجماعة وبين حركة حماس كلام لا تقف الشواهد عنده فقط، فقد انتهت العلاقة مع حماس في اطار توافق بين من يسمون”الحمائم” مع حكومة الروابده في حينه، وكل ما يمكن سماعه من قعقعة الان وسابقا هي مجرد غطاء خشن لما هو اخطر منه وهو التحول بالجماعة وفكرها الى مرحلة اخطر وهي “اردنة الجماعة” وتحويلها الى جماعة اردنية خالصة تحمل فكرا قطريا خالصا، وبهوية اردنية خالصة في مواجهة هوية فلسطينية تدفع بقوة نحو الغياب والابعاد، والاقصاء.

والاهم هنا هو استسلام الجماعة بكل نظمها وقيمها الى جيش عريض من القادة الجدد الذي يرون ان الاسلام لم يكن فقط فكرا أخرويا خالصا، بل هو فكر دنيوي، ولهذا فان الجماعة الان تتجه نحو تحول جذري حقيقي للخروج من  عباءة الاخروي، والدخول في جنة الدنيوي، من خلال ربط الجماعة اكثر بالدولة المدنية الأردنية، وبمصالح الجماعة من التجارة الى البزنس، والاهم التخلص من اعباء الجهاد والمقاومة وغيرها من قيم الاسلام العقائدي الذي يتخلى عن تلك القيم في سبيل مقاعد في مجلس النواب، او في سبيل التوصل الى صفقة تعيد جمعية المركز الاسلامي الى حضن الجماعة الام.

وليست الصراعات الناشبة حول هوية امين عام حزب جبهة العمل الاسلامي سواء اكان بني ارشيد، او غيره الا صورة في البوم تشتت الجماعة الان بين ولائها لله، وبين ولائها لقيم”التاجر..” وتلك معضلة الجماعة والحركة الاسلامية التي دخلت في حسابات الربح والخسارة ، فيما تخفي تحت رمادها جمرا اكثر اتقادا يتعلق بالمسكوت عنه وهو التخلي عن المعارضة في اطارها العقائدي الديني، والانغماس اكثر فاكثر في المعارضة السياسية الخالصة التي تخضع بكل ابعادها الى حسابات الربح والخسارة والعرض والطلب، وهذا ما يبحث عنه “البزنس الديني”.

وتحت الرماد أيضا يختفي وميض الجمر المسكوت عنه وهو ان مصالح الجماعة لا تحتمل الخطاب التحريضي المعارض في اطاره المباشر، فالذين يقودون الان حركة الانقلاب على “المعارض الديني”، انما يقودون الجماعة والحزب معا الى الانغماس في تجييرهما الى “المعارض الدنيوي”، ولم يعد مهما لديهم الذهاب بالحركة الاسلامية بذراعيها الحزب والجماعة الى البراءة من حركة حماس فيما يسمى”فك الارتباط”، وبين الذهاب بالجماعة أيضا الى “تكريس الصراع على الهوية القطرية” وحصر الجماعة في زجاجة الهويات الضيقة، والصراع المحتوم على مكان الولادة، والبلد الاصلي، والتخلص نهائيا من اعباء ايات الجهاد، والحرب والمقاومة، لصالح مكاسب سياسية واقتصادية بدءا بافساح الطريق امام الطامحين منهم للوصول الى مجلس النواب ــ مثلا ــ، او استعادة مؤسسة البزنس السياسي والاقتصادي والاجتماعي المتمثل بجمعية المركز الاسلامي التي تشكل احد عناوين صفقة ستكون حتما جائزة للتيار “التاجر” في الحزب والجماعة.

وحتى لا نذهب مطولا في الاطالة فان ما يجري في الجماعة والحزب الان من تحولات تخضع لمفهومين في غاية البساطة، اولهما تيار لا يزال يتمسك بشعار جماعة الاخوان”القران دستورنا والرسول قدوتنا..”، وتيار اخر قفز كثيرا عن هذا المنطق السلفي ليعلن تمسكه”بسياسة عمرو بن العاص، باعتباره مثلا يحتذى كصحابي اولا، وكسياسي ثانيا، وكعقلاني وموضوعي ثالثا، وكتاجر رابعا…

وتلك معضلة الجماعة الان .. وغدا… وربما بالامس…

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *