فن وثقافة

يوسف الخال.. لا قبر للشاعر في بلد حركة “شعر”

الشاعر يوسف الخال

بيروت – كان الحشد كبيرا والمناسبة جميلة جمعت شمل الاحياء من شعراء حركة “شعر” ومجلتها فسردت ذكريات واستعيدت افكار كانت محركة في حينها وبعضها لما يزل.

لكن عندما وصل الامر الى الشأن الانساني من مرض وموت سيطر على الاجواء شعور برهبة مصير الانسان والشاعر خاصة في بلد حركة “شعر” الذي يفتخر بالثقافة والعلم والمستوى الحضاري.

بعد كلمات ألقاها “نجوم” من حركة شعر ومجلتها استهلت بكلمة عاطفية مؤثرة للشاعر فؤاد رفقة عن مرض يوسف الخال وأيامه الاخيرة جاء قبل الختام دور السيدة مهى بيراقدار الخال ارملة الشاعر الراحل يوسف الخال رئيس تحرير مجلة شعر والذي كان مع الشاعر ادونيس كبيري مؤسسي الحركة.

وبعد ان وضعت كلمات لنذير العظمة الذي ألقى قصيدة ايضا ولأدونيس وانسي الحاج وشوقي ابي شقرا ورياض نجيب الريس الحاضرين في اجواء البدايات والأفكار والعلاقات التي شهدتها الحركة وأركانها وهو ما شكل في مجموعه ما يشبه العودة بالذاكرة الى “بيان تأسيسي” متصور مع ايضاحات و”تعديلات” ومشاعر بالفخر جاء دور السيدة الخال.

وكان ادونيس في كلمته قد دعا الى مطالبة وزارة الثقافة اللبنانية بتخصيص جائزة باسم يوسف الخال وباطلاق اسمه على شارع او مجلة ما.

وتحدثت السيدة الخال قبيل الختام فطالبت للراحل بما هو ابسط من الجائزة والشارع او الساحة وما هو في الوقت نفسه اهم منهما دون شك.

وقالت ان قبر يوسف استبيح ودفن مكانه اشخاص اخرون واختفى تمثاله ولم تنفع جهود العائلة في الحصول على قبر له. اضافت انها كانت كلما طالبت بذلك وجدت نفسها امام تنصل من المسؤولية من السلطات المحلية في بلدة غزير في منطقة كسروان حيث عاش يوسف وعائلته سنواته الاخيرة وحيث دفن. وكل سلطة تلقي بالمسؤولية على الاخرى. وختمت قائلة “لا اريد صرحا بل قبرا يليق بإنسان.”

الاحتفال اقيم في نادي متخرجي الجامعة الامريكية في بيروت. وكان ” خميس مجلة شعر” يعقد كل اسبوع في اماكن ابرزها فندق بلازا في منطقة الحمراء البيروتية ونادي خريجي الجامعة الامريكية في مقره القديم قرب مستشفى الجامعة المذكورة او في منزل يوسف الخال او منزل ادونيس في المنطقة نفسها.

وقد جرى اللقاء الاستذكاري الأسبوع الماضي ولم شمل شعراء “شعر” بمبادرة من الكاتب سليمان بختي مدير دار نلسن للنشر بالتعاون مع وزارة الثقافة وذلك في مناسبة اعلان بيروت عاصمة عالمية للكتاب. وقامت دار نلسن ببادرة مميزة هي اعادة طبع العدد الاول من مجلة “شعر” الذي صدر في شتاء 1957 وتوزيعه مجانا على من حضر. ألقى بختي كلمة الافتتاح وقام بتقديم المتكلمين فيه.

وجرى تذكر الراحلين من ناشطي حركة شعر ومنهم محمد الماغوط والدكتور اسعد رزوق وشعراء وأدباء اخرون.

ويبدو ان اجواء ما يطلق عليه بالانجليزية تعبير “الحب – الكره” في آن واحد معا او فلنقل أجواء “الحب – التنافس” التي رافقت علاقة بعض شعراء المجلة قديما ما زالت سارية في العروق الكهلة وإن بظرف وكياسة ودماثة الشيب والسنين الكثيرة وضمن نطاق “التنوع ضمن الوحدة”.

بعد كلمة فؤاد رفقة المؤثرة تكلم ادونيس الذي بدأ بشكر “اعداء المجلة لانهم اوضحوا لنا اشياء كثيرة … العدو الجميل صديق من نوع اخر.”

وكانت مجلة شعر في البداية قد جمعت شعراء من مذاهب فنية وأنماط مختلفة وكل منهم قد شق طريقا خاصة به او اتبع طرقا شقها اخرون. وتحدث عن هؤلاء الشعراء فقال ان الفكرة الاولى لمن يراها من الخارج ليست هي نفسها لمن يراها من الداخل. اضاف “اشك في ان يكون احدنا قد احب شعر الاخر او تغزل بشعر الاخر” او حتى قرأ شعر الاخر.

لكن امرا عميقا قام على وحدة نظرة عامة ووحدة حركة على رغم التباين والتنوع اذ كانوا كشخص واحد في محبتهم للشعر. وقال انه للمرة الاولى في القرن العشرين طرحت قضايا كونية بهذا الشكل وان “شعر” هي ظاهرة ثقافية فريدة في نوعها في لبنان والعالم العربي.

انسي الحاج خالف ادونيس في ان الشعراء لم يحب بعضهم نتاج الاخر فقال انه احب شعر ادونيس وشعر شوقي ابي شقرا واشار الى ان الاختلاف بين الشعراء انما كان ناتجا عن اختلاف عقائدي في المباديء ولم يكن شخصيا. اضاف ممازحا انه في ذلك لم يكن مثل ادونيس فأدونيس كان دائما على استعداد لان يفتح “جبهة” وحده “وانا اتلطى تحت الشرفات لابتهج بالدنيا.”

اضاف انه عندما يتذكر تلك الحركة وتلك الايام يتذكرها بندم وفرح في الوقت نفسه. وقال “كنت اتمنى ان ابقى على الهامش عل القدر لا يسأل الوحيدين.”

وتحدث شوقي ابي شقرا ومما قاله ان الجامع بين هؤلاء الشعراء هو روح العصر وامتداداته وان يوسف الخال كان المؤسس والمحرك والحاضن.

اما رياض نجيب الريس الذي كتب الشعر في بداياته فقد كان بالغ الصراحة وبظرف فقال انه كان “كومبارس” اي صحافي بين مجموعة شعراء وانه لم يعتبر نفسه شاعرا كبيرا.

وكانت السيدة الخال قد تحدثت عن مرض يوسف وايامه الاخيرة وصداقة رياض معه فقالت ان عليها ان تذيع سرا هو ان نفقات طبابة يوسف كلها واقامته في فرنسا قد دفعها رياض نجيب الريس.

وفي الختام القت ارملة الراحل الدكتور اسعد رزوق كلمة مؤثرة.