آراء ومقالات

محمد مساعد الصالح… قلم حقيقي وسنديانة كويتية يغيبها الموت

عين نيوز:

اسامة الرنتيسي

عمان- عند تخرجه من كلية الحقوق في جامعة القاهرة العام 1958 لم تكن في الكويت محاكم نظامية او قوانين حديثة، فلم يعمل محاميا بل عمل في شركة والده

محمد مساعد الصالح
محمد مساعد الصالح

.

قبلها، وعندما كان طالبا في القاهرة شجعه المرحوم عبدالله زكريا الانصاري على الكتابة في مجلة البعثة التي كانت تصدر باسم الكويت في مصر، ممثلة للنخبة الطلابية الكويتية وقتها، لم يكن محمد مساعد الصالح لحظتها يعرف انه سيصبح أهم كتاب الزاوية القصيرة والرشيقة في الكويت والعالم العربي.

الله بالخير….(يا أبو طلال) اسم الزاوية التي سيفقدها قراء القبس الكويتية وعشاق محمد مساعد الصالح والتي بدأت في صحيفة الوطن الكويتية في عهد ابي طلال نفسه في السبعينيات واستمرت حتى التسعينيات حيث انتقل صاحبها الى رحمة الله صباح يوم الخميس 7 تشرين الأول (اكتوبر) بعد معاناة مع المرض عن عمر يناهز السادسة والسبعين.

ابو طلال بدأ الكتابة بشكل منتظم في العام 1961 في مجلة الهدف، وكان يكتب صفحة كاملة تحتوي على عدد من الاعمدة وتنشر كل يوم خميس، وفي أزمة الكويت مع عبدالكريم قاسم قام بكتابة مقالة وصف فيها عبدالكريم قاسم بالمجنون، واستدعى بعدها أمير الكويت وقتها الشيخ عبدالله السالم الصباح رؤساء تحرير الصحف ومعهم وزير الاعلام أنذاك الامير الحالي الشيخ صباح الاحمد الصباح، وقال لهم انه يجب على الصحافة ألا تهبط الى هذا الاسلوب في تناول حتى الاعداء، فقال ابو طلال للأمير الراحل إن صحافة العراق تصف (عبدالله السالم) بنعوت أشد، فرد عليه الشيخ عبدالله السالم انه يجب علينا ان نترفع في الرد عليهم، وكان ذلك هو الدرس الأول والكبير للتسامح عند ابي طلال.

امتلك ابو طلال، الرجل السبعيني قامة طويلة، وحاجبين كثيفين، ووجها جادا لا يوحي ان صاحبه يمتلك النكتة بالفطرة، ويشي ببعض الخجل، له ثلة من الاصدقاء تجمعهم ديوانية صديق عمره برجس البرجس، وخاصة في شهر رمضان، تضم في عضويتها مجموعة شبابية في الروح لا في العمر، فاكهتها الفلكي المعروف الدكتور صالح العجيري، وأعضاء مكتبها الدائم المربي عقاب الخطيب شقيق الدكتور احمد الخطيب، وصبيح السلطان والدكتور محمد الرميحي وعبدالله النيباري ….وآخرين ممن تزيد اعمارهم عن السبعين او أقل وضيوفا يدعون الى الديوانية باستمرار، هذه المجموعة استنت سنة حميدة في شهر رمضان، وفي ليلة 27 منه، بأخذ صورة جماعية كل عام وتكبيرها، بحيث يراقب الجميع من يغادر الحياة بين رمضان والذي يليه، في رمضان قبل الماضي رفض العالم الفلكي العجيري الجلوس في الصف الأول جلوسا، وأصر ان يكون في الصف الثاني وقوفا، مداعبا الجميع (كاتب السطور احدهم) أن الذي يجلس في الصف الأول اقرب الى الصليبيخات (موقع المقبرة في الكويت) فتشجع ابو طلال وجلس اولا في الصف الأول.

ليلتها كان العجيري (85 عاما) في كامل اناقته وتألقه في الافكار والنكات، التي اخذ في الاسترسال بها النكتة تلو الاخرى، لكن النكتة الفطرية خرجت من صاحب “الله بالخير” عندما كان يتندر انه سمع هذه النكتة على لسان العجيري 1250 مرة ، وهذه 1251 مرة….

صاحب “جمعية الدشاديش القصيرة” الذي صدر العام 1997 وأثناء دراسته للقانون في مصر (يعد أول محام كويتي) تشكلت من قبل الطلبة الكويتيين جماعة قومية عربية كان من ضمنها عبدالله النيباري ويوسف الشلقان وعلي الرضوان وسليمان الزيدي وفجحان المطيري وجاسم المرزوق وآخرين…تطوعوا للدفاع عن مصر في ايام العدوان الثلاثي.

لكن قومية ابي طلال، ورغم ما أصابها من غدر الجار، بقيت في حلمه القومي، ويقول في احدى المقابلات الصحافية

“لقد كانت الصحافة قبل الغزو العام 1990 تركز مواضيعها في القضايا العربية وخاصة القضية الفلسطينية، وعندما كنت في مصر طالبا كنت عضوا في حركة القوميين العرب التي تتبنى الحرية والتحرر من الاستعمار والخلاص من اليهود، فكل ما كنت أكتب في الصحف وعناوين الصحف حول القضية الفلسطينية والقضايا العربية، ولكن بعد التحرير وسفر العديد من الفلسطينيين من الكويت حيث لم يبق منهم سوى 40 الى 50 ألف فلسطيني تقريبا، وفي السابق كانوا هم الاكثر قراءة لمثل هذه المواضيع، لذا فلم يعد هناك قراء لمثل هذا التوجه العروبي”.

ابو طلال، الذي كاد، وهو في الرابعة من العمر، يدفن حيا، بعد أن سقط من سطح المنزل، واصيب بالاغماء، ولضعف الوعي الصحي وبساطة والدته عندما رأته ملقى على الارض بلا حراك، صاحت منادية والده “محمد مات يا مساعد” وصدقها الوالد وقام بتكفينه، ولولا القدر ومرور أحد المتعلمين الذي طلب من والده عرضه على طبيب، فاكتشف حالة الاغماء، لراح فيها، استمر حتى في اخر مقالاته مدافعا عن الانسان الفلسطيني المشرد، وكتب مؤخرا مجموعة مقالات عن معاناة الفلسطينيين من حملة وثائق السفر المصرية.

محمد مساعد الصالح كاتب التنوير، والنزاهة… واحترام الرأي والرأي الآخر… الكاتب الذي ان اختلفت معه ستجده لينا وحريصا على أن يبادل وجهات النظر والاختلاف بأريحية، وهدوء شديدين.، وغيابه خسارة كبيرة، فهو ممثل لمدرسة صحافية، تعتمد الفكرة المكثفة تماشيا مع روح العصر، فضلا عن كونه يمثل الاتجاه الليبرالي، القائم على الانفتاح واحترام الرأي الآخر، ومحاورته وفق قواعد ادب الحوار، الذي لم يعد قائما في هذه المرحلة، حيث تسود ثقافة الضجيج والبذاءة، وهو ايضا احد رجال القانون المعدودين المشهود لهم بالنزاهة.

لابي طلال 3 بنات وولدان، بلقيس ومي وشيخة، وطلال “الذي ورث خفة دم والده” وطارق “الذي انتقلت له جينات الكتابة”.عمل ابو طلال رئيسا لتحرير صحيفة الوطن الكويتية لمدة 16 عاما، وشغل منصب أمين سر جمعية الصحافيين الكويتية، وحصل على جائزة أفضل كاتب عامود صحافي من نادي دبي للصحافة في العام 2007.

ابو طلال عليك الرحمة وعلينا وما بدلت تبديلا.

مقالات ذات صلة

تعليق واحد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
Social Media Auto Publish Powered By : XYZScripts.com