آراء ومقالات

نجومنا في الجاهلية.. نجومنا بعد الثورة!

سليم عزوز

‘الطريق الى القصر الجمهوري’.. ‘الطريق الى قصر الرئاسة’.. ‘الطريق الى القصر’ بدون ‘الجمهوري’ أو ‘الرئاسي’ باعتبار أن المعروف لا يعرف، هذه هي عناوين لبرامج جديدة على القنوات المصرية العامة والخاصة، بمناسبة الانتخابات الرئاسية، وقد شاركت في برنامج لقناة ‘الحدث’ العراقية، يحمل عنواناً من هذا القبيل، وهي برامج تستضيف المرشحين للموقع، أو من يتحدث عن مواصفات الرئيس القادم لمصر.

وهذه البرامج جعلت من الترشيح لمنصب الرئيس أهمية، حتى بالنسبة لمن لن يحالفهم الحظ، وان من بين المرشحين نكرات، لم يكن الناس ليعرفونهم لولا ترشحهم، ومنح الأحزاب الممثلة في البرلمان ولو بنائب واحد الحق في ان يكون لها مرشح للرئاسة، فتح الباب لهؤلاء للترشح، فقد أنقذهم هذا الشرط من الحصول على ثلاثين ألف توكيل من خمسة عشر محافظة على الأقل، وهو أمر لا يتسنى إلا للمرشحين الجادين، وهي عملية صعبة ومرهقة، ولا يقدر عليها سوى أولي العزم من البشر، أو من أصحاب الأموال الذين اشتروا التوكيلات حتى من الموتى رأساً.

من حسن الحظ ان البرامج التلفزيونية تتسابق على المرشحين الذين لهم قبول بدرجة أو بأخرى في الشارع، أو الذين يعرف الناس أسماءهم حتى بدون ان يترشحوا، لأنه في ظل المنافسة الشرسة بين الفضائيات، فلن تهتم فضائية بمن ترشح للشهرة، وان كان لابد من ان يكون لهم وجود في هذه البرامج سعياً من القائمين عليها للتأكيد على الحيدة، مع أن حياد بعضهم ليس قائماً، ومن تفجرت مواهبهم الإبداعية على يد النظام البائد قد حددوا مرشحهم، وبعضهم أعلن هذا صراحة، فليس أمامهم وقت للمناورة.

بعد أن أعلن عمر سليمان نائب الرئيس المخلوع عن ترشحه، فإذا بهؤلاء التلفزيونيون ينفرون خفافاً وثقالاً ويغدون خماصاً وبطاناً، فقد اعتبروا ان اللحظة باتت حاسمة لكي يعودوا الى تاريخهم القديم، بعد سنة ونصف السنة من النصب وادعاء الثورية، ويلاحظ ان كل الإعلاميين الذين تمت ‘بروزتهم’ في ظل النظام البائد، عندما كان الاختيار يتم من قبل جهاز مباحث امن الدولة، هم الذين تمت ‘بروزتهم’ في عهد ما بعد الثورة، وبواسطة الفضائيات الجديدة، التي ظهرت بعد الثورة، وقبل ان تتدخل السلطة وتوقف التراخيص للفضائيات الجديدة، بعد ان حصل الفلول على ما يكفيهم وزيادة.

لقد تغير خطاب القوم بعد الثورة على نحو يدفع الجاهل للظن أنهم من كانوا يقودون المعارضة في مصر، وكأنهم لم يكونوا يوماً في حملة الدعاية لحسني مبارك، وكأنهم لم يكونوا أعضاء في الحزب الحاكم، وكأن مباحث امن الدولة ليست هي من مكنتهم من المنابر الإعلامية، ولو أنفقوا ما في الأرض جميعاً ما حصلوا على هذه الامتيازات!

فنجومنا في الجاهلية هم نجومنا بعد الثورة، وقد كانوا يكلفون أنفسهم من أمرهم رهقاً وهم يتحدثون عن الشهداء والثوار وإجرام النظام السابق ويتحولون الى صدي لمليونيات التحرير، حتى أعلن عمر سليمان ترشحه فجهروا بالفاحشة، وعندما استبعد بعد ذلك بقرار من اللجنة العليا للانتخابات لعدم استيفائه لشرط التوكيلات، تعلقوا بالفريق احمد شفيق باعتباره الأمل والمنى، ومنهم من أعلن تأييده له مباشرة، لأن فيه من ‘رائحة الحبايب’، ولأنه كان مقرباً من حسني مبارك، وهو يقول انه كان يلتقيه كثيراً قبل ان يصبح وزيراً للطيران لكن الوضع تغير بعد ذلك، وأحد الناس الطيبين انحنى وقبل يد احد وزراء دولة عبد الناصر لأن يده نالت البركة بمصافحة الرئيس، فما بال هؤلاء وقد كان شفيق هو صديق مبارك، الذي يقول انه كان مثله الاعلى في التفريق بين ما هو شخصي وما هو خاص بالعمل، وهو تفريق لم نجد لو وجوداً على ارض الواقع، ويكفي ان وزيراً بعينه بقي في موقعه ربع قرن، لان مهمته كانت شراء ملابس الهانم من بيوت الأزياء في باريس!

تنقلات شفيق

يخرج احمد شفيق من فضائية الى فضائية، ومن قناة النهار الى ‘الجزيرة مباشر مصر’، ويظل يتكلم ويتكلم بدون كلل، وهو يتعامل على انه في امتحان القبول بالمرحلة الثانوية فلا بد من ان يجيب على أي جزئية في السؤال المطروح عليه حتى لا يقل درجة فيؤثر هذا على تقديره العام، مع ان دأب السياسي الناجح ان يقفز على الكمائن المنصوبة له، وعندما كانت مني سلمان تقول له دعنا من هذه؟.. فانه يكاد يهب واقفاً ويلف شعرها في يده ويجذبها أرضاً، ولماذا ‘دعنا’ هذه؟، ثم ينطلق مجيباً على السؤال جزئية جزئية، وستكون مشكلته عويصة ان شارك في برنامج ‘المناظرة’ الذي يقدمه يسري فودة ومنى الشاذلي على قناتي ‘دريم’ و’اون تي في’، عندما تكون الإجابة محددة بدقائق وأحيانا يكون المتاح له هو جزء من الدقيقة.

عمرو موسى كان متدربا على القفز من الكمائن، عندما قال انه مع نص المادة الثانية من الدستور التي تقول ان المبادئ العامة للشريعة الإسلامية هي المصدر الرئيسي للتشريع، وفي الواقع ان النص لم يذكر العامة، وسعى عبد المنعم أبو الفتوح لجذبه الى ساحة هو الأقدر على المنافسة فيها بحكم انتمائه الفكري كواحد ينتمي الى التيار الديني.

أبو الفتوح سأله سؤالين: احدهما عن ماذا يقصد بالمبادئ العامة، لكن عمرو موسى انشغل طيلة المدة الزمنية المحددة له بالإجابة على السؤال الثاني، وعندما فُتح الباب للأسئلة من جديد قال أبو الفتوح ان موسى لم يجب على سؤاله بما يقصده بالمبادئ العامة للشريعة.

والواقع انه سؤال مفخخ، فقد اكتشف الإسلاميون ان السادات وهو من وضع هذا النص، قد أدخل عليهم الغش والتدليس لأن المبادئ، سواء بالعامة او بدونها لفظ مطاط، كل من تصدوا لشرحه من قبل كانوا كمن فسر الماء بعد الجهد بالماء، ولعل المعنى المباشر هو ما توصل إليه الشهيد عبد القادر عودة عندما قال ان مبادئ الشريعة الإسلامية هي ما ورد على سبيل الحصر في قوله تعالى: ‘إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي’، وهو معنى لا يستهدف الحكم على النحو الذي كان يريده الإسلاميون في زمن المد الديني، ومؤخرا جاء السلفيون يطالبون بأن يكون التحديد بأن أحكام الشريعة هي مصدر التشريع، ويصر الإخوان على بقاء النص القديم.

عمرو موسى قال ان المبادئ العامة، كالمبادئ الرئيسية، كالمبادئ وفقط، وقال كلاماً عائما عند شرحه لذلك، ولو سئل أبو الفتوح نفسه لقال نفس الكلام تقريبا لكن بصياغة أفضل بحكم النشأة والتكوين، ومع هذا فقد قفز موسى من الفخ المنصوب له ليهاجم منافسه فيما قاله، لأنه تحدث مرة عن الشريعة، ومرة عن المبادئ، ومرة عن أحكام الشريعة، ليرضي الأطراف المختلفة المتحالفة معه، وعندما تحدث أبو الفتوح عن الاصطفاف السياسي غير المسبوق خلفه من ليبراليين وثوريين وسلفيين وإسلاميين ينتمون الى الإسلام الوسطي، قال موسى إن هذا بسبب ازدواج خطابه، وما قاله عن الشريعة هو الدليل على الخطاب المزدوج.

الفرق الموسيقية

أسوأ ما في البرامج التلفزيونية الخاصة بالمرشحين أنها تستدعي المرشح من هؤلاء بصحبة فرقته الموسيقية وجماهيره، على النحو الذي يفعله المطربون الكبار، وهناك قصص في هذا المجال مثيرة في الحفلات المشتركة، حتى في زمن عبد الحليم حافظ وعبد الوهاب!

الفنان الكبير عندما يستدعى لحفل ساهر، فانه يناضل من اجل أن يجلب فرقته الموسيقية معه، حتى لا يتعرض لمقلب من المقالب، أو مخافة ألا يحدث توافق مع الفرقة الموجودة، وبعضهم يشترط عدداً من التذاكر لأنصاره، حتى يهتفوا له عندما يقف على خشبة المسرح ويصفقوا له في نهاية كل ‘كوبليه’، وبعض المذيعات يتعاملن وفق هذه القاعدة.. هالة سرحان نموذجا!

برنامج ‘قناة النهار’ كان من قاعة لاحدى الجامعات الخاصة لكي تتسع لفرقة كل مرشح الموسيقية، وشاهدت احمد شفيق يتحدث وجماهيره يصفقون له، وسمعتهم أيضا يهتفون، وهو أمر يخرج البرنامج التلفزيوني من إطاره المهني ليكون وسيلة للدعاية للمرشح ليكون لزاماً عليه أن يدفع ثمنه، لكن من الواضح ان هذا لم يكن شرط شفيق بشكل عام والدليل انه جاء بعد ساعات ضيفاً لمنى سلمان على ‘الجزيرة مباشر مصر’، في حوار من النوع طويل التيلة، وقد ذكر هنا وهناك انه يفضل ان يكون الرئيس عسكرياً، له تاريخ في العمل المدني، مع انه يكفينا من ‘الدست مغرفة’، ومبارك صاحب الضربة الجوية، وبعد ثلاثين عاماً من العمل المدني بدا كما لو كان قضى حياته لم يتعلم شيئاً، على نحو دفع المتظاهرين في أيام الثورة، وتلفزيون عبد اللطيف المناوي يعيد ويزيد في تاريخه العسكري المجيد، الى القول ليته صوّب علينا نحن الضربة الجوية وحكم إسرائيل.

وإذا كان الشئ بالشيء يذكر فان ‘الجزيرة مباشر مصر’ على عيوبها المهنية، فإنها تجعلك تعيش في رحاب الثورة عندما تبث لقطات منها ومواجهات الثوار مع الشرطة في يوم ‘جمعة الغضب’ ومواجهتهم مع شبيحة نظام مبارك في يوم ‘موقعة الجمل’ واحتشدت الذكريات، و’طاف بي ركب الليالي’، وإذا بصورة بدت وقد مسحت من ذاكرتي فلم اذكرها في كتاباتي عن الثورة قد قفزت على سطح الذاكرة، كانت لأحد الشباب وقد ارتفع أمامنا شهيداً، شعرت حينها بأن هذا الزحام لا احد، وخيم صمت بليغ لم يقطعه سوى هجوم علينا بالقنابل جعلنا نهرب بعيداً، ولا ادري لماذا شعرت ان هؤلاء الشهداء سيكونوا عبئاً علينا ان ازداد عددهم واهتم الشباب بعملية نقلهم الى المستشفيات، وأمامنا مهمة مقدسة هي دخول ميدان التحرير، كان تفكيرا ليس إنسانيا بالمرة، ربما لهذا فان عقلي الباطن كان حريصا على عدم تذكري لما حدث لأنه بالقطع سيكون دافعا لان أتذكر ما جال في خاطري لحظتها.. ولم انم بسبب الذكريات التي فجرتها ‘الجزيرة مباشر مصر’.

الإعلانات التجارية

‘المناظرة’ كانت هي أكثر هذه البرامج إثارة، والتي تمت بالمشاركة بين قناتي ‘دريم ‘ و’اون تي في’ وكانت البداية بعمرو موسى وعبد المنعم ابو الفتوح، وهما المرشحان الأبرز، حيث أتوقع ان تكون الإعادة بينهما، وقد حرص الملايين على مشاهدتها، ولم ينكد عليهم في هذا اليوم سوى الفواصل المملة للاعلانات التجارية التي تقدر بالملايين أيضا.. اللهم لا حسد!

منى الشاذلي لم تكن من أسباب التوتر في ‘المناظرة’، وان بالغت في مكياجها، لكن مشكلة البطء في ‘التجميع’ والنطق لم تكن على النحو الكارثي الذي يميزها، ربما المشكلة في الجلسة، فعندما وقفت وهي تدير المناظرة، فُكت عقدتها وانطلق لسانها ولم تعد تتكلم من معدتها،، فلم يحدث ضغط من ‘الكرش’ على الحجاب الحاجز، وأصحاب ‘الكروش’ من أمثالنا تخرج أرواحهم عندما تكون الجلسة غير سليمة.

عشنا حتى رأينا ‘مناظرة’ بين اثنين من المرشحين لرئاسة الجمهورية، وزمان عندما طالب بها البعض اعتبرها أهل الحكم تطاولاً على مقام الرئاسة وتجاوزاً في حق ولي الأمر، لكن ها هما مرشحان يتناظران ومبارك في المستشفي والوريث في السجن، وهي خطوة مهمة لم نكن لنصل إليها إلا بفضل الشهداء، وقد ظننت أنهم سيكونوا عبئاً على الثورة، فإذا بالأحياء هم العبء.

عموما لا اعرف لماذا تصر البرامج سالفة الذكر على ان تضع اسم القصر، مع ان عددا من المرشحين وفي مراهقة سياسية قالوا أنهم سيديرون الدولة من شققهم، ولن يذهبوا للقصور. انه الكذب من أول نظرة.

الكلمات المفتاحية: سليم عزوز- نجومنا في الجاهلية.. نجومنا بعد الثورة!