فن وثقافة

في مديح العودة إلى الأميرات المنسيّات

عين نيوز – رصد/

في أول رواية له صدرت حديثاً بعنوان «أميرات منسيات»، يتناول المؤلف مُتيّم جمال سيرة حياة السيدتين عائشة بنت طلحة وسكينة بنت الحسين. تجري الأحداث في العصر الأموي ويتركّز معظمها في المدينة المنوّرة، ومكة والبصرة.

تنحدر عائشة بنت طلحة وسكينة بنت الحسين من عائلات سياسية عريقة في الخلافة، فالأولى حفيدة الخليفة الراشدي الأول والثانية حفيدة الخليفة الراشدي الرابع. وقد كانتا على قدر كبير من الشرف والجمال والثقافة والدين والخُلُق. فهما من أوائل النساء اللواتي أقمن صالونات أدبية، لاستقبال النبلاء والفقهاء والأدباء والشعراء والظرفاء والمغنين.

اشتهرت سكينة بنت الحسين بجمالها وقد اختلف الناس حول اسمها فقيل آمنة وأمية والصحيح آمنة، واسم سكينة لقب أطلقته عليها أمها. أبوها هو الحسين بن علي بن أبي طالب وأمّها الرباب بنت أمرئ القيس بن عدي بن أوس الكلبي، نشأت في حجر أبيها وكان مشهود لها بالفصاحة والبلاغة فكانت تقرض الشعر بألفاظ جذلة قوية معبّرة. كذلك، كانت من أحسن الناس شعراً ووُصفت بأنها أجمل نساء عصرها وأحسنهنّ خلقاً وأظرفهن.

عائشة بنت طلحة

أما عائشة بنت طلحة فهي أكثر شهرة بأخبارها التي وردت سلسلة منها في كتاب «الأغاني» للأصفهاني، وكتب عنها الباحث وضاح شرارة دراسة قيّمة في مجلة «باحثات» اللبنانية، وكنت متحمساً في وقت سابق إلى تقديم دراسة عن حياتها وأرستقراطيتها، لكني تراجعت عن الفكرة بسبب قلّة المصادر وضيق الوقت، وكلّما أعود الى قراءة أخبار عائشة تسحرني، تجعلني أقول إنها سبقت زمنها، كانت «مودرن» في القرون الوسطى. تسحرنا عائشة بجمالها الذي نتخيّله الآن، وتغوينا بأخبارها التي يمكن أن تكون رواية أحسن من كاتبها وأكثر حضوراً. عائشة التي رباها أبوها على عزة النفس والاعتزاز بأنوثتها وعلمها وأدبها كانت إحدى «سيدات» عصرها، تقرأ الشعر وتتذوقه وترويه ولها مجلس أو «ندوة» أدبية يُدعى إليها الشعراء والأدباء وسادة القوم.

أسهب كتاب السير والمؤرخون في الحديث عن افتتان الرجال بجمال عائشة وقوة شخصيتها ووضعهم الملايين والجواهر تحت قدميها كي تقبل بالزواج منهم. وعلى رغم أنها لم تنجب إلا ولداً واحداً طوال حياتها، وكان ذلك ينتقص من قدر المرأة وقيمتها في المجتمعات العربية، فكانت لا تردّ لها كلمة، بل إن أحد أزواجها أيقظها من نومها كي يهديها جواهر عدة فما كان منها إلا أن صرخت فيه بأن النوم كان أعزّ عليها من هذه الجواهر التي ألقاها في حجرها.

مترفعة وتختصر المال

كانت عائشة مترفّعة وتحتقر المال، لهذا كانت ترى في النوم سلطاناً، ومثل هذه العبارة يجب أن تكون شعاراً لهذه المرحلة، إذ باتت العلاقات الإنسانية قائمة على مبدأ ما في جيوب الناس. أين نساء اليوم من عائشة ومن ثقتها بنفسها؟ يروي الأصفهاني: «كانت عائشة بنت طلحة لا تستر وجهها من أحد، فعاتبها مصعب (ابن الزبير زوجها) فقالت: إن الله تبارك وتعالى وسمني بميسم جمال أحببت أن يراه الناس، ويعرفون فضلي عليهم، فما كنت أستره، والله ما فيَّ وصمة يقدر أن يذكرني بها أحدُ». لا يجرؤ على نقل مثل هذه الصورة الحدث إلا أديب تحرّر من قيود المجتمع بعض الشيء، ولم يعد سفور الوجه مثلبة على السافرة، فقد غضّ صاحب الطبقات الكبرى ابن سعد وغيره من المؤرخين النظر عن مثل هذه الرواية، التي تؤشر إلى تقدّم الماضي على الحاضر. وتفصح عائشة عن ثقتها بنفسها حين ردّت على نظر شخص يدعى ابن أبي الذئب وهي تطوف حول الكعبة بالقول:

مِنَ اللاء لم يحججنَّ يبغينَ حسبةً

ولكن ليقتلنَّ البريء المغفلا

 

وحسناً فعل مُتيّم جمال في اختيار عائشة وسكينة لتكونا متن رواية معاصرة في زمن يغزو العالم شبح النقاب، بل في زمن ما زال الجدل فيه حول هل تقود المرأة السيارة أم ذلك محرّم؟! لكن هل ثمة ضرورة لوضع صورة امرأة من الفن الاستشراقي على غلاف الرواية ليكتمل المشهد؟ ألم يكن الأجدى بالمؤلف تجميع أخبار الأميرتين في كتاب فربما تشكّلان مادة أجمل من الفذلكات الروائية والتخيلات. في مجمل الأحوال قام المؤلف بجهده، وهو قدّم للرواية قائلاً بأنها تعرف على حقيقة الأجواء الاجتماعية والثقافية والدينية والاقتصادية والسياسية لدى الطبقات العليا في العصر الأموي. ويعتبر أن «الصعوبة الكبرى – بالنسبة الى هذا العمل – كانت مرحلة التوثيق التاريخي. فالأخبار مبعثرة في الكثير من كتب التراث العربي والإسلامي، وهي – غالباً – ما تكون مُختصرة ومبتورة السياق. فحرصتُ طوال سنتين على البحث والتنقيب بموضوع الرواية والظروف المحيطة بها، حتى أنني لم أترك كتاباً يعتب عليّ.

جوهر حقيقي

لذا، فليعلم قارئي أن جوهر كل الشخصيات حقيقي، وأن معظم الوقائع المذكورة-على الأقل الخطوط الرئيسة – مستوحاة من أخبارٍ، سجّلها وأرّخ لها أهم وأقدم الأدباء والشعراء والمؤرِّخين والأئمّة العرب والمسلمين. أمَّا عملي؛ فهو نفض الغبار عن هذه المادة الخام، وتطويعها إبداعياً، وربطها وتوسيعها بأسلوبي، فيما أراهُ امتداداً لحقيقة الشخصيات والسياق، فاتحاً المجال لخيالي في فكّ الألغاز، وترميم الأحداث، وإضافة ما أعتقد أنه قد غاب عن بال التاريخ أن يذكره، بناءً على استقرائي للشخصيات وسيرورة الأحداث، بمعزل عن كل النظريّات المذهبية التقليدية الجاهزة التصنيع».

ميل فكاهي

لقد اختار الروائي أن يضع روايته على لسان المغني الظريف طويس، وهو أحد أوائل الموسيقيين والظرفاء لدى العرب، ما يضفي ميلاً فكاهياً على أسلوب السرد. كان طويس مشهوراً بتسلية الناس في المدينة المنورة، وعلى علاقة وطيدة بطبقة الخدم والمغنين والمغنيات الذين يعملون على تسلية النساء في مجالسهن الخاصة، فاستطاع جمع الكثير من الأخبار الخاصة عن حياتهن، ناهيك عما شاهده بنفسه من أحداث. وهذا ما يمكّنه من أن يطلع القراء المعاصرين على سيرة حياة أشهر سيدتين في العصر الأموي. فمثلاً، نراهما تتحدثان مع الناس مباشرة وجهاً لوجه، رجالاً ونساءً، في مجلسهما وفي الحي والطريق والحج، ولا يشكل ذلك أي إحراج لهما او لمجتمعهما. كذلك، رفضت عائشة بنت طلحة لبس النقاب في أكثر من موضع، وأصرت على الاهتمام بأناقتها وحسنها كي يعرف الناس فضلها عليهم بما رزقها الله من جمال. وقد تغزّل بها شعراء عصرها بأروع القصائد في أكثر من مناسبة، ولم يجد المجتمع آنذاك حرجاً في ذلك. بل إن أمير مكة الحارث المخزومي كان يؤخر إقامة الصلاة حتى تفرغ عائشة من طوافها. إذ كانت لديها بغلة شهباء، تقودها بنفسها وتتجوّل بها في مكة، فكان الشاعر عمر بن أبي ربيعة يوقفها ليسمعها شعره بقصيدته: «يا ربة البغلة الشهباء هل لكم، أن ترحمي عمرا لا ترهقي حرجا». وكذلك الأمر بالنسبة الى سكينة، إذ كانت تجالس الوجهاء ويجتمع إليها الأدباء في منزلها لتحكم بينهم، فتكرمهم بالأموال.

نقلا عن جريدة الجريدة

 

الكلمات المفتاحية: ادباء- الظريف طويس- العصر الاموي- اميرات منسيات- جمال ساحر- سكينة بنت الحسين