آراء ومقالات

موسم احتفالي بالعمر

كرم نعمة

الحكمة العميقة تكمن في “فكرة العمر” لكننا لا نتحسس ذلك إلا في مراحل خطرة ومؤلمة في حياتنا وقد تكون نادرة، الموت هو القدر الوحيد الذي نقف أمامه بلا حراك، لا أدعو هنا بطبيعة الحال إلى انتظار الموت، لكن من يقدر على رفضه؟

نتذكر العمر في تلك اللحظات المكررة منذ الأزل، وعندما نفكر بحكمة الموت نفهم لماذا كان ضروريا على الأرض! وإلا- بتعبير صديق- لولاه “لكان آدم عمدة لندن وحواء رئيسة وزراء بلغاريا”!

الشعراء لا يستلهمون الحكمة عندما يكتبون عن العمر، لأن أعمارهم جميعا مرت شاحبة، وإلا لما كانوا شعراء، الموسم الاحتفالي يكمن عند الناجحين في مقتبل العمر، والشعراء يتنكرون دائما لمنتجهم في البدايات، النضوج الإبداعي بالنسبة إليهم عندما يهرمون!

أن تكون أكبر من عمرك في وضعك الاجتماعي ذلك يعني ذروة النجاح، من حق مارك زوكربيرغ أن يحتفل اليوم، ليس بالأموال التي يمتلكها، بل بعمره فهو يفكر أكبر من عمره، وذلك ذروة النجاح.

حتى في عالم السياسة الملتبس يلعب العمر دورا في صناعة التاريخ، لذلك لا يسمح السياسيون العرب للشباب بمنافستهم، ليس بسبب دكتاتوريتهم فقط، بل بإحساسهم المتعالي، بأن التلاميذ ليسوا مصدرا للقرارات المصيرية، التاريخ لا يكتبه الصغار!

كانت هذه الفكرة الأولى التي راودت المسلمين بعد وفاة النبي محمد، عندما اختلفوا على من يخلفه، العمر مصدر الحكمة ولا يمكن لأصغرنا أن يكون أحكمنا في إدارة شؤون المسلمين.

مثل هذا الكلام يندفع اليوم بشأن رئيس البرلمان الفنزويلي خوان غوايدو، الذي يتوق لصنع مجده السياسي بعمره الصغير، دعك من الكلام السياسي الآخر بشأن الديمقراطية، خمسون دولة اعترفت به رئيسا وهي تنظر إلى عمره كسبب معقول يمرر أجندتها السياسية.

رئيس الحكومة الكندية جاستن ترودو، نموذج آخر للنجاح المتعلق بالعمر، يمكن أن نتحدث أيضا عن سباستيان كورز وزير الخارجية في النمسا.

لا يعني هذا تجاهل حكمة الشيوخ، وإلا لما استمر الحديث إلى اليوم عن ونستون تشرشل بعد عقود من رحيله، لكن الموسم الاحتفالي يحين بطقوس باهرة عندما يصنع الإنسان مجده في مقتبل العمر.

ندرك أن السياسيين يصنعون أساطيرهم عبر الزمن وهم أقل اهتماما بالحقيقة التاريخية من اهتمامهم بالتلاعب بها، لتشويه سمعة خصومهم. واحدة من أهم أسباب تراجعنا عندما نترك مصير سياسة البلد لقداسة واهمة برجل دين هرم يعيش في قبو ويستمر بإصدار الفتاوى المذيلة بخاتمه!

فكرة التخطيط التي تتصاعد في ذهن الإنسان في سنته الجامعية الأخيرة، قد تصبح مصدرا للخيبة في مراحل لاحقة، أين كنا وماذا خططنا وأين أصبحنا؟ تتردد هذه الجملة عند الأشخاص الذين مروا بحياة تقليدية متدرجة في العمل والطموح.

لكن أن يجمع شاب في سنته الجامعية الأولى أكثر من مليون دولار بسبب فكرة تسويقية يعرضها على الإنترنت، ذلك يعني الامتياز في استثمار العمر وليس انتظار ماذا ستسفر عنه السنين.