آراء ومقالات

وليد حسني يكتب…انتحار “صوفي”..

هي صوفي.. تدرجت في تهاليل الحياة من مح أصفر داخل بيضة إلى رحم صناعي، لتفقس بلا أم تعرفها أو أب يهبها اسمه ويمنحها نسبا عريقا تتفاخر به على باقي دجاجات جنسها.
ترعرعت صوفي مدللة بين عشرات آلاف الصيصان في مزرعة ريفية، وتعيش كما يعيش قطيع الدجاج داخل قن كبير متسع الأرجاء، وحين كبرت قليلا لم تعرف فضائل التحرش الجنسي، لم تسمع أبدا صياح ديك يرغب بمغازلتها بجانب معلف الدجاج، ولم تسمع أحدا يتحدث عن منقارها المرسوم كالعنقود، وجمالها كما “النقطة في المصحف”، و مؤخرتها التي تشبه حشوة الليف، وفضائل مشيتها، وتبخترها المهيب، وصدرها المرتفع كنجم في السماء.
الدجاجة صوفي كبرت داخل الجيتو المتسع، وظلت حبيسة جدرانه تأكل بنهم وتشرب قدر حاجتها، وتبني علاقات عابرة مع مئات الدجاج حين يصبح الزحام قاعدة لحياة بلا معنى.
وصوفي دجاجة بلدية هذا كل ما تعرفه عن نفسها وعن تاريخ حياتها الشخصي، ونسبها وأصولها ومنابتها، قالت ذات مرة لدجاجة متفاخرة بالقرب منها إنها سمعت أنها تنحدر من أصول فرنسية ، وتحديدا من سلالة دجاج ديو الفرنسي، ضحكت الدجاجة المتفاخرة منها كثيرا قبل أن تدير لها مؤخرتها دون ان تنبس ببنت شفة تاركة صوفي تبني في داخلها عالما خياليا عن الأصول والأنساب، ونقاوة الدم والعرق على حد سواء.
لم تجد صوفي ما تفعله غير الانتظار لمعرفة ما ستبديه الأيام لها، وانخرطت في حياة المزرعة، تكبر في كل يوم وتكتسي الكثير من اللحم الأبيض والشحم، وتستكمل كامل المواصفات لتجعل منها دجاجة بمواصفات عالمية.
ذات صباح حدثت جلبة داخل المزرعة شاهدت رجلين يتبختران بين الجموع النافرة ويقومان باختيار الدجاج وفقا لمواصفات يتم تطبيقها بالعين المجردة، وقبل ان تدرك ما الذي يجري حولها كانت ترقد ساكنة في حضن عامل المزرعة الذي تعرفه جيدا بعد أن توافق الرجلان على اختيارها من بين من اختاروه من الدجاج.
نقلت صوفي الى عنبر آخر بدا كل ما فيه ديوك هائجة، وتعرضت للإغتصاب مئات المرات، وبدأت تعرف لأول مرة كيف يمكن ان تصبح اما لبيض لا تعرف أين يذهب، والى أبناء لن تراهم أبدا، تمردت صوفي الدجاجة البلدية على واقعها الجديد، واعتدت على أكثر من ديك تحولوا لضحايا لها، بعضهم فقد عينيه، والبعض الآخر خرج من مواجهتها باصابات بليغة..
أصيبت صوفي بالجنون، قيل إنها لم تعد تأكل، وانكمشت على نفسها في زاوية العنبر الجديد، وبدا كل من في العنبر يتحاشها فلا يقترب أحد منها، حتى ان عامل المزرعة حاول اكثر من مرة تهدئتها والاقتراب منها إلا أنها كانت تقابله بعنف، وتصده بقوة.
قال عامل المزرعة لاحقا ان صوفي ماتت حزنا وكمدا على مغادرتها عنبرها الأول، وأضاف ربما انها تعرضت لوحشية في تعامل الديوك معها، وقيل انها ماتت كمدا على مصير بيضها وفراخها..
لكن ما لم يقله عامل المزرعة أن صوفي شاهدت بام عينيها كيف ينتقى الدجاج ويرسل الى المسلخ ليذبح ويسلخ ويقطع دون أية إرادة من الضحايا للرفض او الاحتجاج.
صوفي قتلت نفسها، ظلت تنتف لحمها وريشها وتنزف طيلة الليل حتى لا تذهب لنتافة ريش خارج عمان..

الكلمات المفتاحية: مقالات