غرفة الصراحة

واعظات جاهلات يقتحمن بيوتنا.. علماء شريعة يحذرون من معاصي ترتكب في دروس الدين النسائية

عين نيوز- خاص- فاديا العتيبي/

تغيرت أحوالنا وتبدلت، فلم تعد كما كانت في السابق، انقلبت حياتنا التي هي عمودها لمأساة، بعد أن تغير كل ما فيها…ملامحها..أفكارها…معاملتها، كلها قلبت رأسا على عقب، فبعد أن كانت الأم الحانية المرهفة الحس صاحبة الابتسامة الدافئة التي لا تفارق محياها، أصبح العبوس علامة تلازمها، والقسوة (سوط) يرافقها، والصراخ أداة حوارها.

.. كل هذا منذ اللحظة التي وطأت فيها قدميها عتبات إحدى المحاضرات الدينية أو كما يشاع “دروس الدين”، لتلقي بعض أمور الدين والفقه على يد نساء أسمين أنفسهن “بالداعيات” أو “الواعظات”، اتخذن من بعض أشرطة الكاسيت وبرامج الفضائيات الدينية أو من بعض الكتب قاعدة معلومات لهن، ليتحدثن في أمور الدين فيفتين، ويركزن على بعض الأمور ويستثنين أمور أخرى تبعا لمحدودية حصيلتهن الدينية، دون أن يدركن بأنهن قد أوجدن فجوة عميقة داخل منازل وبيوت الكثير من العائلات والأسر، لما يزرعنه من أفكار ومعتقدات اقرب إلى التشدد ولا تقوم على دليل شرعي، في عقول نساء بسيطات لسن بذات المعرفة والإدراك.

شكوى إذا أمعنت النظر بكلماتها، تلمس الإحباط واليأس والكآبة الذي غلف أسرة هي مثالا لكثير من الأسر التي فقدت الأمل والتواصل والإنسجام تبعا للنفسية التي وصلت لها أقرب الناس لهم، “الأم” التي تأثرت بكلام واعظة أو داعية جعلت من المعرفة الناقصة حكرا لها، لتشوه بأفكارها وأفعالها صورة الإسلام النقية التي لا تشوبها أي شائبة ولا تقبع تحت وطأة أي تشكيك ، بل تودع الأمل والتفاؤل في قلوب ونفوس المسلمين أجمعين، لتشكك وتحرم وتحلل كما يحلو لها دون الرجوع لأي مستند ديني يقوم على دليل شرعي وثابت.

بعض الواعظات بطبيعة الحال يمتلكن الكفاءة العلمية والدينية  بحصولهن على شهادات علمية في العلوم الشرعية والفقه الإسلامي تؤهلهن للوعظ والإرشاد والرجوع للنصوص الشرعية من قرآن وسنة واستيعاب المراد منهما كما أراد الله،  فهو عمل ايجابي وظاهرة صحية تدل على وعي المرأة المسلمة،  وغيرتها على دينها وحرصها على نشره بين النساء لبحث موضوعات عديدة تهم المرأة في الدرجة الأولى خاصة وأنها أقدر على توصيل الأحكام الشرعية للنساء بحكم أنها من ذات الجنس، على عكس الرجل الذي قد يؤثر الحياء على مجرى الحوار ويكون غير قادر على إيصال الإفادة كما هي.

لكن ما  يقصد بكل ما سبق ذكره، وبات أمرا من الصعب السكوت عنه  خاصة وانه أصبح ظاهرة لإنتشاره بكثره وتحديدا في الأحياء الشعبية وجود كثير من غير المؤهلات علميا ودينيا ليعطين محاضرات دينية من خلال طرح أفكار أقرب إلى الصرامة تنفر لها النفوس، في حين أن ديننا دين يسر لا عسر فيه،  فيحدثن بلبلة وتشكيكا في مجال الفتاوى والأحكام الدينية، الأمر ازداد سوءا أن نسبة النساء المقبلات على هذه الدروس لتلك الفئة من الواعظات في ازدياد مستمر فكل إمرأة تدل قريباتها ومن ثم معارفها فتزداد القاعدة.

قصص من الواقع

أولى هذه الروايات ستكون رواياتي “أنا” التي سأردف فيها معاناتي وأخوتي مع ” والدتي ” والتي لن أتردد في سردها، فقد كانت والدتي قبل أن تبدا بحضور تلك الـ”الدروس” التي تعقد في كل مرة في بيت أحد النساء اللاتي يترددن على مثل هذه المجالس ، يظهر عليها الإنبساط والأريحية واللطف والحنان والمعاملة الحسنة ، وسمي ما شئت من صفات تشير لأم عظيمة لا شبيه لها ، إلا أنها تغيرت بعد أن واظبت على حضور الدروس الدينية على يد تلك الفئة من النساء، حيث باتت تميل إلى الكآبة في معظم الوقت ، قاطبة الحاجبين، تصرخ في وجه الصغير والكبير إن اخطأ في حين كانت في السابق تتناسى أحيانا وأحيانا أخرى تغضب، تميل للعزلة، ترفض الجلوس بيننا وتحادثنا على اعتبار أن ما نقوم به  مضيعة للوقت، ترفض أي أفكار نطرحها قد تكون في سبيل المزاح واصفة ذلك بقلة أدب، وإن قمنا بمناقشتها بأي موضوع تسمعه في “دروس الدين”، وتبين في طرحها للفكرة خطأ ما  ولا يستند لدليل شرعي ، أقفلت باب النقاش ونعتتنا بالجهلة الغافلين عن ديننا، حتى أنها باتت تغفل عنا نحن، فلم تعد تهتم بشؤوننا كما كانت، وصار جل همها حضور هذه” الدروس” التي باتت تعقد معظم أيام الأسبوع وتستمر لساعات متواصلة، حتى المعاملة الحسنة التي نادى  بها الإسلام الحنيف والتي يجب أن تحض عليه الواعظة لم تعد موجودة كما كانت في السابق.

أما “هدى” فتقول بأن معظم الدروس الدينية يكون موضوعها الأساسي في الغالب الحديث عن الفتيات وإحسان تربيتهن وضرورة الحفاظ عليهن خوفا من الوقوع في الخطأ في هذا المجتمع الذي بات أشبه بالغابة على حد الوصف، ومن الضروري مراقبة الفتيات وتحركاتهن وتصرفاتهن ، مع ذكر عدد من القصص المخيفة التي قد تقشعر لها الأبدان لفتيات وقعن في مزالق وتعرضن لحوادث مرعبة نتيجة التقصير الذي يقع على عاتق الأهل، دون أن يذكرن الطريقة الملائمة للقيام بهذه المهمة ، الأمر الذي سيؤثر على قلوب النساء حيث العاطفة والخوف يغلب عليهن، فتجد الأمهات يقسن بخوفهن على بناتهن ويشددن عليهن فيمنعوهن من الخروج وإذا خرجن يلازمنهن في معظم الأحيان الأمر الذي قد يحدث إشكالية كبيرة بين الأم وابنتها، والاولى إيصال الفكرة لهن بطريقة إيجابية من خلال إحسان تربيتهن على الأخلاق الحميدة والالتزام الديني، وزرع  الثقة بدلا من ترهيبهن ليصل الأمر بالنساء لان يكرهن اللحظة التي انجبن بها إناث خوفا من حدوث مكروه لهن.

“هيا” تقول: والدتي بالأساس على قدر جيد من الإلتزام الديني ، وكانت تحسن معاملة صديقاتي اللاتي بعضهن غير محجبات ، حيث كانت حين تراهن تردد على أسماعهن بطريقة محببة ولطيفة ضرورة ارتداء الحجاب وتدعو لهن بالتوبة والهداية، لكن وبعد أن أصبحت ملازمة لـ هذه الدروس الدينية” ما عادت تطيق رؤيتهن، بل وصل بها الأمر لأن ترفض علاقتي معهن وترفض زيارتهن لي، معللة بأنه من الممكن أن يؤثرن علي وعلى إلتزامي  الديني بالرغم من تأكدها بأنهن على مستوى عال من الأخلاق الحميدة لكن باتت تعلل رفضها بأنهن غير مرتديات الحجاب لتطالب بقطع علاقتي معهن.

ومن جهة أخرى تقول نبيلة بأن والدة زوجها واظبت في فترة من الوقت على حضور الدروس الدينية وقراءة كتب الفقه بالإضافة إلى أنها تمتلك موهبة الخطابة والإقناع، حتى تولد لديها شعور بأنها قادرة على عقد دروس دينية لعدد من النساء من الحي الذي نقطن فيه، وبالفعل أصبحت تعقد درس ديني يومي الأحد والثلاثاء من كل أسبوع وبشكل منتظم.

وقد قررت في إحدى المرات حضور درس لها، وتفاجأت بما تقوله حيث أن بعض ما تقوله من أحكام على اعتبار أنها تستند لدليل شرعي من القرآن والسنة من وجهة نظرها ، فيه نوع من التزمت والصرامة، كما أن هناك بعض الأحكام التي تعظ بها النساء لا تقوم هي ذاتها بتطبيقها، حيث أستمعت لها في تلك المرة وهي تفسر آية قرآنية تفيد بعدم دخول البيوت دون استئذان من أهلها، وقد أردف هذا المعنى لآية قرآنية ورد ذكرها في سورة النور، إلا أنها لا تطبق هذا  الأمر بل تجيز لنفسها أن تحتفظ بنسخة من مفاتيح منزلي الذي هو ملكي وزوجي فقط وتسمح لنفسها بدخوله متى ما شاءت عند ذهابي وزوجي للعمل، وهذا ما يرفضه ديننا حيث لا يحق لها دخول منزلي لأي سبب كان دون استئذان مني، ناهيك على أنه في أحيان كثيرة وبعد أن تنهي درسها الذي لا يزيد عن ثلث ساعة ، يتحول المجلس في النصف الساعة المتبقية لمجلس تكثر فيه الأحاديث الجانبية التي تعج بقصص اللآخرين وقد طغى عليها طابع الإستغابة، فما كسبنه من حسنات قد زالت بتلك التصرفات.

(ريما) حصل معها شيء آخر  حيث قالت: في إحدى المرات رافقت والدتي على أحد دروس الدين التي تعقد يوم الاثنين من كل أسبوع، وفجعت بفحوى الحديث الذي طرح وقتها، شعرت بلحظات رعب والظلمة قد أحاطتني، فقد كان الخوف يطغى على ملامح النساء وقد اغرورقت أعينهن، التي رُوفقت بالتهليل والتكبير والصلاة على نبي الله، كانت النظرة السوداوية لحياة الدنيا والآخرة تطفو على مجرى الحديث، لما استخدمته من أسلوب “الترهيب”، فكان تركيز الحديث عن الموت وعذاب القبر ويوم الحساب، وهذا الكلام جعل شعور اليأس والتقصير يتملك النساء الحاضرات مما يدفعهن للعمل للآخرة على حساب الدنيا، الأمر الذي يسبب لهن ردة فعل عكسية تجعلهن يعملن لآخرتهن ويهمشن الأمور الدنيوية، فيصبحن منعزلات ويلغين من قاموسهن رفاهية الدنيا من استمتاع وترفيه،  ومن المفترض بها أن تساوى بين الأمرين: الإيجابي والسلبي، بحديثها عن العمل والسعي في الأرض وطلب العلم وحسن تربية الأبناء وصلة الرحم الذي يؤجر عليها الإنسان أيضا.

على عكس ما قيل سابقا تقول (هنادي) انه في يوم عزاء والدها الذي توفي العام الماضي قدمت إحدى الداعيات لإلقاء درس ديني على الحاضرات من المعزيات، ترحما على روح والدها من جهة ومن جهة أخرى بدلا من انشغالهن بالأحاديث الجانبية، وتضيف: بالفعل ألقت الواعظة درسا لاقى حسن استماع من الموجودات، لكن تفاجأنا بأن الـ(الواعظة)، وفي نهاية الدرس قامت بجمع النقود من الموجودات من النساء كنوع من الصدقات الأمر الذي كان مرفوضا تماما بالنسبة لنا، خاصة وأنه قد أفسد الجو العام في مجلس العزاء.

د.القضاة: يحتم على وزارة الأوقاف أن تراقب الواعظة غير المؤهلة

للشريعة رأي واضح وصريح، فمن جهته يقول أستاذ الشريعة في الجامعة الأردنية الأستاذ الدكتور محمد القضاة أنه من الصعب أن ينكر منصف أن بعض الواعظات غير الموظفات من وزارة الأوقاف تتقن الوعظ والإرشاد والتوجيه، وعندها على الأقل الحد الأدنى من معرفة الفقه الإسلامي والعلوم الشرعية إذا أرادت أن تجيب عن سؤال أو تعطي فتوى وعندها الدليل ،حتى أن بعضهن يسألن أهل العلم إذا لم يعرفن الجواب، هذا النوع من خيرة النساء يتقين الله في السر والعلن، ويلتزمن بأوامر الله، لذا فإننا نجد دروسهن مفيدة وسمعتهن طيبة.

ويضيف بأن عملية الوعظ وتوعية الناس وتبصيرهم بأحكام الشرع الشريف من أخطر المناصب، لذا لا بد أن نتخير المعلمة البصيرة بأمور دينها، ذات العلم الشرعي، لننهل من علمها لأنها تبني ولاتهدم، تأمر بالمعروف وتنهي عن المنكر وتدعو وهي المسؤولة عن الوعظ والإرشاد فتتابع وتراقب الواعظات المعينات في كوادرها، لتتأكد من كفاءتهن العلمية، وحسن رعايتهن لوظيفة الوعظ والتعليم وهي رسالة مقدسة .

ويؤكد أنه يحتم على وزارة الأوقاف إذا بلغها عن واعظه متطوعة غير مؤهلة تعطي الدروس أن تسأل ٍوتراقب خوفاً من أن تبث سموم الفكر والعقيدة في أذهان النساء اللواتي يحضرن دروسها، وعلى أمثال هذه الفئة أن تتقي الله في دينها فلا تتكلم إلا حدود علمها، ورحم الله امرءاً عرف قدر نفسه، ودين الله أمانة في أعناقنا جميعاً، ومن يحاول الإساءة أو الطعن أو التشويه، علينا أن نوقفه عند حده ، فكلنا على ثغرة من ثغر هذا الدين ، وحذار أن يدخل الخلل أو المعلومة الناقصة من طرفك عندها تبوء بالإثم والخسران في الدنيا والآخرة.

د.الريان: يكمن الحل في إيجاد جيل مميز من الواعظات متمكن من أساليب الدعوة

في حين يقول أستاذ التفسير في كلية الشريعة بالجامعة الأردنية د.محمد الريان أنه من الصعب التعميم فظاهرة “الواعظات” الأصل أن تكون صحية خاصة إذا كن مثقفات ومتعلمات وتلقين دورات تدريبية في العلم الشرعي وأساليب الوعظ، إلا أننا نلحظ من خلال استفتاءات بعض الناس في مسألة الواعظات أن بعضهن مع الأسف ليس لها خلفية شرعية ولا تتمتع بأسلوب الوعظ المناسب، مما يربك النساء المستمعات ويؤدي إلى إشكالات في فهم الدين عند كثير من النساء.

ويضيف أنه بالإضافة لما سبق أن بعض الدروس الوعظية التي يتم ترتيبها عند النساء تتحول من حلقة علم ووعظ شرعي إلى مجالس ترتكب فيها المعاصي كالغيبة والنميمة وتتحول كثير من المجالس للقاءات اجتماعية قد تصل فيها الأمر إلى المخالفات الشرعية، وإن بعض المجالس قد تصل بها الحال لتكون مجالس للتظاهر والتفاخر والمبالغة في التنافس في الشكليات مما يحيد بالنساء الحاضرات عن هدف المجالس الأساسي لغايات أخرى أكثر ارتباطا بالدنيا ومسائل الخلاف الاجتماعي.

ويؤكد الريان أنه إذا فهمنا السبب الرئيسي لغياب الوعي عند الواعظات واللاتي ينبغي أن يقدن هذه المجالس فإن الحل كامن في إيجاد جيل مميز من الواعظات متعلم ومتمكن من أساليب الدعوة وقادر على معالجة هذه الإشكالات وقد يكون بالدرجة الأولى بتهيئة دورات تدريبية في اتجاهين:الأول: علمي شرعي والثاني المتصل بأساليب الدعوة، وقد تعمل على ترتيب هذه الدورات المؤسسة الدينية الرسمية كوزارة الأوقاف وكلية الشريعة أو المؤسسات الفاعلة بالمجتمع الساعية لتحقيق مفهوم النهضة المتوازن .