آراء حرة

نص «ريكويرمنتو» وتغريدات ترامب

سالم العوكلي

بناء أنظمة اللغة وتوليداتها كان دائماً وراء ارتباك الحوار بين الحضارات وخلط المفاهيم، حيث شكل مناخاً لتمرير أعظم حالات الإبادة والمصادرة، تحت مسميات مناقضة لما توحي به من معنى، ليس اللغة كمنطوق أو مكتوب فقط، ولكن بمفهومها السيميوطيقي، أي الإشاري، الذي يشكل منظومة التبادل والعلاقات داخل أية جماعة إنسانية، متمثلة في الطقوس والبنى الاقتصادية والأنماط الاجتماعية والفنون والآداب والملبس ولغة المعمار وكل أنماط الاستهلاك، التي جعلت التعامل الغربي الكولينيالي مع العالم الآخر مبنياً على مداخل أنثروبولجية ولسانية في إنجاز مقدمة من الدراسات والبحوث التي تبلور عنها ما يعرف بالخطاب الاستشراقي الذي كان دائماً عرضة للنقد فيما يخص منهجه ونواياه.

ومن هذا المنطلق فإن تزيفيتان تودروف يذهب في كتابه المهم «فتح أميركا.. مسألة الآخر» إلى استخدام علم السيميوطيقا في تحليل الوقائع التاريخية، وهي نقلة مهمة في التعامل مع التاريخ السردي، تأتي بعد محاولات ابن خلدون الجادة من أجل دمج علم الاجتماع مع التاريخ. وإذا كان ابن خلدون يستخدم الإنسان كائناً عضوياً في استعارته الجذرية للتاريخ الإنساني مؤكداً على مراحل الطفولة والشباب والكهولة والموت التي تمر بها الحضارات خالقة بذلك دورات تاريخية تعود عبر منحنياتها إلى النقطة نفسها، فاستعارة تودروف الجذرية تأتي من الإنسان باعتباره كائناً لغوياً.

وهذه النقلة، أو بالأحرى، التنويعة المهمة هي التي شحنت الفعل الحضاري بفاعليات العقل والوعي والاكتشاف والتوليد ليقدم هذا التكرار في التاريخ في فعله اللولبي ــ بدل المنحني ــ الذي يصعد مع الاستدارة، والناتج عن إمكانات المعرفة والإدارة المرتبطة بالإنسان ككائن ناطق وجدلي، بدل استدارة ابن خلدون المنطلقة من الجسد الإنساني الفاني وصيرورته العدمية.

وهذا التفاوت في الأنظمة المعرفية واللغوية هو الذي يحدد الآن مستوى التفاوت في الصراع مع الغرب، متمثلاً في أبرز نماذجه ــ أميركا ـ سليلة المنظومة المعرفية الفوقية والمتعالية التي اكتسحت عالم الإزتيك الهادىء منذ عام 1492م بكل طقوسه وثقافته ولغاته وعقائده لتقدمه إلى العالم على أنه مكان متوحش لا وجود لـ (الإنسان) فيه.

إن قصة المرأة التي يسردها تودروف في كتابه، وهي من الهنود المايا، تم إلقاؤها من قبل الغزاة إلى الكلاب لتنهش جسدها لأنها رفضت مطاوعتهم والاستجابة لهم، مازالت حاضرة بدلالاتها حتى عصرنا الراهن وبأشكال مختلفة. دول ومتجمعات إنسانية كاملة تقدم لحومها إلى الكلاب المعدنية تحت شعارات حقوق الإنسان والديمقراطية ومحاربة الإرهاب كما كانت تقدم في ذلك العصر تحت شعار نشر المسيحية والتسامح والقيم الإنسانية، والأهم من ذلك فإن تودروف في تحليله لهذه القصة لا يُغيّب القمع الداخلي الذي تتعرض له تلك المرأة من قبل زوجها الذي يصادر مسبقاً إرادتها ورغباتها، وهذا ما ينطبق أيضاً على شعوبنا التي تعاني القمع المزدوج أو بالأخرى قمعاً داخلياً يجعلها لقمة سائغة للأطماع الخارجية.

إن عقدة الهنود الحمر ما زالت تحدد نهج التوجه الأميركي، لأن الإبادة التي تعرض لها هذا المجتمع والإحلال الذي تم على حسابه لم يعودا مجرد واقعة تاريخية عنصرية بشعة بل تحولا إلى طريقة تفكير ومنظومة عقلية مرتكزة على رغبة لا تعرف الحدود من أجل تفريغ العالم من مضامينه التاريخية وزحزحته جغرافياً. إن كولمبوس الذي غزا هذا العالم من أجل الذهب والتجارة تحت أقنعة دينية ـ وما يتعلق بنشر الدين المسيحي واستعادة القدس ـ يتحول الآن إلى شركات كبيرة وتوكيلات ضخمة تغزو العالم بحراسة الأساطيل والرؤوس النووية لتفرض عليه لغتها وثقافتها البديلة المستمدة حيويتها من التقاء التأثير العالمي الاستهلاكي بالمزاج الذاتي الفردي، والعمل على التفكيك القومي والاجتماعي والاختلال الجغرافي والخلخلة الديمغرافية والاحتفاظ بحق التدخل العسكري في أي مكان وأي وقت باسم حقوق الإنسان والمجتمعات، قِناعها الجديد.

لقد تطور الصراع وتطورت معه آليات الهيمنة عبر تغليب الرؤيا الأحادية للعالم، وكان على القوى التي خرجت منتصرة في الحرب العالمية الثانية أن تصوغ شكلاً قانونياً ومنظومة جديدة من العلاقات التي تحافظ على مكاسبها. ولم تجد أفضل من إحياء فكرة (عصبة الأمم) بقيام منظمة الأمم المتحدة، والتي كانت تعكس في البداية مطلباً إنسانياً ملحاً يضع حداً لويلات الحروب والإبادة، ورغم تعدد ثقافات الدول المنتصرة واختلاف نواياها، إلا أن السيطرة الأميركية المطلقة كانت في طريقها لأن تفرض خطابها الأحادي اعتماداً على معطيات كثيرة لا مجال هنا لذكرها. وهكذا كان على أميركا زعيمة الدول المنتصرة أن تدس تعويذتها الشيطانية في ثنايا هذا المنجز الإنساني الجديد، فجاءت فكرة إنشاء (مجلس الأمن) والأعضاء الدائمين وحق النقض للدول القوية، وهو جهاز ذرائعي جديد يتكون من مجموعة من الصياغات اللغوية والقانونية المنتقاة بعناية لتبعث من جديد ما يسمى قديماً نص «Requerimiento» الشهير، وهي الوصية التي صـاغهـا الحقوقي الملكي (بالاثيوس روبيوس ) عام 1514م من أجل تنظيم الفتوحات وتوفير أساس قانوني لإشباع رغبات التدمير لدى الغزاة.

ويقول هذا النص الذي يلقى في حضور أحد ضباط الملك مخاطباً الهنود من دون ترجمة للنص طالبا منهم الاستسلام للقدر الجديد، وإلا «إن لم تفعلوا ذلك أو إذا ما طلتم عن سوء نية في اتخاذ قرار فإنني أشهد لكم أنني بعون الرب سوف أغزوكم غزواً قوياً وسوف أحاربكم من جميع الجهات وبجميع ما في وسعي من أشكال وسوف أخضعكم لنير وطاعة الكنيسة وصاحبي السمو، وسوف آخذكم أنتم ونساءكم وأطفالكم وسوف أختزلكم إلى مرتبة العبودية، وعبيداً سوف أبيعكم وسوف أتصرف فيكم بحسب أوامر صاحبي السمو وسوف آخذ منكم ثرواتكم وأنزل بكم كل الأذى وكل الضرر الذي بوسعي، على نحو ما يليق بالأتباع الذين لا يطيعون سيدهم ولا يريدون لقاءه ويقاومونه ويعارضونه».

إن هذا النص ـ الذي يستفيد كثيراً من لغة الكتاب المقدس ويقدم خيارات، أحلاها مُرٌّ، للهنود المخاطبين ـ يعكس التفسير الغربي الخاص لتاريخهم وكيانهم، علماً أن الحاضرين منهم لا يفهمون شيئاً من لغة هذه التلاوة، وهو مجرد إجراء شكلي من أجل صياغة شرعية قانونية لكي تأخذ آلتهم التدميرية حقها في انتهاك ذلك المجتمع وإبادته. إن ما يسمى بالريكويرمنتو يتحول بعد حوالي خمسمائة سنة إلى صياغة حضارية جديدة اسمها مجلس الأمن، وإذا كان الحاضرون هنا يفهمون لغة هذا المجلس فإن إرادة الأقوياء وحق النقض لا يجعل لهذا الفهم قيمة ويظل طرح قضايا الشعوب في هذا المجلس مجرد ذريعة لإصباغ شكل قانوني على حروب واستعمار وانتهاكات جديدة.

لعل المتتبع الآن لتصريحات وتغريدات ترامب القادم من تلك السلالة المتعالية التي أبادت أمة كاملة، سيلحظ مدى الوشائج التي تربط تصريحاته وتغريداته بذلك النص الدوغمائي الذي يستخدم لغة التعصب الديني وهو يروج لمصالح الأمة المنتصرة، دون التفات لأنين الضحايا أو لأدنى حد من القيم الإنسانية التي تتراجع أمام مبدأ الصفقات السريعة، وأمام خيارين فقط للديمقراطية الأميركية «من ليس معنا ضدنا». ليس غريباً أن يقايض ترامب القيم الإنسانية بحفنات من الدولارات مثلما أباد أجداده أمة كاملة من أجل حفنات من الذهب.

بوابة الوسط