آراء ومقالات

مصر تغيرت وعباس لم يتغير

اسامة  الرنتيسي

الصحوة الشعبية العربية غيّرت نظرة الشعوب إلى المستقبل، لكنها لم تغير الأوهام التي تسكن عقول من قادوا المرحلة السابقة، بدءاً من وهم محور الاعتدال وما آل إليه أصحابه، إلى وهم إمكانية استمرار العمل في مسيرة السلام والتفاوض، وما يحاول الرئيس الفلسطيني فعله، إن كان خلال وجوده في مقر السلطة في رام الله، أو من خلال جولاته التي لم تتوقف رغم كل ما جرى في العالم العربي من متغيرات، إلى زيارته للقاهرة بعد الثورة.

عباس في القاهرة هذه المرة بدعوة رسمية، نقلها وزير الخارجية نبيل العربي. وزيارة عباس، قبل ثورة “25 يناير” لم تكن تخضع للبروتوكولات الرسمية، كان يرتادها مع كل جولة خارجية له ومع كل حدث فلسطيني، فالمحطة المصرية كانت قبلة مشاوراته العربية والملزمة في كثير من الأحيان.

القاهرة تمسك بالعديد من الملفات الفلسطينية: الحوار الوطني قبل الانقسام وبعده، بوابة غزة والقدرة على التأثير في “حماس”، دور مميز في لجنة المتابعة العربية، دور الوسيط مع إسرائيل وأميركا، القدرة على فتح بوابات عواصم عربية ودولية يصعب على عباس ولوجها وحيداً.

عباس في القاهرة ليستكشف الجديد فيها، بما في ذلك “ميدان التحرير”، والدور الذي يلعبه في صياغة القاهرة لقرارها الفلسطيني.

مراد الموافي، خليفة عمر سليمان، لم يحدث انقلاباً في جهاز المخابرات العامة المصرية، وهو ما يطمئن عباس، إذ إن هذا الجهاز هو الحاضن للحوار الفلسطيني. ونبيل العربي رجل يؤمن بالمفاوضات وبالحلول السلمية، وهذا أيضاً مطمئن، لأن المفاوضات ما تزال هي الخيار المصري.

ومع ذلك فإن مصر تغيرت، فهناك أصوات بدأت تدعو إلى “تطبيع” العلاقة مع “حماس”، بكفالة “الإخوان المسلمين”، الذين نالوا شرعيتهم، وتدعو لإعادة النظر في العلاقة مع إسرائيل وفي صفقة الغاز معها، ولأول مرة تشهد سفارة تل أبيب في القاهرة تظاهرة احتجاج على قصف غزة. إسرائيل أدركت المتغيرات، وهي نصحت يهودها بعدم السياحة في سيناء لأسباب أمنية.

ماذا قالت مصر لعباس؟ قالت له (ولـ”حماس” أيضاً): لا حوار بعد الآن في القاهرة، قدمنا ما فيه الكفاية، اذهبوا وتحاوروا واتفقوا، وتعالوا لنحتفل معاً بالاتفاق، ومعبر رفح يخضع لاتفاقية مع إسرائيل، نلتزم ما تلتزمونه، والعملية التفاوضية لم تمت، وإن كانت الجولات المباشرة قد توقفت، رهانكم على أيلول (سبتمبر) لقيام الدولة خيار سياسي ضعيف، فالقوي في مجلس الأمن قوي على طاولة المفاوضات؛ إما المفاوضات والتزام متطلباتها، وإما خيار سياسي جديد، والقرار لكم.

قد يكون عباس ارتاح، فأبواب القاهرة لم تغلق أمامه، خاصة بعد انحيازه المعلن لمبارك ضد “ميدان التحرير”، وقد يكون في المقابل قلقاً لما سمعه من جديد. ومع ذلك حرص على الاحتفاظ بابتسامة أمام عدسات المصورين.

مصر تغيرت، ودخل لاعب جديد على الخط الفلسطيني، تركيا التي عرضت عقد لقاء بين الرئيس الفلسطيني ورئيس المكتب السياسي لحركة “حماس” خالد مشعل، حيث أرسلت اقتراحاً يتناول ترتيب لقاء في إسطنبول يجمع عباس ومشعل، بالإضافة إلى إجراء انتخابات المجلس الوطني الفلسطيني وتأجيل الانتخابات التشريعية والرئاسية، ورغم أن القيادي في حركة حماس محمود الزهار قال إنه “لا داعي لزيارة عباس غزة”، إلا أن عباس رحب باقتراح وزير الخارجية التركي أحمد داوود أوغلو مرافقته في زيارته المرتقبة إلى غزة!

على الرئيس الفلسطيني النظر إلى الأوضاع المحيطة بعين الحذر والترقب، ومن الحكمة الآن المحافظة على “خط الرجعة” في المواقف والتصريحات المعلنة وغير المعلنة، إذ إن تغيير اتجاه بوصلة الدعم الإستراتيجي في المنطقة وتذبذب ميزان القوى يدفعان العاقل إلى التريث في إعلان المواقف السياسية المؤيدة أو المعارضة. ومن يستطيع أن يحكم على مستقبل “التوغل” الإيراني و”الحِشَرية” التركية بعد ما نراه في جارتنا الشمالية؟

الكلمات المفتاحية: اسامة- اسامة الرنتيسي- الاردن- التحرير- الرنتيسي- الغد