فن وثقافة

لماذا يتصارع أهل العلم والأدب؟

عين نيوز- رصد/

 

غلاف الكتاب

فى 1959 ألقى عالم الفيزياء، والأديب الإنجليزى «سى بى سنو» محاضرة، أثارت الجدل، وفتحت شهية المثقفين، ذكر فيها سنو أن المثقفين ينتمون إلى فئتين، إحداهما فئة أصحاب «الثقافة العلمية» ممن يشتغلون بالعلوم الطبيعية كالفيزياء والكيمياء والبيولوجيا، والفئة الثانية فئة أصحاب «الثقافة التقليدية» أو «الإنسانية» التى يعمل أفرادها فى مجال الآداب والفنون.

وكان الجدل الذى طرحه سنو يتمثل فى تأكيده أن الثقافتين منفصلتان تقريبا بلا تواصل، ولا يدرى أفراد كل فئة الكثير عن نشاط الفئة الأخرى.

الكارثة أن أفراد الثقافة العلمية، قلما يقرأون الأدب أو التاريخ مثلا، وأفراد الثقافة الأدبية لا يعرفون إلا أقل القليل عن القوانين العلمية حتى أبسطها كقوانين الكتلة أو عجلة التسارع.

مثل هذا الكلام، الذى يجب أن يطلع عليه المثقفون من الفئتين، نجده فى كتاب «الثقافتان» الذى ألفه «سى بى سنو»، وقدمه «ستيفان كولينى»، وترجمه إلى العربية وقدمه مصطفى إبراهيم فهمى، الذى أشار فى الكتاب، الصادر عن المركز القومى للترجمة، إلى الانفصال بين الثقافتين الذى من شأنه أن يضر بالمجتمع، ذلك أن الثقافتين كلتيهما من ضروريات تقدم الأمم محليا وعالميا، وأن استمرار هذا الانفصال يعوق كثيرا من تقدم المجتمع، ورفاهة الإنسان عموما.

الكتاب يفضح ما يفعله المثقفون من الجانبين. نعرف أن معظم مثقفينا التقليديين، لا يقرأون إلا فى الأدب أو التاريخ، أو كل ما يخص العلوم الإنسانية، ولا يقتربون من العلوم الطبيعية إطلاقا. وقد يتباهى البعض بأنه يعرف علم النفس أو القليل من الفيزياء.

وعن هذا يقول سنو: «لدينا مجموعتان مستقطبتان: هناك عند أحد القطبين مثقفو الأدب، وهؤلاء فيما يعرض أخذوا فى غفلة من الأنظار يشيرون لأنفسهم على أنهم «المثقفون»، وكأنه لا يوجد مثقفون غيرهم».

ولتوضيح رأيه، أشار سنو إلى استخدامنا إلى كلمة intellectual التى تعنى مفكرا عقلانيا أو مثقفا، وهى لا تنطبق مثلا على علماء الفيزياء أمثال «روذرفورد»، و«إدنجتون»، و«أدرياك».

ويذكر سنو أن غير العلماء ينحون إلى التفكير فى العلماء على أنه فيهم وقاحة وتبجحا، ويشير إلى أحاديث الناقد الإنجليزى الكبير ت.س. إليوت التى أكد فيها: «أنه لا يمكن لنا أن نأمل إلا أقل الأمل». فى حين نرى صوت عالم الفيزياء «روذرفورد» يقول: «هذا هو العصر البطولى للعلم، هذا هو العصر الإلزابيثى!».

ويكمل سنو أنه «يوجد لدى غير العلماء انطباع مغروز بعمق بأن العلماء متفائلون تفاؤلا فيه ضحالة، وغير واعين بحال الإنسان. والعلماء من الجانب الآخر يعتقدون أن مثقفى الأدب ينعدم لديهم تماما أى تبصر بالعواقب، وهم على وجه خاص لا يهتمون بإخوانهم من البشر، وهم بمعنى عميق ضد العقلانية، ويعملون بلهفة على أن يقصروا كلا من الفن والفكر على اللحظة الوجودية».

منذ شهور ناقش صالون المركز القومى للترجمة الكتاب. وخلال المناقشة، انتقد الدكتور نبيل على، خبير المعلومات، القيام بترجمة الكتاب، متسائلا: «هل هناك جدوى من ترجمة كتاب صدر منذ 50 عاما، خاصة وأنه يطرح قضية التقدم فيها سريع جدا؟».

والسؤال يبدو ملحا ومنطقيا. لكن الإجابة عنه تبين جدوى الترجمة، وهى أن المجتمعات، على الأقل العربية، لا تتطور بالشكل المطلوب، ولم تتجاوز ما قاله سنو، منذ خمسين عاما.

سامي سامح

 

الكلمات المفتاحية: اثارة الجدل- الادباء- الامل- الترجمة- التشاؤم- التفاؤل