آراء ومقالات

مديرو مخابرات إفريقيا في الخرطوم يا محلي طلتهم !

عين نيوز- كتب – بسام بدارين /

 

لا أعرف سببا واحدا يجبرني على قبول الفكرة او حتى تخيل قبولها.. مديرو أجهزة المخابرات في افريقيا يجتمعون معا تحت سقف واحد في الخرطوم للإجابة على السؤال التالي: كيف نحول فلسفة أجهزتنا من العمل فقط لمصلحة النظام إلى مصلحة الشعب؟.

حسب تقرير مراسل الجزيرة في السودان الاجتماع الذي تنادى إليه عسس الليل في قارة الشمس وعقد في نفس القاعة التي شهدت اجتماعات القمم العربية والافريقية هندس على مقاس التحديات الأمنية التي تفرضها ثورات الربيع العربي التي بدأت عند الأشقاء من عرب افريقيا ويخشى أهلنا في افريقيا انتقالها إليهم.

..المجتمعون لم يبحثوا إطلاقا، وعلى طريقة اجتماعات وزراء الداخلية العرب بكيفية التعامل باحترام أكثر مع شعوبهم، ولا في كيفية رفع المنسوب الديمقراطي، بل باستدراك مبررات ومسببات حراك الشارع العنيف ضد الأنظمة وفي غير بلد عربي وافريقي.

وأزعم أن الموضوع يثيرني، فأنا من أولئك القوم المندسين دوما وأصحاب الأجندات التآمرية، الذين يبصمون بالحافر والرجلين واللسان على القناعة التالية: رجال المخابرات في عالمنا العربي هم السبب الأول والرئيسي والمباشر الذي يتسبب بعواصف الشارع، وهم السبب الأول والأخير في سقوط أنظمتهم التي سقطت فعلا، او التي ستسقط او يمكن أن تسقط لاحقا.

.. هنا يحق لأي ضابط مخابرات عربي أو افريقي أن يسألني بسخرية: كيف ذلك يا فصيح؟… الإجابة بسيطة فرجل المخابرات في كل الأحوال يتعامل مع أي مواطن في أي بلد على أساس انه تصرف يمثل الحاكم شخصيا او النظام ذاتيا في أقل تعديل، خلافا لتصرفات أي من رجال الأمن في الأجهزة الأخرى التي لا تحمل اسم المخابرات او الاستخبارات، فبقدرة قادر عندما يتخذ رجل المخابرات موقفا او يلقي بكلمة يشعر الإنسان ـ سبحان الله – بان الرئيس او الزعيم هو الذي يتحدث معه أو يقمعه لان مستوى النفاق اللفظي أثناء القمع والتصرف يكون في أعلى معدلاته.

بمعنى آخر لو ضربني في الشارع رجل السير أو استجوبني وظلمني ضابط الشرطة، ولو صفعني حارس سفارة أو وزارة لاستطعت إقناع نفسي بأن المسألة فردية أو مؤسسية في أسوأ الاحتمالات، لكن لو تعرضت لنفس الموقف من رجل مخابرات لخرجت مقتنعا ومؤمنا بان النظام هو الذي تصرف وليس رجل المخابرات الفرد.. لماذا يحصل ذلك؟.. بصراحة لا أعرف لكن عندما سألت الكثيرين وجدت نفس القاعدة.

أزمة وطنية بسبب زجاجة بيبسي

وأذكر أني تتبعت شخصيا أسباب أحداث اضطرابات مثيرة عاشتها إحدى مدن الجنوب في بلادي بسبب العمل على إلقاء القبض على شخص بعينه وهو مواطن متشدد دينيا واكتشفت أن سبب التشدد الديني عند هذا المواطن المطلوب هو الإصرار على إهانته كلما استدعي للسلطات الأمنية، فصاحبنا جلس على (القنينة) في إحدى مرات الاستجواب فهرب من القنينة الأمنية وغرقت البلاد برمتها بالفوضى وارتبك السيستم كله بسبب هذه الواقعة التي تسبب بها عنصر أمني واحد فقط فضل أن يتسلى بالاستجواب الليلي لتبديد الضجر واختار طرقا غير قانونية وغير معتمدة حتى في جهازه.

يعني ذلك ان أزمة وطنية اندلعت بسبب زجاجة بيبسي استخدمت لأغراض الترفيه والتسلية خلال مناوبة مسائية لأحد الأفراد ضد أحد المواطنين.. هكذا الموقف باختصار، فالحقد على الأنظمة ورؤسائها في العالم العربي يبدأ حصريا ويتغذى على تصرفات رجال الامن تحديدا في الأجهزة المتنفذة.

وقد يكون ذلك السبب المباشرة لإحراق مقرات اجهزة امن الدولة المصرية، وقبلها مقرات البوليس السياسي التونسي.. إنهم باختصار رجال المخابرات من ذوي السلوك العدواني الذين يتصرفون خارج الرقابة والقانون وفي الليل على الأغلب، فيحفرون المطب الأول في قبر الأنظمة التي يحرسونها وبسببهم تكره الشعوب زعماءها وتسقطهم.

.. هؤلاء في افريقيا مثلا يريدون إقناعي الآن بأنهم معنيون بالتفكير بالشعوب وحمايتها وطلتهم على الفضائيات أعجبتني وذكرتني بأغنية تراثية قديمة في الأردن تتحدث عن الشيوخ والفرسان ويقول مطلعها.. يا محلى طلتهم .. إمتى يصير العصر وأصير كنتهم؟.. والكنة لمن لا يعرف من القراء هي زوجة الابن.

مشهدهم وهم يجلسون في قاعة الرؤساء الضخمة في الخرطوم ينتج الدهشة.. أجساد سوداء ليست نحيلة تطل من قمصان وأطقم بيضاء للغاية مع النظارات السوداء إياها.. إنهم مديرو مخابرات افريقيا بلا ريب.. هؤلاء من يمنحون ويحجبون ويقررون عن الزعيم وباسمه.. فرسان الليل وزوار الفجر وصناع المؤامرات والتفجيرات والأفلام الهندية.. الرجال المستعدون للتضحية بآخر مواطن في الشعب ليس مقابل بقاء الزعيم او حتى النظام ولكن مقابل فكرة بسيطة: وجودهم ولاحقا دورهم ضرورة وطنية ملحة جدا.

وأنا صدقت الآن أن الكاميرا قد تكذب فوجوههم ناعمة ويبدو عليهم الحرص على الوطن والشعب والمستقبل.. يخطئون في قواعد اللغة أثناء الخطابة ولا يجيدون التعامل مع الكاميرا، فهم من يحطم الكاميرات أصلا ومن يحتجز او يقتل الصحافيين كشهود.. هؤلاء يريدون ان يقنعونا، كما جاء في فضائية السودان البائسة للغاية، بانهم اجتمعوا لتدارس التعاون من أجل شعوب افريقيا بعد ثورات تونس ومصر.

في الأردن ونحن صغار كنا نشير لبعض المخبرين بالصفة التالية (.. الزميل يعمل مع مخابرات موريتانيا) والأساس في العبارة أن موريتانيا دولة لا يمكن ان تكون فيها مخابرات وبعد اجتماع الخرطوم فقط اكتشفنا بؤس الفكرة، واكتشفنا ويا لهول المفاجأة ان موريتانيا لديها مخابرات فعلا وثمة رجل اسمه رئيس جهاز المخابرات يرتدي بدلة أنيقة ويشارك في مؤتمر الخرطوم، ويا لسخافتنا لا تستطيع التفريق من فرط الأناقة بينه وبين رئيس المخابرات الفرنسي.

ويمكن ببساطة ملاحظة ان أيا من مديري المخابرات الذين شاركوا في مؤتمر الخرطوم لم يرتد إطلاقا الزي الوطني او القومي لبلاده.. جميعهم ظهروا باطقم عصرية وربطات عنق وقمصان من اللون الأزرق البحري إياه مما دفع زوجتي للسؤال: أين أزياء افريقيا المزركشة المألوفة التي يظهر القائد الأممي المفوه معمر القذافي على فضائية بلاده وهو يرتديها جميعا في قميص واحد؟.

أين العمامة السودانية والرداء الموريتاني الجميل أو الزي السنغالي الشهير؟.. سؤال آخر تبادر إلى ذهني وانا أتامل سادتنا من مديري المخابرات.. اغلبهم سود وهذه خلقة الله لا اعتراض، وبعضهم كالمصري والتونسي والمغربي حنطي او قمحاوي .. من هم إذا الشقر والبيض جدا وأصحاب السحنة اللامعة الذين وجدوا بالقاعة؟… هؤلاء ظهروا بكثافة في الصف الثاني والخلفي والأروقة ولا يحملون بطاقات تدلل على هويتهم، وبسبب لون السحنة لا يمكن تصور أنهم افريقيون ولعلهم ممثلو المخابرات الأجنبية وتحديدا الغربية والأمريكية التي تدير عن بعد وتدرب وتمول وتحرض مخابرات الشعوب البائسة.

 

أوكامبو القذافي

ما هو وجه الشبه بين المفتش أوكامبو والزعيم الليبي معمر القذافي؟.. سؤال يبدو فانتازيا في غير محله لكن بعد التدقيق بأخبار فضائية الجماهيرية وبعدها العربية استطعت تكوين تصورعن أوجه التشابه.

كلاهما يحاول لحس عقولنا نحن المشاهدين والمستمعين الرعاع بطريقته الخاصة، فأوكامبو يريد أن يقنعنا بأن القذافي زود جنود كتائبه بكميات هائلة من حبوب فياغرا المدهشة لكي يدفعهم منهجيا لاغتصاب نساء الثوار والمعارضين.

.. قال الرجل وأقصد أوكامبو ذلك علنا وبلا وجل أو خجل، لكن في حديثه ثغرات لم تسد بعد لانه يجمع الأدلة والحيثيات، فصاحبنا لم يغرق باحتمالات الأسئلة من طراز: ماذا لو لم يجد مرتزقة القذافي وجنوده بعد تناول سلاحهم الأزرق الفتاك في طريقهم للحرب أي نساء؟.. ماذا لو اقتصر الأمر على الرجال الثوار الذين تظهر لنا محطة الجزيرة يوميا هيئاتهم الحربية؟.. أنا شخصيا أعتقد بان مصاحبة أي من رجال الثورة فيزيائيا ليست في نطاق الاحتمال حتى لو تجرع المرتزقة فياغرا سائلة في الدم.

وماذا عن المرتزقة النساء اللواتي قالت الأنباء ان القذافي استعان بهن أيضا فهل لديهن بالمقابل فياغرا نسائي؟.. لو كنت ثائرا في صحراء ليبيا لرحبت بذلك فورا.

وأوكامبو هنا يبالغ لزوم الدور طبعا وبنفس طريقة القذافي بالمبالغة، ففضائية الأخير تعيد بث برنامجها الذي يتحدث عن أطنان من حبوب الهلوسة تهرب عبر البنتاغون للثوار والإستراتيجية الحربية هنا تسعى لوهن مشاعر الأمة الليبية وإضعاف شعبها تمهيدا لتقسيمها، وذلك طبعا على أساس أن القذافي وأولاده لم يتكفلوا بذلك طوال 40 عاما.

أما دعابة أوكامبو فتسعى لإظهار القذافي كزعيم متوحش لا يتردد في جعل الاغتصاب منهجا حربيا.

وعلية يرد القذافي على حبوب الهلوسة الحربية بحبوب فياغرا الحربية الفتاكة، مما يدلنا على وجه الشبه التالي بين الرجلين، وهو اتفاقهما على مسألة محددة ـ والحمد لله- وهو ان الحبوب سواء أكانت للهلوسة او للشبق الجنسي أصبحت في عمق مشهد الصراع الليبي.

وبعد احتقارنا الشديد لكل مغتصب في أي كان ولأي سبب نسأل: أي بؤس هذا في الخطاب من الرجلين؟ فهل يحتاج من يقصف شعبه بالصواريخ ويقطع عنه الكهرباء للفياغرا حتى ينتصر؟.. وهل تضمن الحبة الزرقاء الساحرة لزعيم ما في أي مكان البقاء خصوصا بعدما لفظه شعبه ورماه بالأحذية؟

بالمقابل أتصور أن أوكامبو فقط يريد ان يتحدث بأي شيء ويختلق أي قصة من الطراز الهوليوودي الذي يمكن ترويجه في الغرب حتى يقنع العالم بعدالة ادعاء المحكمة الجنائية التي يمثلها والتي لا زالت متخصصة فقط بالزعماء الذين يتمردون على أمريكا والغرب ويفضل ان يكونوا عربا ومسلمين متجاهلا هو ومحكمته وهيئاته جرائم إسرائيل بحق الشعبين الفلسطيني واللبناني.

الكلمات المفتاحية: افريقية- الخرطوم- بسام بدارين- مخابرات