جريدة الحدث

مجلس “التعاون الخليجي” في ظل الأزمة.. هل نحن على مشارف حرب عربية باردة

  • منظومة مجلس التعاون لم تتمكن من منع نشوب الخلافات الخليجية الداخلية
  • التماسك الخليجي البروتوكولي يساعد أمريكا على التصدي للمشاريع الإيرانية

عين نيوز (الحدث) – د. حسن البراري

جاء تأسيس مجلس التعاون الخليجي في عام 1981 رداً على الثورة الإسلامية في إيران والحرب العراقية الإيرانية، وجاءت فكرة المجلس في ذلك الوقت تتويجا لمفهوم الأمن الجماعي، بمعنى أن أي اعتداء على دولة خليجية يعتبر تهديدا لسائر منظومة دول الخليج، ورافق تأسيس المجلس قيام الولايات المتحدة بنشر ما سمي في ذلك الوقت قوات الانتشار السريع بهدف حفظ أمن الخليج. غير أن مجلس التعاون الخليجي الذي جاء لمعالجة التهديدات الأمنية سرعان ما أخذ ايضا شكل المنظمة لإرساء التعاون الاقتصادي والسياسي لهذه الدول المتشابهة من حيث الأنظمة الحاكمة، فجميعها دول ريعية تعتمد على النفط وعلى علاقة مع الولايات المتحدة ركيزتها الأمن أي أمن النفط الذي ينظر إليه كعصب الاقتصاد العالمي الذي لا تسمح الولايات المتحدة لأي قوة في العالم السيطرة عليه.

والحق أن مجلس التعاون الخليجي وقف عاجزا أمام الغزو العراقي للكويت في الثاني من آب 1990 وكان لا بد من دخول تحالف دولي بقيادة الولايات المتحدة لتحرير الكويت أولا ولردع أي قوة تفكر بالاعتداء على أمن الخليج ثانيا. وعلى الرغم من تشكيل قوات درع الجزيرة إلا أن القوة التي تمكنت من الحفاظ على أمن الخليج هي الولايات المتحدة الأمريكية. بالمقابل لم تتمكن هذه المنظومة من تسوية الخلافات الخليجية الداخلية وهو ما ظهر جليا في الأزمة مع قطر عندما قامت ثلاث دول من مجلس التعاون الخليجي بفرض حصار عليها.

واللافت أن محاولات السعودية لاحتواء قطر لتتبنى الأخيرة سياسة خارجية وفقا للأولويات السعودية وفشل هذا التوجه قد فاقم من الخلافات الخليجية وبدا واضحا أن المجلس كان بمثابة مظلة للوصاية السعودية على بقية دول الخليج، وهو أمر لم تعد بعض الدول الاعضاء ترغب باستمراره حتى لو أفضى ذلك إلى تقويض المجلس برمته. وما من شك أن الوساطة الكويتيه لتذليل الصعاب التي تقف في طريق التئام المنظومة مرة أخرى تتبخر تدريجيا على نيران الرفض السعودي- الإماراتي والرفض القطري من جانب آخر للمطالب المفروضة عليه.

وعلى ضوء ما سبق نقترح السيناريوهات التالية. أولا، البقاء السياسي الرمزي للمجلس كإطار عام تحتفظ بموجبه كل الدول بعضويتها لكن دون أن يكون هناك حل لمشاكل متأصلة في بنيته ودون حل الأزمة القطرية الخليجية. فحل الأزمة ليست متطلبا لبقاء المنظمة على اعتبار أن الدول الاعضاء هي دول ذات سيادة لها سياسات مختلفة بحيث لا تستطيع أي دولة فرض رأيها السياسي على بقية الدول. بمعنى لن يتعدى المجلس كونه هوية خليجية لهذه الدول التي تتشابه كثيرا من حيث النظام السياسي الريعي.

السيناريو الثاني يرتبط بحل الأزمة القطرية، وهنا يمكن الحديث عن بقاء المجلس كمنظمة اقليمية تعتبر واجهة لدول الخليج، وهنا علينا أن نأخذ بالحسبان العامل الخارجي وهنا الحديث عن رغبة الولايات المتحدة في الابقاء على المجلس لكن من دون سلطة  فعلية. فالتماسك الخليجي البرتوكولي يساعد الولايات المتحدة في ايجاد جبهة عريضة للتصدي للمشاريع الإيرانية في الاقليم. وإذا ما تمكنت الأطراف الرئيسية من حل الأزمة القطرية قد يفضي ذلك إلى دينامية تساهم في تعزيز الروابط الخليجية للوصول إلى التوافق على بعض الاليات لمواجهة التهديدات للإقليم طبعا ليس وفقا لوجهة نظر الدولة المهيمنة فقط.

السيناريو الثالث يرتبط بتفكيك المجلس عن بكرة أبيه. فالمجلس حاليا مقسوم إلى محورين: سعودي- اماراتي- بحريني يقابلة محور قطر الذي يقف معها عمان بحيادها والكويت بوساطتها. وقد يكون سيناريو الانقسام مقدمة ونواة لحرب باردة عربية جديدة تنضم اليها دول عربية أخرى مثل مصر بجانب السعودية. ومن شأن مثل هذه الحرب الباردة أن تجر قدم دول أخرى وهنا الحديث عن قدرة إيران على استغلال الانقسامات العربية والخليجية.

باختصار، فإن العامل الأهم هو الأزمة القطرية، فقطر على سبيل المثال لها رؤية مختلفة بالسياسية الخارجية تجاه الإخوان المسلمين وتركيا، ولا يمكن لها القبول بالشروط السعودية القاسية دون التفريط بسيادتها. وإذا ما استمرت الأزمة لسنوات قادمة وإذا ما قامت قطر باستدارة استراتيجية فإنه من الصعوبة بمكان الحديث عن بقاء مجلس التعاون الخليجي بالشكل الذي نعرفه وقد يتم استبداله بتعاون ثلاثي يضم السعودية والامارات والبحرين. بكلمة، ستساهم الازمة القطرية بشكل كبير في تحديد مستقبل مجلس التعاون الخليجي كمنظومة جاءت لتحقيق الأمن الجماعي بالدرجة الأولى.