آراء ومقالات

الأردن يفشل في إختبار حرية الإعلام

عين نيوز- كتب – نضال منصور /

أحتل الأردن المرتبة 128 في مؤشر حرية الإعلام بتقرير مراسلون بلا حدود السنوي ،وهو بذلك يتراجع ثماني مراتب بعد أن كان ترتيبه 120 عالمياً .

والنتيجة التي لايمكن تجاهلها أو غض النظر عنها ،أن الأردن فشل بإختيار حرية الإعلام ،ولم ينجح في تحقيق تقدم رغم كل الحديث عن الإصلاحات والتعديلات الدستورية ،وفي تفسيره لهذا التراجع يقول التقرير ” في الأردن لم يتبدل وضع حرية الصحافة كثيراً ولكن عنف الشرطة أزاء الإعلاميين والإعتداءات المتكررة والمتعمدة ضد مكاتب وكالة الصحافة الفرنسية في عمان تفسر خسارة هذا البلد ثماني مراتب في التصنيف “.

ولم يكن الأردن خارج الإستثناء فلقد تراجعت أكثرية الدول العربية في مؤشر الحريات الإعلامية ولم تسهم الثورات والحركات الإحتجاجية في تغيير الواقع أو الصورة ، فبإستثناء تونس التي إنتقلت من المرتبة 164 إلى المرتبة 134 أي تحسن 30 نقطة في الترتيب بعد سقوط نظام زين العابدين بن علي الذي أعتبر طوال العقود الماضية من أعداء الصحافة ، فإن مصر تراجعت على سبيل المثال من 127 إلى 166 وأرجع ذلك إلى قمع نظام مبارك قبل سقوطه للصحفيين وإستمرار حالة القمع مع تسلم المجلس العسكري تقاليد السلطة ،حيث استمرت مطاردة الصحفيين والإعتداء عليهم .

ونفس الامر ينطبق على البحرين في تراجعها بمؤشر الحريات ، ويصف التقرير وضع البحرين بالسقوط إلى الهاوية بإنضمامها إلى صفوف البلدان العشرة الأكثر إنغلاقاً وقمعاً في العالم ،معتبرين أن ذلك بسبب القمع المنهجي للصحفيين البحرينيين والأجانب .

أما اليمن فإنها لم تخسر سوى مرتبة واحدة ليصبح ترتيبها 171 وهو ما يعكس إستمرار حالة التدهور والتخبط ،في حين حافظت سوريا التي تحتل مرتبة متأخرة على سجلها في التضييق على الحريات الصحفية وتراجعت من المرتبة 173 إلى المرتبة 176 .

 

 

والشيئ المخجل في واقع الإعلام في العالم العربي أن أول دولة عربية في الترتيب الدولي كانت الكويت في المرتبة 78 يتبعها لبنان 93 ولم يرد ذكر أي اسم لأي دولة عربية غير الكويت ولبنان في الترتيب دون حاجز المائة .

وعودة إلى المشهد الأردني وقراءة في تفاصيل حالة الحريات الإعلامية  في الأردن لعام 2011 فإن التساؤل المنطقي المطروح ،هل مؤشر مراسلون بلا حدود يعكس كافة التفاصيل لما حدث في الإعلام الأردني أم أنه يؤشر للنتائج والإنطباعات ؟!

إن محصلة حراك الإعلام الأردني للعام الماضي لم تكن كلها سلبية وسلسلة من التراجعات والإنتكاسات ،بل لابد من الإعتراف أن هناك نقاط مضيئة ومكاسب للإعلام علينا تسجيلها وإلتقاطها من الصورة السوداوية .

أبرز ما يمكن ملاحظتة أن الصحفيين متأثرين بالثورات الإقليمية أصبحوا أكثر دفاعاً عن إستقلاليتهم ،ونشأ في العام الماضي هامش من الحريات لامس الكثير من التابوهات وأخترق منظومة المنع في الصحافة ، وربما يعود ذلك بوضوح إلى صعود نجم الإعلام الإلكتروني الذي أصبح من الصعب فرض الرقابة عليه أو إخضاعه كله للسيطرة والإحتواء .

ومن المهم لفت الإنتباه إلى أن التدخلات المباشرة في الإعلام عبر الحكومة والأجهزة الأمنية بطريقتها ” الفجة ” قد تراجعت ،ربما تحت ضغط الحراك المجتمعي في الشارع ،وربما بسبب نمو قطاع الإعلام الإلكتروني الذي ما عاد ممكنا الولوج ومعرفة من يحكمه ويدير تفاصيلة .

والمقرب من المشهد الإعلامي يعرف أيضاً أن منسوب الرقابة الذاتية عند الصحفيين في تغطياتهم ومقالاتهم قد تراجع ،وإن ظلت هناك أدوات للرقابة داخل المؤسسات الإعلامية “تفلتر ” الخطاب الإعلامي وتجعله أكثر إنسجاماً مع رؤية الدولة .

كل هذه المؤشرات الإيجابية لن تظهر في التقارير الدولية التي ترصد حرية الإعلام في الأردن ،فالمشكلة أن هذه التوجهات الإيجابية وحراك الإعلام لتغطية مستقلة لما حدث في الشارع كان يجري التصدي له بعنف غير مسبوق ،أما بشكل مخطط له ومنهجي لإسكات الصحافة وتخويفها لمنعها من القيام بدورها ، أو بشكل غير مقصود يعكس ضعف الحكومة والأمن وغياب رؤيتهم، في التعامل مع التصورات الديمقراطية .

 

والمحصلة الماثلة للعيان أن هامش حرية الإعلام توسع عام 2011 ،وللأسف قابلة عنف مفرط في إستخدام القوة وتزايد ملحوظ بعدد الإنتهاكات الجسيمة ضد الصحفيين مثل الضرب والتهديد وحجز الحرية .

والجديد في الأمر تنامي ظاهرة ” البلطجة ” ضد الإعلاميين بعد أن استخدمت ضد المتظاهرين ،وقيامهم بالإعتداء على الصحفيين وتهديدهم وإقتحام مكاتبهم تحت سمع وبصر الحكومة وأجهزتها الأمنية .

إن حدوث إعتداءات على الصحفيين في مناطق التظاهر في بلد لم يستعد للتعامل مع مظاهر الديمقراطية ولم يتقبلها يعد أمراً متوقعاً ،ولكن الأدهى أن تقع هذه الإنتهاكات وبعض مرتكبيها معروفين ولم يقدم أحد حتى الآن للعدالة ،وتكرس الدولة بأجهزتها المختلفة نهج الإفلات من العقاب .

تحصد الدولة الأردنية الآن ثمار ما زرعته ،فهي لم تلتفت لكل التحذيرات بأن هذه الإعتداءات على الصحفيين سيكون لها كلفة سياسية على البلد ،وأنها ستضر صورته الديمقراطية ،وما قلناه طوال الأشهر الماضية بدأت نتائجة تظهر ،وتقرير مراسلون بلا حدود أول الغيث .

لم يفت الوقت بعد فهناك فرصة في عام 2012 ليثبت الأردن أن ربيع الإصلاحات حقق ربيعاً في الإعلام ،والوصفة سهلة جداً وتتلخص بترك الإعلام مستقلاً والتصدي للإنتهاكات ضده وتجريمها ومحاسبة من يرتكبها .

الكلمات المفتاحية: نضال منصور يكتب : الأردن يفشل في إختبار حرية الإعلام