فن وثقافة

مأزق الترجمة: عشوائية وغياب للمؤسسات

عين نيوز – رصد/

تعبيرية

هناك شبه إجماع بين المبدعين العرب على أن المشهد الثقافي يعاني مشكلة تتعلق بالترجمة من وإلى العربية، وإذا كان البعض يشير إلى أن حركة الترجمة تسيطر عليها العشوائية والعلاقات الشخصية ونظرية المؤامرة، يرى آخرون أن الترجمة في عالمنا العربي تمارس كهواية فردية في ظل عدم وجود مؤسسات متخصصة بالترجمة، بينما يذهب فريق ثالث إلى أن المشكلة تكمن في المترجم حيث لا يتوافر العدد الكافي من المترجمين المهرة.

يقول الباحث طلال سعد الرميضي:

الكتب المترجمة عامل مهم ومؤثر في تبادل الثقافات بين شعوب العالم، وقد اهتمت المجتمعات الغربية في هذا المجال وساهمت حكوماتها ومؤسساتها الثقافية في دعم عملية الترجمة لما فيها من آثار إيجابية على أفرادها.

هواية فردية

ويعتقد الرميضي أن الترجمة في العالم العربي تمارس كهواية فردية في ظل غياب المؤسسات المعنية بالترجمة «وبطريقة عشوائية غير منظمة بدليل أن العديد من المؤلفات الأجنبية المهمة لرحالة أجانب تحتوي على معلومات قيمة عن تاريخ الكويت لم تأخذ نصيبها من الترجمة إلا في السنوات الأخيرة».

لذا فإن وجود مؤسسات متخصصة بالترجمة ذات دعم مالي من الحكومة ضرورة ملحة في جميع الدول العربية.

ولنا في الكويت تجربة مثمرة وهي مركز البحوث والدراسات الكويتية الذي قام بدور مهم في ترجمة الكثير من الدراسات التاريخية المتعلقة بالكويت من لغات أجنبية مختلفة كالانكليزية والروسية والفرنسية. بالإضافة إلى ترجمة العديد من المؤلفات المهمة للغات أجنبية.

ولي تجربة في هذا الشأن وهي ترجمة أعداد من كتب التقاويم السنوية التي أصدرتها الدولة العثمانية أو ما يعرف بالسالنامات إلى اللغة العربية في كتابي «الكويت والخليج العربي في السالنامة العثمانية» حيث استعنت بأحد المترجمين الأتراك وقد وجدت معلومات مهمة عن تاريخ الكويت مغيبة عن القراء العرب أكثر من قرن من الزمان، وأنا أتساءل في هذا المقام عن حجم المعلومات التاريخية المهمة التي تتناول ماضي الكويت ولم تصل لنا ولم نطلع عليها بسبب اشكالية الترجمات، ونقيس على ذلك في مختلف فنون الأدب والعلوم الأخرى لنعرف الكم الهائل من المعلومات المغيبة عنا كقراء عرب بسبب أزمة الترجمة أو أزمة المترجم.

ثقافة الإيميلات

وتؤكد الروائية بثينة العيسي من جهتها على عدم وجود مشروع جاد للترجمة بشكل منظم وتحت مظلة مؤسساتية مستقلة، «أغلب مبادرات ترجمة الآداب الأخرى إلى العربية هي مبادرات فردية، والدافع إليها كثيراً ما كان «ردم الفراغ» و»الإحساس بالمسؤولية « تجاه القارئ، وهؤلاء ندين لهم بالكثير، ولكن هذا لا يكفي، نحتاج مزيداً من الجسور إلى ثقافة الآخر.

المشكلة هي غياب التنظيم، عدم وجود مشروع جماعي، شح الموارد، غياب العائد المادي والمعنوي، والأهم عدم وجود اهتمام ملموس من القارئ، فالذين يقرأون في زمننا هذا هم النخبة المصطفاة، والبقية التي تشكل السواد العظيم، يكتفون بقراءة الإيميلات والبرودكاست والفيسبوك والتويتر، وتكفيهم هذه الثقافة.

فيما يتعلق بصدقية المترجم تقول العيسى إنه يصعب القول بأن الترجمة تخضع للعلاقات الشخصية، «وأنا واثقة من وجود مترجمين صادقين في رغبتهم بترجمة ثقافة الآخر ..جحود أن نتهم المترجم».

أما عن دقة الترجمة فترى العيسى أن اتهام المترجم يعني أننا قرأنا النص الأصلي والنص المترجَم وقارنّا بين الاثنين، وهذا صعبٌ ونادر، نحن نقرأ الكثير من الترجمات الجميلة التي نتحسس في كلماتها وجود صوت جديد، صوت الآخر المختلف والبعيد، ولكنها مع ذلك محبوكة بجمالٍ لا يشعرك بأي اغتراب أو إرهاقٍ، أحس بأنه من قبيل الجحود أن أتهم مترجماً مخضرماً مثل صالح علماني، وإبراهيم وطفي، وسامر أبو هواش، بأنهم السبب في إشكالات الترجمة في الراهن العربي!

نحن بحاجة لوجود عمل منظم ومؤسسي مستقل ومدعوم من صندوق الثقافة العربي مثلاً، أو جهات شبيهة، تتم فيه عملية اختيار الكتب للترجمة وفقاً لمعايير محددة، معلنة، وشفافة، وبالتعاون مع مجموعة مميزة وماهرة من المترجمين العرب، وبشكل يحقق المرونة الإدارية ويقبل بالمبادرات الفردية ويرحب بها.

مترجم أم طباع؟

الكاتبة هالة صلاح الدين حسين محررة مجلة البوتقة albawtaka.com وهي مجلة إلكترونية تعنى بترجمة آداب اللغة الإنكليزية تشير إلى أن معظم دور النشر العربية تتعامل مع المترجم بوصفه كاتباً على الآلة الكاتبة فقط لا غير! وبعد أن تعتذر هالة عن قسوتها في التعبير تقول:

هل سبق أن رأيت تلك الفقرة المطبوعة على ظهر أي كتاب باللغة الإنكليزية؟! كاتب تلك الفقرة صاحب مهنة في العالم المتقدم، مهنة مستقلة بذاته، وهو يحظى بكل احترام وتقدير، أغلب دور النشر ترى في المترجم أداة للنقل دون إدراك أنه فنان، صاحب تكنيكات لغوية ومسلَّح بمناهج في الترجمة لا تتأتى للمؤلف مثلاً.

الفكرة عن المترجم غالبا أنه ناقل أمين في أحسن الأحوال عن الكاتب أو المبدع الذي ترجم عنه، لن أوجه سهام اللوم إلى دور النشر والمؤسسات الثقافية بقدر ما سينصب جام غضبي على مترجمين يتعاملون مع النصوص وخصوصا الأدبية منها على أنها عبارات منسقة ينبغي نقلها بصورة «حرْفية» إلى عبارات أخرى عربية لا تقل بالضرورة في تنظيمها، يعني شكلها مرتب ليس إلا، من دون التفات لجودة العربية وبلاغتها أو توخي الأمانة في نقل مدلولات اللغة الأجنبية. المترجم هنا حبيس الجمل والعبارات يود نقلها بأي طريقة لتستحيل إلى عبارات مفهومة بالكاد، أين فهمه لثقافة النص الأصلي ورموزه؟ أين حفاظه على خصوصية الثقافة الغربية وفي الوقت نفسه إخراجه عربية رصينة جميلة.

على المترجم أن يحدد أولاً من هو! أغلب المترجمين لا يفقهون ل.م يترجمون هذا النص دوناً عن الآخر، بل إن أغلبهم يشتغل مثلما يشتغل مترجمو مكاتب الترجمة مع احترامي لمكاتب الترجمة، غير أن ترجمة النصوص الأدبية تتطلب إعمالاً للعقل أو تفضيلاً لأساليب معينة تخضع للذائقة الأدبية أو القناعة الفكرية.

فالمترجم في النهاية هو المسؤول عن نقل الشحنة العاطفية للنصوص من دون زيادة أو نقصان حتى لا يخل بما يود الكاتب طرحه، إنها مهمته ولا ينبغي أن يملي عليه أحد كيفية تعاطيه مع النص.

ينبغي مثلاً أن ينقل المترجم صورة بلاغية قد تستهلك من القارئ الإنكليزي خمس ثوان لفهمها إلى لغة عربية سوف يحتاج العربي إلى الثواني نفسها لفهمها! فمن بين تحديات المترجم أن يُعبر عن بلاغيات النص الأدبي كما هي, بصعوبتها وغرابتها وغموضها بل وشذوذها؛ لا يهذب بذيئاً ولا يشرح غامضاً. إن غمُضت كلمة على القارئ الغربي فلابد أن تغمض على القارئ العربي إعمالاً للعقل وحاسة الخيال.

غالباً ما يلاقي مترجمو النصوص الأدبية صعوبات قد تكون أحياناً مستعصية على الحل بسبب اختلاف خصوصيات اللغات القواعدية والأسلوبية فضلاً عن اختلافات البيئات الاجتماعية ومعتقداتها. كما ولا بد تعلم أن لأي ثقافة وأي لغة خصوصية قد تستعصي على بعض المترجمين لكني مؤمنة تمام الإيمان بأن التجربة الإنسانية واحدة, بمعنى أني لن أقابل مشاعر امتحنها فرد غربي على حين لم يكابدها مواطن عربي.

أما عن نصوص مجلة «البوتقة» فتقول «كل نصوص البوتقة معاصرة، تدور بعضها في أجواء يهودية، وبعضها في بيوت المهاجرين الآسيويين والأوروبيين، وهناك ما في الريف وما في الحضر، ومع ذلك لم أتعثر في جملة أخفقت العربية في التعبير عنها. الترجمة بالفعل خيانة إن اضطلع بها مترجم محدود الذكاء لكنها إكرام واحتفاء لا يضاهيه احتفاء لو تحول النص الأجنبي الدخيل عن العربية إلى نص عربي جميل رصين يوازي النص الأصلي في بلاغته وتعبيره.

تقليص الفجوة بين الحضارات

القاصة جميلة سيد علي تؤكد على أن الترجمة هي النافذة التي تطل منها ثقافتنا على العالم وهي المرآة التي تعكس رؤانا الفكرية لغير الناطقين بالعربية والذين لم يسبق لهم الاحتكاك المباشر بعوالمنا الثقافية، ومع تعالي الأصوات المنادية بتقليص الفجوة بين الحضارات تتصدر الترجمة قائمة الوسائل الفعالة لتحقيق هذا الهدف ، فهي لساننا المعبر عما يدور في عقولنا للآخرين.

التشجيع على الترجمة وحفظ حقوق المترجم وإفساح الحرية لاختيار المؤلفات التي يعنى المترجم بترجمتها عوامل مهمة إن تم توفرها فإن أعداد الكتب المترجمة سيزداد باضطراد، كما أن الدعم المادي للمترجم من قبل الدولة أو المؤسسات الثقافية المحلية والعربية إضافة إلى اهتمام المكتبات بتسويق الكتب المترجمة كل هذه العوامل أساسية للمترجم الذي يقضى وقتا طويلا – يصرفه عن أموره المعاشية – منكبا على ترجمة عمل أدبي بموضوعية وتمكن.

على سبيل المثال لماذا لا تحذو المؤسسات المجتمعية المعنية بتشجيع الثقافة داخل البلاد حذو المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب من خلال مسابقته التشجيعية بالاهتمام بترجمة أحد الأعمال الأدبية العالمية سواء في مجال القصة أو الرواية أو الشعر أو المسرح للغة العربية على أن يكون هذا العمل سنويا؟

هذا من جانب ترجمة الأعمال الأجنبية إلى العربية أما من حيث ترجمة مؤلفاتنا على المستوى المحلي فإني أدعو كتابنا إلى دعم أفكارهم ومؤلفاتهم والنظر إليها بعين المسؤولية المباشرة، أدعوهم إلى العمل على نشر خبراتهم الحضارية للعالم الأجنبي بقدر اهتمامهم بالقارئ العربي، إن القفزة التكنولوجية التي نتمتع بها إعلاميا تقرع أجراسا مدوية تنبئ بسير عالمنا المعاصر بخطى حثيثة نحو قرية كونية واحدة هي الأرض، يتعايش سكانها بحرية ومساواة بمختلف ثقافاتهم ولغاتهم وألوانهم.

العشوائية تضرب المشهد

الباحث والمترجم أسعد الفارس يرى العشوائية واضحة في الترجمة وأضرب مثالا هنا بأدب الرحلات حيث ترك الرحالة الغربيين مئات الكتب عن ترحالهم في الوطن العربي ولا يوجد فرز موضوعي للنافع منها وغير النافع، كل مترجم يختار للترجمة ما يحلو له وفقا لانطباعاته أو ميوله أو وفقا لرغبات الجهات التي يترجم لها.

يعيد الفارس التأكيد على حالة العشوائية وغياب المؤسساتية في الترجمة «ولذا أجد بعض الترجمات تتم بطريقة مضحكة وكأن النص المترجم يحتاج إلى ترجمة جديدة».

كما يؤكد غياب الترجمة عن كثير من لغات العالم. في المقابل نجد تقصيرا من الجهات الرسمية في ترجمة الأدب العربي إلى الآداب الأخرى، حيث لا ينتقي الغرب من الآداب العربية إلا كتب الأساطير والحريم والحكايات الماجنة مثل ألف ليلة وليلة وهو النص الأكثر ترجمة إلى لغات الغرب رغم أن المسعودي يصفها بأنها لون من الأدب الهابط.

ليس المهم أن نترجم لكن المهم معرفة ما الذي يجب ترجمته وما الذي يهم القارئ العربي أو الغربي من اجل ترجمته من وإلى العربية، المشكلة أننا نعاني مشكلة سواء في الترجمة أو في المترجم والحل يكمن في وجود مؤسسات متخصصة في الترجمة وفي كل الفروع الأدبية والعلمية والاهم تكوين كوادر من المترجمين في جميع اللغات.

نقلا عن “القبس الكويتبة”

 

الكلمات المفتاحية: الاساطير- الاستشراق- البيئات الاجتماعية- الترجمة- الثقافة الادبية- القارىء العربي