فن وثقافة

مظفر النواب يخلق الإنشاق في بيت الكتاب بعد تتويج حميد سعيد من زمن صدام

عين نيوز – رصد/

 

النواب

انتقد كتاب عراقيون وعرب قرار اتحاد الكتاب العرب منح جائزة القدس لعام 2012 للشاعر العراقي حميد سعيد، المعروف بعلاقته الوثيقة بنظام صدام حسن السابق. واستغرب المنتقدون أنه في عهد الربيع العربي الذي أحدث انتقاله في الوعي العام العربي اتسمت بالانحياز إلى مبادئ الحرية والمواطنة وحقوق الإنسان والسعي للتخلص من مظاهر الاستبداد والتسلط، تـُمنح الجائزة لشاعر كان يفتخر بوصف “شاعر النظام”.

في حديث لإذاعة هولندا العالمية وصف الروائي المصري رؤوف مسعد اختيار الشاعر العراقي حميد سعيد بأنه “قرار غير صائب”، مبرراً رأيه بسببين، الأول ارتباط حميد سعيد الوثيق بنظام صدام حسين، الذي شهد عهده انتهاكات خطيرة لحقوق الإنسان عموماً، ولحريات التعبير والإبداع خصوصاً، والسبب الآخر، حسب الروائي المصري صاحب “بيضة النعامة” و “إيثاكا”، هو تواضع الأهمية الأدبية لحميد سعيد، مقارنة بشعراء آخرين عراقيين أو من بلدان أخرى، لكن مسعد رأى أن الأمر يتعلق بمشكلة بنيوية يعاني منها اتحاد الكتاب العرب الذي “يجمع أجنحة من الاتحادات المحافظة، لكي لا نقول الرجعية، وكلها نتاج الأنظمة القديمة الدكتاتورية، التي كانت تجمع في حظيرتها – على حد تعبير وزير الثقافة المصري الأسبق فاروق حسني- الأدباء المنهارين وعديمي الموهبة.”

وبالرغم من التحول الذي طرأ على الشارع العربي منذ انطلاق الانتفاضات الشعبية التي صارت تـُعرف بـ “الربيع العربي”، ومطالبة الشعوب بالحريات والديمقراطية، ومحاسبة الفنانين والكتاب على مواقفهم الممالئة للأنظمة القمعية، فإن هذا التحول لم يصل بعد إلى داخل هذه المؤسسة الأدبية شبه الرسمية. وضرب الروائي رؤوف مسعد مثالاً على مواقف اتحاد الأدباء، بالموقف الذي وصفه بـ “الضعيف” تجاه ما يجري في سورية حالياً من انتهاكات فظيعة.

 

الاتحاد لم يتغير

وقال رؤوف مسعد، وهو عضو في اتحاد الكتاب المصريين، إن العضوية في اتحادات الكتاب في ظل الأنظمة القديمة كان بالدرجة الأولى “لتحسين الأوضاع المالية للأديب، ولكنها لا تفعل شيئاً لمقاومة الظلم الذي يتعرض له الأدباء”. ويضيف مسعد أن هذه السلبية ما زالت سائدة “الاتحاد لم يتغير، وإن تغير فبشكل طفيف وشكلي (….) وهذا كله نتاج النظام القديم.”لا مستقبل لاتحادات الأدباء العربية بصيغتها الحالية، حسب الروائي المصري. “هذه الاتحادات يجب أن تـُزال وتـُحل. ويجب أن تأتي اتحادات جديدة بفكر جديد. فاتحاد الأدباء يجب أن لا يقتصر دوره على توفير شقة سكنية للأديب أو معاشاً تقاعدياً، بل هو مكان للتعبير عن أفكارك النضالية الوطنية.”

“الاختيار ليس سياسياً”

في اتصال هاتفي مع إذاعة هولندا العالمية، نفى رئيس اتحاد الكتاب التونسيين، محمد البدوي، أن تكون هناك أسباب سياسية وراء منح الجائزة للشاعر العراقي حميد سعيد. والبدوي كان ضمن لجنة التحكيم، التي ضمت إلى جانبه رؤساء اتحادات الكتاب في المغرب ولبنان والبحرين. “تم تكليفنا بأن نكون في لجنة التحكيم لأن هذه الاتحادات الأربعة لم تقدم مرشحاً للجائزة” وأوضح الشاعر والناقد التونسي محمد البدوي أنه كان هناك مرشح من السودان، إلى جانب الشاعرين العراقيين مظفر النواب الذي رشحه الاتحادات العراقي والمصري، وحميد سعيد الذي رشحه الاتحادان الأردني والفلسطيني.

عن الانتقادات التي وجهها أدباء عراقيون وعرب يقول السيد محمد البدوي “رضا الناس غاية لا تـُدرك، ولو اخترنا أي مرشح آخر لغضب البعض وفرح البعض الآخر أيضاً. حاولنا أن نبتعد عن الخلفية السياسية لأي مرشح ونركز على الإنجاز الإبداعي وما قدمه في أدبه للقدس وفلسطين. وأخذنا أيضا، ولو بشكل قليل جداً، بنظر الاعتبار أن حميد سعيد هو مرشح الاتحاد الفلسطيني، الذي هو المعني أكثر بهذه الجائزة التي تحمل اسم القدس.”وأضاف البدوي إن لا أحد ينكر ما قدمه حميد سعيد للفلسطينيين والقضية الفلسطينية، “سواء من خلال كتاباته، أو من خلال المناصب التي كان يشغلها، أميناً عاماً لاتحاد الكتاب العرب، ومسؤولاً في الشأن الثقافي في العراق.”

لم يتوقف السيد محمد البدوي كثيراً عند العلاقة التي تربط حميد سعيد بالنظام الدكتاتوري السابق في العراق، وكونه جزءاً أساسيا من السلطة الثقافية التابعة لذلك النظام، معتبراً أن هذه الحالة تنطبق على عدد كبير من الأدباء العرب، بحكم مناصبهم أو بحكم الواقع الذي يعيشون فيه، مشيراً إلى أن مظفر النواب هو الآخر كان مقرباً جداً من نظام دكتاتوري ارتكب انتهاكات واسعة لحقوق الإنسان، وهو نظام العقيد القذافي، الزعيم الليبي السابق. ويضيف البدوي: “لم يتم إطلاقاً التطرق إلى هذا الجانب في النقاشات داخل اللجنة أو داخل الأمانة العامة للاتحاد. المواقف السياسية للشعراء تثير الكثير من الجدل والاختلافات لذلك لم نأخذها بنظر الاعتبار لكي لا ننحاز لاتجاه سياسي ضد آخر.”

القدس.. والاستخدام السيئ

في رد مكتوب بعثه إلى القسم العربي في إذاعة هولندا العالمية، تحدث الشاعر العراقي أحمد عبد الحسين عن اسم الجائزة “القدس”، وعن تاريخ الأنظمة الشمولية في المنطقة في إساءة استخدام هذا الاسم المترسخ في الوجدان العربي: “القدس إيقونة القضية الفلسطينية لطالما تلاقـفـتـْها حكومات اعتاشتْ على “القضايا الكبرى” واستثمرتها رأسمالاً رمزياً يقوي شوكة الحاكمين، فمن “جيش القدس” الذي أسسه صدام لحماية ملكه الذي باد، إلى “فيلق القدس” الذي أسسته إيران وأصبح ذراعها للتدخل في دول أخرى.” ورأى الشاعر والمحرر الثقافي لصحيفة المدى اليومية واسعة الانتشار، أن اتحاد الأدباء العرب يستخدم هذا الاسم بالطريقة نفسها التي استخدمتها بها الأنظمة الشمولية: “جميل أن تكون جائزة لاتحاد الأدباء العرب باسم القدس، لكن من المخيّب للآمال أن يستثمر اسم القدس الاستثمار القديم ذاته بجعلها إعداداً يضاف إلى إعدادات السلطة.”

بين شاعرين.. بين “قدسين”

عدم منح الجائزة للمرشح العراقي الآخر، مظفر النواب يجعل المفارقة أكثر وضوحاً، حسب الشاعر العراقي أحمد عبد الحسين: “كانت المنافسة بين حميد سعيد ومظفر النواب، بين شاعرين: الأول يشير اسمه تلقائياً إلى زمرة شعراء عرب نموا في ظلّ الحكومات واغتذت أجسادهم بما تهب لهم. والثاني عاش عمره الطويل يلقي على الحاكمين شتائم فيردوا عليه منعاً وإبعاداً، الأول قال القدس التي في خدمة السلطان، القدس حين تكون اسم جيش يُقمع به شعب، والثاني قال قدسه مسبوقة ومتبوعة بأقذع النعوت للحكام الذين تركوا القدس لمغتصبيها وطفقوا يستمعون وراء الأبواب لصرخات بكارتها” في اقتباس من قصيدة شهيرة للشاعر النواب، يشتم فيها الحكام العرب دون استثناء.

يختصر أحمد عبد الحسين نتيجة المنافسة بين حميد سعيد ومظفر النواب بالوصف التالي: “مظفر النوّاب يحمل قدس المواطنين العرب الذين يعرفون أنها ضاعت. وحميد سعيد أعطى اتحاد العرب ما يريدون: القدس التي تنفع أن تكون في هتافٍ في مسيرة لتمجيد منقذ القدس الذي “يأتي ولا يأتي” ويختم الشاعر عبد الحسين رده باستنتاج لا يخلو من نبرة الأسى: “أثبت مثقفو العرب أنهم لم يتغيروا مع أن شعوبهم تتغيّر باضطراد.”

وهكذا يختلف العرب مجددا، ليبقى السؤال متى سيتفق العرب في وقت اتفقت فيه الشعوب العربية على الثورات والإطاحة بحكام لطالما كان لهم الشعراء بالمدح أو الذم وبينهما سقط الكثيرون في فخ الإدارة .

 

 

الكلمات المفتاحية: اتحاد الكتاب العرب- الاختيار ليس سياسيا- الحرية والديمقراطية- الربيع العربي- الشاعر حميد سعيد- المظفر النواب