فن وثقافة

مهنته تتطلب تحويل مذاق “الفسيخ” إلى “شربات” “فيصل.. تحرير”: كتاب يجسد معاناة “الديسكاوي” في الصحافة ووسائل النقل

عين نيوز = رصد/

 

غلاف الكتاب

“تجربة فريدة مدهشة في مطبخ الصحافة المصرية، وفي “الميكروباص” وسيلة المواصلات التي تنقل ملايين المصريين الفقراء كل يوم.. إنها سيرة ذاتية، لكنها تحمل كل عناصر الأدب الجميل، عبر تجربة إنسانية غنية، وأسلوب أدبي ساخر متمكن”.

بهذه الكلمات قدَّم الروائي علاء الأسواني لكتاب “فيصل تحرير.. أيام الديسك والميكروباص” لحمدي عبدالرحيم.

والكتاب الصادر عن مكتبة مدبولي يقع في 326 صفحة من القطع المتوسط، ويجسد رحلة فريدة، ومعاناة لذيذة، عاشها الكاتب في بلاط صاحبة الجلالة كمحرر ديسك، حيث يتطلب عمله أن يصنع من “فسيخ” المحررين “شربات” للقراء.

ويشير المؤلف إلى أن مهنة “الديسكاوي” قديماً لم تكن تحتاج إلا إلى بعض “التلميع”، حذف كلمة هنا، أو إضافة كلمة هناك، أو تدقيق معلومة، أو تصحيح لغة، أي أشبه إلى حد بعيد بعمل “الكوافير” الذي يزين الجميلة لكي تظهر للناس بكامل زينتها، لكن الآن جرت في النهر مياه كثيرة، وأصبح الغسيل هو عمل الديسك أولاً وأخيراً؛ لذا أصبحنا نسمع “الديسكاوي” يدعو: “اللهم تب علينا من خدمة البيوت”!!

من أول الخط

ويتطرق الكاتب إلى الربط بين عمله كمحرر ديسك وبين جمهورية الميكروباص، وسيلة المواصلات الشعبية الأولى في مصر، موضحاً أنه كان يسكن مدينة 6 أكتوبر في غرب القاهرة، بينما عمله في شارع شريف بوسط العاصمة المصرية، ما كان يضطره إلى ركوب 4 عربات ميكروباص في رحلة الذهاب، ومثلها أو أكثر في رحلة العودة، أي أن عليه أن يستقل يومياً ما لا يقل عن 8 عربات ميكروباص.

ويجيب بنفسه عن سر الربط بين الديسك والميكروباص قائلاً: “العبث، ولا شيء غيره، نعم هو العبث الذي يجعل السلطة التنفيذية تهدر الحدائق والمتنزهات لتقيم عليها مواقف لعربات الميكروباص، وهو نفسه العبث الذي يجبر “الديسك” على تحرير صفحات لا علاقة لكاتبها بالكتابة، ولو كان الأمر أمر إملاء ونحو وصرف لهان، لكنه أمر الكتابة من حيث كونها كتابة.. ومن هنا تبدأ كارثة الديسك، أو الديسكاوي، حيث يتناول هذه الكتابة الملطخ ثوبها بكل أنواع الأخطاء، فيغسل الثوب جيداً، فيبدو في صورة لا تدل على حقيقته أبداً”.

يضيف: “فعل الغسيل لم يكن أبداً عمل “الديسك”؛ لأن المواد التي كان يعمل عليها كانت نظيفة، أما الآن فأصبح محرر الديسك كالخادمات في البيوت، عليه أن يغسل أقذر الثياب دون أن يشتكي، وهكذا فالميكروباص والديسك وجهان لعملة واحدة، يدلان معا على متغيرات سياسية واجتماعية وثقافية”.

ويلفت في هذا الصدد إلى أن “الميكروباص” في الأصل لم يكن سيئاً، فهو وسيلة انتقال أفضل من الأتوبيس وأرخص من التاكسي، وكانت عجلة قيادته بيد جماعة من المصريين، لهم ما للمصريين، وعليهم ما على المصريين، حتى تأمرت الحكومات السابقة، لاسيما حكومة عاطف عبيد على وسائل النقل العام بإهمال صيانتها، وتقليص عدد عرباتها الصالحة للاستخدام الآدمي، وبالتالي التحكم في المواطن من خلال إمبراطورية الميكروباص التي يحركها في الخفاء مسئولون نافذون يتحكمون في السائق والمواطن معاً، حتى أصبح انتشار الميكروباص في المجتمع كالمرض السرطاني الذي يصعب الشفاء منه”.

ويتطرق الكتاب إلى 13 نوعاً من البشر الذي يركبون الميكروباص يبدأهم بـ”الذاهلون، العاديون، الكابينون” أي الذين يفضلون الاستفراد بمقعدي الكابينة بجوار السائق”، الثقلاء، المناكفون، المختالون، الموباليون، القراء، الفضائحيون، المربون، المحوفلون” أي الذين اعتادوا الحافلات العامة ويضطرون أحيانا إلى ركوب الميكروباص”، المحرضون، وأخيرا المصريون والذين يصفهم بأنهم مشاكسون دمهم شربات وهم المصريون الأصليون.

13 نوعا من الديسكاويين

وفي مقابل الـ13 صنفاً من ركاب الميكروباص، قسَّم المؤلف محرري الديسك إلى 13 صنفاً أيضاً، بدأهم بـ:

* أصحاب الرسالة: وهم الذين يحبون الديسك ويرونه رسالة لحفظ ماء وجه الصحافة.

* المعذبين: وهؤلاء عددهم فوق الحصر، ويشكون دائماً من تدني مستوى كتابة المحررين، ويسخطون على توجهات صحيفتهم.

* الجهلاء: وهم على نوعين، جهلا مسنودون، وجهلاء مساكين، المسنودون هم الذين تربطهم علاقة بالناشر أو رئيس التحرير، والمساكين غالباً رجل سمح لين تقدم في السن ولا يصح أن يظل محرراً فيتم مجاملته بالانضمام إلى الديسك.

* المخبرين: الذين يبيع الواحد منهم سروال أمه وقبر أبيه، إذا دبت نملة على أرض غرفة الديسك فيسارع بنقلها إلى رؤسائه.

* أصحاب الضربات: يؤمن الواحد منهم أن الحياة ليست أكثر من ضربتين، ضربة ترفعك إلى السماء، وأخرى تخسف بك الأرض، فيظل يلف ويدور بحثاً عن الضربة الأولى.

* الحثالة: وهم ممن لو أعطي أحدهم جبلاً من الذهب لظل خائفاً من الفقر؛ لذلك تراهم أحرص الناس على جمع المال، ولا يخط أحدهم خطاً في موضع إلا إذا قبض الثمن مقدماً، ولأنهم حثالة فإنهم يقبلون بأي شيء.

* الجوعى: وهم الذين يحبون الديسك لأنه يضمن لهم راتب مميز، وسلطة داخل الصحيفة، لكنهم جوعى لشهرة لا يحظى بها الديسكاوية.

* القنوعين: شعارهم الحياة قصيرة، فلا ينافسون أحداً على مركز أو منصب، لكنهم رضوا بالديسك مستقراً لأحلامهم الصحفية.

* المرحليين: وهم الذين يؤمنون أن حياتهم بأيديهم، ورزقهم بذراعهم، فيقسمون حياتهم إلى مراحل، ولكل مرحلة رفاق وصحبه.

* الأشرار: وهم مثل العقارب، يلدغون لوجه اللدغ، فلا يقترحون على مجالس التحرير سوى الموضوعات التي تشهر بالناس وتضرهم.

* الخائفين: أمرهم أعجب من العجب، موهوبون، يؤمنون بأن الموهبة مثل كعكة ينقص حجمها إذا امتدت إليها أكثر من يد؛ لذا يعيشون في خوف من ظهور مواهب جديدة تنافسهم.

* البائعين: العمل في الديسك يتيح للديسكاوي معرفة الموضوعات وهي أجنة في أدمغة المحررين، وهذه المعرفة تيسر عمليات البيع سواء بيع الفكرة، أم بيع نسخة إضافية من الموضوع، أو معرفة ما قدر يتضرر بسببه أحد رجال المال فيقوم بتحذيره وبيع معلومات الحملة قبل انطلاقها.

* الطوافين: وهم قد يتركون الديسك لكنهم أبداً لا يكفون عن الطواف برفاقهم، يهاتفونهم لوجه الله، يوفرون لك فرصة عمل، ويشيدون في غيابك بالجيد من عملك.

أخيراً، يتضمن الكتاب العديد من المحطات والتجارب للكاتب سواء في خفايا الديسك، أو أحشاء جمهورية الميكروباص.

 

الكلمات المفتاحية: الادب الساخر- السرطان- الصحافة- العقارب- القناعة- الموهوبين