جريدة الحدث إسم موجود وعنوان مفقود

من التيار الديمقراطي الى التيار المدني .. اشكالية الوحدة وشكلها

عين نيوز (الحدث) – جميل النمري

دلالات مهمة تشغل الساحة السياسية لأن ولادة حزب سياسي وترخيصه لم تعد تعني كثيرا ولا تعد بجديد وقد يعقد الحزب وفق مقتضى قانون الأحزاب مؤتمرا للمؤسسين كما يقضي قانون الاحزاب وهذا ايضا لن يعني جديدا بعكس مؤتمر اشهار التحالف المدني الذي عقد في كلية الخوارزمي في 20 كانون الثاني 2018 وشارك به أكثر من الف شخص وأثار اهتماما واسعا وخلق حراكا وجدلا مهما !

ما الفرق بين الأمرين؟ في حينه كانت الدعوة لمشروع سياسي لامس طموح وآمال شرائح عريضة في المجتمع وفي الحالة الثانية هناك عملية تنظيمة لعدد مخصص من الناس. هل نحن محكومون ان ينتهي كل مشروع – فكرة سياسية كبيرة الى اطار تنظيمي – حزب سياسي يصطف الى جانب القائمة غير المجدية والمتعبة من الاحزاب السياسية بلا عمق شعبي وانتخابي حقيقي يتراخى عنه حتى المتابعين والمهتمين ثم تدريجيا حتى الأعضاء المسجلون؟!

لعل تجربة حزب “التيار الوطني” ومن قبله الحزب الوطني الدستوري الذي وحد دزينة من الأحزاب الوسطية في التسعينات هي خير مثال على تراجع فكرة سياسية كبيرة الى حزب – تنظيم بلا روح ولا مكانة سياسية – اجتماعية – انتخابية تماثل أو تقترب مما لدى التيار الاسلامي – حزب جبهة العمل الاسلامي.

ونحن نتحدث فقط عن أحزاب بدأت بفكرة كبرى وبطموح ان تمثل حصة مهمة من المجتمع وليس بقية الاحزاب التي بدأت واستمرت كمشروع خاص لعدد من الاشخاص دون فكرة سياسية كبيرة؟ هل نستنتج من ذلك ان كل فكرة سياسية كبيرة لتيار يجب ان تبتعد عن مشروع حزب لأنها ستتحجم الى ما رأيناه في التجارب المشار اليها؟ سنبحث عن الاجابة عبر مراجعة وتحليل تجربة اليسار والتيار الديمقراطي والتيار المدني واخيرا – وفق التسميات المتوالية التي تطرح نفسها وفق مقتضى الحال أو الايحاء المرغوب ايصاله عن هوية المشروع – التيار المدني الديمقراطي. ويمكن اختيار أو اضافة اية تسميات أخرى لكن نحن نتحدث عن الوسط – السياسي الفكري الذي يذهب من الوسط الى اليسار.

محاولات توحيد اليسار

كانت أول محاولة على جبهة اليسار لايجاد شكل من الوحدة هو مشروع “اتحاد اليسار” الذي كان مقترحا ان يضم أحزاب الديمقراطي الاشتراكي وحشد والوحدة الشعبية لكن بعد شهور من المباحثات اتضح ان حشد والوحدة الشعبية فتحت نافذة لحوار المتحمسين للفكرة دون اي نيّة للوصول لشيء واستنكف الحزب الشيوعي مبكرا عن المشاركة في الحوارات، لكن ما نتج عن هذا الاكتشاف أنشقاق الوحدويون في حشد وعدد من اعضاء الشعبية واتجاههم لتوسيع الحوار مع اطراف اخرى أبرزها الحزب العربي الديمقراطي (مازن الساكت وآخرين) تحت شعار وحدة التيار الديمقراطي.

وشاركت فعاليات مستقلة ولبعض الوقت حزب الارض العربية وعقدت ندوة حاشدة في مؤسسة شومان حول الموضوع (عيسى مدانات ومازن الساكت وجميل النمري) وبعد انهاء كل الترتيبات بما في ذلك مشروع البرنامج السياسي والنظام الداخي عقد مشروع الحزب مؤتمرا موحدا وأخذ اسم الحزب الديمقراطي الوحدوي وحقق المشروع ضجة وبدا غريبا ان تتمكن هذه الاطراف من الاجتماع في حزب واحد لكن الحزب انشغل كثيرا بترتيباته الداخلية والمنازعات السياسية حول المواقف التي يتوجب اتخاذها حول كل صغيرة وكبيرة ولما كان الناس قادمون من مدارس سياسية وفكرية وتجارب مختلفة فقد اصبحت مسألة مصيرية من الذي يمر موقفه وعكس ذلك مفاهيم مختلفة لفكرة الحزب بين الحزب التعددي للمنابر والآراء أو حزب الانضباط الصارم وانشق الحزب أخيرا حول قضية مشاركة احد اعضاءه في الحكومة (النائب د.مصطفى شنيكات) وبالاجمال فإن مشروع حزب يجمع ويمثل التيار الديمقراطي انحسر الى حزب يمثل اعضاءه فقط.

جرت محاولة انقاذية بتوسيع الاطار بضم شخصيات مستلقة وازنة وبدا أن صيغة على رأسها احمد عبيدات والمرحوم سليمان عرار ومازن الساكت وعيسى مدانات يمكن ان تشكل قطبا رئيسا في الحياة السياسية لكن كان هناك تردد وانشق القوميون في الحزب الديمقراطي الوحدوي الذي عقد مؤتمرا لاحقا بأعضاءه اليساريين واخذ اسم حزب اليسار الديمقراطي.

لم تخل الساحة من محاولات جديدة لتحقيق حلم “وحدة التيار الديمقراطي ” والمشاركون في هذه الحوارات التي تحلم بإطار واسع هم غالبا من المستقلين الذين كانوا يوما اعضاء أو محسوبين بشكل أو آخر على احد الأحزاب الأيدلوجية القومية واليسارية ولعل العدد الأكبر هم شيوعيون سابقون، وبالموازاة كان هؤلاء يتداعون أو يتم دعوتهم لمبادرات تحت شعار “وحدة الشيوعيين ” أحيانا على المستوى النقابي فقط (في نقابة الاطباء مثلا) أو في المحافظات (الكرك مثلا) أو على المستوى السياسي العام.

وعلى جبهة الأحزاب القومية كانت هناك محاولات لوحدة “التيار القومي” يتحمس لها مستقلون أكثر من حزبي البعث فيما ذهب آخرون لتشكيل تجارب حزبية جديدة ذات محتوى قومي أو يكتفون بالتحلق كمجموعات على خلفية تاريخية مشتركة بعثية أو ناصرية وغالبا في اطار النقابات المهنية.

أما على المستوى الحزبي فبعد معاهدة وادي عربة ولفترة طويلة أمتدت لعقد من العمل في اطار لجنة تنسيق الأحزاب (الاسلامية والقومية واليسارية) جاء الربيع العربي والثورة في سوريا لتقسم التنسيقية نهائيا وتستقل احزاب البعث الاشتراكي – لعراق والبعث العربي – سوريا وحشد والوحدة والشيوعي في لجنة تنسيق الأحزاب القومية واليسارية وهو اطار لاصدار البيانات والمواقف فقط ولا ينعكس في الانشطة الفعلية وخصوصا الانتخابات حيث يذهب كل بحسابات خاصة واذ يلتقون ففي اطار التيار العام لقائمة تواجه التيار الاسلامي الذي كثيرا ما كان يخترقها بتحالفات تحتية شخصية أو حزبية ولم تنجح تلك الأطراف الا عرضا في انشاء تجمع نقابي عريض يحتكم للديمقراطية الداخلية مع ان النقابات كان يمكن ان تشكل المختبر الأول لوحدة “التيار الديمقراطي”.

التيار الوطني الديمقراطي

مع الاحباط من الأشكال التنسيقية للأحزاب القومية واليسارية وميل الوحدة الشعبية في مرحلة معينة للتحالف الانتخابي مع الاسلاميين بادر “حشد” مع “الشيوعي” و”البعث التقدمي” لدعوة عدد من المستقلين لانشاء “التيار الوطني الديمقراطي” وتم في اجتماع للهيئة التأسيسية اشهار التيار في حزيران 2006 ونوقشت “وثائق التأسيس التي تهدف الى توحيد التيار الديمقراطي الاردني اليساري والقومي من عدة احزاب قومية ويسارية ومجموعات من الشخصيات المستقلة”. وبهدف خوض الانتخابات النيابية والبلدية في الاردن من خلال قوائم مشتركة. لكن لم تتمكن من خوض الانتخابات بقائمة الا في الانتخابات للمجلس اليسابع عشر مطلع العام 2013 مع القانون الذي اعطى 27 مقعد للقوائم الوطنية لكن لم يحالفها الحظ في الحصول على اي مقعد. هذا مع ان رأس القائمة عبلة ابو علبة أمين عام حشد فازت في انتخابات العام 2010 (المجلس السادس عشر) بمقعد فردي في عمان بينما فاز بمقاعد فردية ايضا اليسار الديمقراطي بمقعدين (جميل النمري وبسام حدادين) ومن الوحدة الشعبية سابقا بمقعد (حازم العوران) ومن البعث سابقا بمقعد (د.عبد القادر الحباشنة ) ومن الشيوعي سابقا (جمال قمو) وشكل هؤلاء الستة كتلة التجمع الديمقراطي في مجلس النواب وكانت فرصة استثنائية لا تعوض لتشكل هذه الكتلة امتدادا سياسيا يوحد “التيار الديمقراطي” لكن لم يحدث ذلك ناهيك ان الأحزاب المعنية لم تكن معنية بأي مشروع توحيدي وبقي الهم النيابي الشخصي سيد الموقف وجاء الربيع العربي ليخطف الأضواء وكان عمر المجلس قصيرا اذ تم حله عام 2012.

وخلال انتخابات العام 2013 بدأت محاولة لتشكيل قائمة من شخصيات يفترض ان تمثل التيار الديمقراطي لكن الاشخاص المعنيين الذين تفاوضوا بصورة فردية لم يصلوا الى نتيجة وانسحبوا من الترشح باستثناء محمد داوودية الذي شكل قائمة لم يحالفها الحظ وتم في ذلك المجلس ايضا تشكيل كتلة التجمع الديمقراطي لكنها كانت خليطا واسعا غير منسجم ولم تطرح على نفسها مهمة وحدة التيار الديمقراطي ولم تترك اي اثر سياسي.

وبينما توقفت تقريبا المحاولات لتشكيل اطار سياسي للتيار الديمقراطي خلال فترة الربيع العربي عاد اعضاء من حزب اليسار الديمقراطي الذي لم يكيف أوضاعه مع شرط امتلاك عضوية لا تقل الحزب عن 500 عضو لمحاولة احياء تيار اكثر تحديدا يضم من يحملون الفكر الديمقراطي الاجتماعي، ثم مع تواضع الاقبال من اشخاص جدد غير الحزبيين السابقين قرروا ترخيص حزب باسم الحزب الديمقراطي الاجتماعي منفتحا على تشكيل صيغة أوسع حين تنضج الظروف لذلك.

قائمة “معاً” والتيار المدني

ولم يستفد اليسار والتيار الديمقراطي عموما من النظام الانتخابي الذي تحول بالكامل الى التمثيل النسبي للقوائم في المحافظات بإستثناء الدائرة الثالثة عمان حيث تشكلت قائمة “معا” تحت شعار الدولة المدنية وفازت بمقعدين. وكان خطابها االسياسي المدني الذي تصادم مع خطاب الاسلاميين قد ميز هويتها وأحدث حالة استقطاب قوية لم تحدث منذ انتخابات عام 89 والتف التقدميون والليبراليون عموما حول القائمة وظهرت فكرة أن تكون القائمة مقدمة لمشروع سياسي يمثل “التيار المدني”.

وكتب الوزير السابق وأحد أنصار قائمة “معا” د.مروان المعشر معقبا أن” واحدة من أهم الإيجابيات التي أفرزتها الانتخابات النيابية الأسبوع الماضي ظهور تيار مدني منظم استطاع أن ينجح في الانتخابات بناء على قوة فكره دون توظيف المال السياسي أو أية تحالفات مع جهات متنفذة في الدولة. كما أثبت هذا التيار قدرته على حشد عدد كبير من الطاقات الشبابية التواقة لمن يقدم لها فكرا وبرنامجا واضحا وجريئا. وأن القائمة حصدت أعلى الأصوات في الدائرة رغم كل الحشد الجائر ضدها وتصويرها أنها ضد الدين ومع الإلحادية والإباحية.

وأضاف “لم يعد بإمكان أحد بعد اليوم تجاهل هذا التيار أو محاولة إقصائه أو إلغائه، هذا يفرض على هذا التيار المدني الديمقراطي مسؤولية كبيرة في المرحلة القادمة. هذا التيار خسر وجوها بارزة في البرلمان خاصة مصطفى حمارنة وجميل النمري، ولكنني لا أبالغ أن أقول إن قاعدة الدولة المدنية الديمقراطية، دولة المواطنة المتساوية والعدالة والأمان، يمكن أن يقوى عودها بعد هذه الانتخابات. ويمكن البدء بتشكيل تيار مدني وطني عريض يتعدى الدائرة الثالثة في العاصمة ليشمل الوطن”.

الدولة المدنية

استخدام تعبير “التيار المدني” يمثل توسيعا لما كان يضمر في تعبير “التيار الديمقراطي” وهو بدأ يأخذ حيزا في الخطاب التقدمي في سياق المواجهة مع التطرف والارهاب الذي عصف بالمنطقة وأعاد ترتيب الأولويات فالمرحلة التي تشهد هذا التدهور الرهيب في الأفكار والمفاهيم نقل الجميع الى خط الدفاع الثاني عن المفاهيم الأساسية للمجتمع والدولة وقد ظهرت هذه الأولوية في تخصيص الورقة النقاشية السادسة لجلالة الملك لموضوع الدولة المدنية وخلق اغتيال الشهيد ناهض حتر صدمة واسعة اعادت فكرة الاصطفاف في جبهة واحدة دفاعا عن المفاهيم الاساسية لمجتمع التعايش والتعددية والحريات الشخصية ودولة القانون والمؤسسات المدنية ولا شك ان التقدميين هم في طليعة المتحمسين لهذه المفاهيم وقد احيت التحديات الروح الكفاحية لديهم من اجل قضية يتقاسمونها مع أوساط أخرى ويجمعها شعار ومفهوم الدولة المدنية.

أراد أنصار قائمة معا متابعة “المشروع الوطني” لما اطلق عليه تيار الدولة المدنية وكتبت عن ذلك في مقال لي “هناك مناقشات لمشروع حزب موسع يتسم بالمرونة والتعددية يمثل كل الوسط التقدمي الذي يضم ليبراليين وعلمانيين واشتراكيين وعروبيين يجمعهم الإيمان بفكرة الدولة المدنية ومبادئ الديمقراطية والعدالة الاجتماعية، وقد تنضم أحزاب قائمة للمشروع الجديد باعتباره صيغة تحتمل التنوع ضمن المساحة الممتدة من اليسار الى الوسط.

لكن منذ البداية ظهرت داخل انصار قائمة معا تباينات حول المشروع واذ تعبت المجموعة الرئيسية التي تحمل المشروع مما اعتبروه “مماطلة ” النائب خالد رمضان التي عطلت الأمر لشهور فقد أنتقلوا مع النائب قيس زيادين لمحاورة الحزب الديمقراطي الاجتماعي في الأثناء عقد مركز القدس في 26/ 11/ 2016 ندوة بمشاركة عدد من المهتمين بعنوان “التيار المدني الديمقراطي في الأردن… فرص استنهاضه وتحدياته” بهدف “الإسهام في تمكين هذا التيار من بلورة “خريطة طريق” له للنهوض بأدائه واستنهاض دوره باعتباره رافعة من روافع التحول الديمقراطي في المملكة” كما قال عريب الرنتاوي مدير عام المركز وهو لخص الموقف في تقديم الندوة قائلا ” إن الانتخابات النيابية الأخيرة أظهرت وجود ثلاث قوى رئيسية تتوزع المشهد السياسي الوطني الأردني هي: القوى الدينية، والقوى العشائرية، ورجال الأعمال ذوي الطموحات الشخصية والفردية، بينما ظهرت الحاجة إلى بروز قطب جديد في الحياة السياسية الأردنية، هو التيار المدني – الديمقراطي، لافتاً إلى أن فرص النجاح في “تظهير” تيار كهذا تبدو اليوم أفضل من أي وقت مضى على الرغم من الصعوبات والعراقيل التي تعترض طريقه. وقد برهن الفوز اللافت لقائمة “معاً” باثنين من مقاعد الدائرة الثالثة في عمان، برغم تبنيها الواضح لشعارات الدولة المدنية والعلمانية، أن النجاح في بناء “قطب” مدني– ديمقراطي، تبدو مهمة ممكنة، إذا ما توفرت لها عناصر التنظيم والعمل الجماعي المشترك، وتغليب المصلحة العامة على المصالح الضيقة لمكونات هذا التيار، وقال إن هناك تصوراً بأن التيار الديمقراطي يتألف من ثلاثة مكونات، هي التيار المدني الديمقراطي بمعناه العام، والتيار المدني اليساري القومي الذي يتشكل من أحزاب سياسية مرخصة، والتيار المدني المحافظ بمرجعيته الإسلامية ومن مكوناته “زمزم” وشخصيات أخرى” . لكن في النقاشات ظهرت العقليات المختلفة في التعامل مع الفكرة من خلال الأسئلة المتشككة مثل “من يدعى للمشروع ؟! وما هي المعايير ؟! وهل يكون مفتوحا لمن هب ودب ؟! وما هو البرنامج وما هي الآلية .. الخ. انه نفس المنطق الذي استخدم سابقا ممن يرى ويريد نفسه مرجعية ويفترض انه الحارس الأمين للخط الصحيح .. الخ.

حزب التحالف المدني

إن اغلبية من انصار القائمة قررت المتابعة لفكرة حزب للتيار المدني واستمرت في حوارات صعبة احيانا مع بعض المجموعات والعناصر التي دعمت قائمة معا وكان للحزب الديمقراطي الاجتماعي دورا مشجعا بإعلان استعداده للاندماج في المشروع. وحالما تم انجاز وثيقة مبادىء من 13 نقطة تم التحضير لاشهار المشروع تحت اسم التحالف المدني وتم انشاء صفحة فيس بوك تحت هذا الاسم وشكل اللقاء العام بمشاركة اكثر من الف شخص في كلية الخوارزمي في 20 كانون الثاني 2018 علامة نجاح بارزة وظهر في وسائل التواصل الاجتماعي تأييد واسع للفكرة من اوساط كثيرة سمتها العامة شبابية مدنية وعلمانية اضافة الى عدد وافر من العناصر اليسارية التي غادرت العمل الحزبي من زمان لكنها وجدت جاذبية في المشروع الجديد.

ما هي الخطوة التالية بعد اشهار التحالف المدني كعنوان؟ الحوارات جرت على نطاق ضيق واستبعدت فكرة العمل كحركة عامة دون اطار تنظيمي (حزب) وطرحت فكرة الاندماج في الحزب الديمقراطي الاجتماعي لكنها استبعدت ايضا وتقرر التوجه لترخيص حزب جديد بإسم حزب التحالف المدني. وأنهمكت المجموعة المركزية في مناقشة الترتيبات التنظيمية. هذا بينما في الأثناء كان العشرات بل المئات من اللذين تابعوا المشروع وتحمسوا له يتساءلون عن التباطوء والغياب ويخشون من تضييع اللحظة وسيادة الفتور. والحال ان عملية الترخيص أخذت عاما كاملا تقريبا وهو بالذات ما حذرت منه شخصيا أي ان تتحول عملية سياسية وطنية الى عملية تنظيمية تنتهي بإنشاء حزب يصطف نوعا وحجما وحضورا الى جانب الأحزاب الأخرى؟

تحديات الانتخابات القادمة

ما زال الحكم مبكرا على التجربة التي لم تصل الى نهاياتها بعد لكن الوقت يضيق أمام الانتخابات النيابية القادمة وهي الامتحان لمشروع التيار المدني الديمقراطي ان يشكل حضورا انتخابيا شاملا في كل البلاد وواقع الحال ان ما يمكن ان يضمه هذا التيار هو اوسع كثيرا نوعا وكما و”تنويعا” من هيئة مؤسسي الحزب الجديد بل ان بعض الأحزاب الأخرى ومنها أحزاب خرجت من التيار الاسلامي واتجهت بقوة نحو مفهوم الدولة المدنية الديمقراطية لا يمكن افتراضهم خارج هذا التيار. واذا لم يكن ممكنا انشاء حزب يمثل هذا التيار فيجب التفكير مباشرة بصيغة اخرى مبتكرة تجمع الناس وتمكن من التوحد تحت عنوان مشترك للانتخابات النيابية القادمة معززة بآلية مبتكرة للتوافق وفرز المرشحين.

قبول التنوع والاختلاف هو سمة الأحزاب الحديثة البرامجية، حيث يمكن أن تتواجد آراء واتجاهات تختلف وتتصارع وتعبر علنا وتدعو لوجهة نظرها فالمرونة وقبول التعدد وحق التعبير العلني عن الاختلاف في إطار الوحدة هو شرط النجاح، وأكثر من ذلك الأحزاب اليوم ليست تنظيما بل آلية للتشارك في التأثير وفي الانتخابات لتيار واسع يشمل مجموعات ومنتديات وفعاليات شتى تحاول كلها النجاح في التأثير أو في التمثيل ضمن المعسكر الذي يمثله الحزبوغالبا يتقرر المرشحون للانتخابات العامة من خلال انتخابات اولية تشارك بها القعدة الانتخابية للحزب وليس الأعضاء فقط وما بين دورتين انتخابيتين فان المناصب التنظيمية هي مهمات ادارية وليس سياسية. لكن للحقيقة فإن الديمقراطية والمرونة الداخلية في الحزب قد تضمن الاستقرار وعدم الانقسام، لكن نجاح الأحزاب في الأردن قصة أخرى. والسؤال هو ما جدوى تشكيل حزب بمواصفات ممتازة إذا كان مصيره مثل باقي الأحزاب ولن يتمكن بفعل الواقع الحالي لبنية الدولة والنظام والمجتمع في الاردن من تحقيق أي اختراق والتحول إلى حزب برلماني لديه حصة معتبرة من المقاعد؟!

هل ثمة مبرر لتشكيل حزب ليس محتملا أن يتمكن من خوض الانتخابات على مستوى وطني وتحقيق عدد معقول من المقاعد بما يؤهله لتشكيل حكومة أو المشاركة في ائتلاف يشكل حكومة؟! إذا كان ذلك ليس واردا فما جدوى تشكيل حزب سياسي بل ما جدوى تشكيل اي ائتلاف حزبي؟!

طبعا خوض الصراع من اجل الاصلاح السياسي والعدالة الاجتماعية والتنمية والثقافة والتحضر والحقوق والسياسات العامة والحكم الرشيد تقضي ولا شك بوجود رافعة سياسية ويمكن بوجود قانون انتخابات مناسب ان يخوض التيار الانتخابات على مستوى وطني ويحقق تمثيلا معتبرا لكن هذا يحتاج الى ابتكار صيغ مرنة جدا وفعالة للقاء الناس وادارة القرار وليس بالضرورة من خلال تنظيم حزبي تقليدي. ان منظمات المجتمع المدني بات لها دور فاعل للغاية ومعظمها يمثل قيم وتوجهات التيار المدني الديمقراطي المفترض وهناك فعاليات مستقلة وشخصيات محلية في مختلف المحافظات وعدد وافر من المثقفين والفنانين الذين رأيناهم على الدوار الرابع في رمضان الى جانب العدد الوافر من الشباب وهؤلاء جميعا يحتاجون الى صيغ مناسبة للمشاركة واحساس الجميع بأنهم شركاء.

الخيارات والاحتمالات لـ”الحراك” الجديد الذي انطلق تحت عنوان التيار المدني الديمقراطي ما زال مفتوحا وقد ينتهي الى لا شيء وينحسر الى مجرد اضافة حزب جديد الى جانب عشرات الأحزاب الموجودة أو يتحقق اختراق ونشهد اخيرا عنوانا سياسيا موحدا تشاركيا لما يطلق عليه التيار المدني الديمقراطي يتوج بالنجاح الموجة القوية التي صعدت واستقطبت شريحة واسعة من الشباب لصالح فكرة الدولة المدنية الديمقراطية العادلة.