آراء ومقالات

ما بعد النفط

إسماعيل الشريف

لم ينتهِ العصر الحجري بسبب نفاد الحجارة، ولن ينتهي عصر النفط بسبب نفاد النفط – أحمد زكي يماني (وزير نفط سعودي)

سرعة انتقال وتطور التكنولوجيا مذهلة، في بدايات الثمانينيات من القرن الماضي صدرت دراسة مولتها شركة AT&T عن حجم ومستقبل سوق الهواتف الخلوية بحلول عام 2000، وتوقعت الدراسة أن يبلغ حجم سوق الهواتف الخلوية في العالم تسعمائة ألف مشترك، وعزى التقرير هذا الرقم المتواضع إلى محددين رئيسيين، الأول كلفة المكالمات المرتفعة والثاني سرعة نفاد شحن بطاريات الهواتف، إلا أنه في عام 2000 كان يوجد 109 ملايين هاتف خلوي في العالم، أي أكثر بمائة وعشرين ضعفا مما كان متوقعا.

هذه الأيام بدأت ثورة جديدة مشابهة لثورة الهواتف الخلوية، هي ثورة السيارات الكهربائية التي ظهرت في شوارعنا منذ أعوام قليلة، وفي كل يوم نلمس زيادة في هذه السيارات، في عام 2014 كان التوقع لسوق السيارات الكهربائية أنه مع حلول عام 2040 سيبلغ حجمه6%وفي عام 2016 توقعت الدراسات  أن تكون النسبة 22%، أما دراسة هذا العام فتوقعت أن تكون النسبة55%، بل وهنالك دراسات تتوقع أن تستحوذ السيارات الكهربائية على90%من سوق السيارات.

وهذه الأرقام من أهم دلالاتها أن الطلب على النفط سيقل كثيرا، ففي دراسة للبنك الدولي يُتوقع لسعر برميل النفط في عام 2040 أن يبلغ ما يعادل الخمسة عشر دولارا، وإذا كان الفضل الأكبر للسيارات في جعل النفط أهم سلعة في العام الذي استبدلت فيه المحركات التي تعمل بالوقود الخيول، ومن ثم قضى على مصادر الطاقة في تلك الحقبة وهي الخشب والفحم الحجري، فالسيارات أيضا ستكون السبب في أفول نجم البترول كأهم طاقة مستخدمة في العالم بعد أن بدأت السيارات بشكل متسارع في استخدام البطاريات كبديل عن الوقود، وقدر العلماء أن الوقود احتاج إلى خمسين عاما ليستبدل الخشب والفحم الحجري، ولكن الطاقة الكهربائية ستأخذ وقتا أقل، حوالي 10 – 15 عاما، حتى تصبح في المركز الأول كطاقة مستخدمة للتنقل.

بالطبع سيبرز سؤال، فالسيارات الكهربائية في نهاية المطاف تستخدم البترول، فهي تعمل بالكهرباء التي تغذى من محطات كهربائية تعمل بدورها بالوقود، هذا بالطبع صحيح، ومن المتوقع أن يزيد الطلب على الكهرباء، ولكن الزيادة الخاصة بالسيارات ستكون 11%-30% وهي أقل بكثير من نسبة استهلاك السيارات للوقود بشكل مباشر، هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى فإن اعتماد المحطات الكهربائية على النفط سيقل كثيرا مع الوقت، وعلى سبيل المثال فألمانيا تنتج 35%من طاقتها الكهربائية بوسائل نظيفة، و19%من الطاقة في إيطاليا وبريطانيا وفرنسا هي طاقة نظيفة، ودولة كالأورغواي خطت خطوات متقدمة جدا بحيث 55%من طاقتها الكهربائية هي طاقة متجددة، ومع الوقت ستنخفض كلف إنتاج الطاقة البديلة، فمن المتوقع بحلول عام 2040 أن لا تعتمد المحطات الكهربائية لأكثر من 7%من إنتاجها على الوقود.

لذا برأيي فإن علينا الاستعداد لما هو قادم، قد تبدو هذه الأخبار في ظاهرها لنا أخبارا سعيدة، ففاتورة الطاقة ستنخفض انخفاضا ملموسا ولكن في حقيقة الأمر ستشكل عبئا كبيرا من حيث أن الدول النفطية في الغالب ستعاني، مما سينعكس على العمالة الأردنية هناك، وستعود قوى عاملة بكثرة إلى الوطن وستنخفض تحويلات المغتربين وستقل المساعدات الاقتصادية، ولا ننسى الأرباح التي تتحقق في ميزانيات الحكومات من فرق احتساب كلفة البترول.

فالقادم لن يكون هينا ووجب علينا جميعا الاستعداد له مبكرا.