عربي ودولي

في حقيقتها الاخيرة تقول ليلى الطرابلسي : لم أحب يوماً جسدي

عين نيوز- رصد/ وان كانت زوجة الرئيس التونسي السابق، تعترف باستفادة أفراد عائلتها من الطرابلسية بتواطؤ من مؤسسات الدولة من خيرات تونس، إلا أنها تحدثت عن الكثير من التفاصيل في ما يخص اتهام حفيدها بسرقة يخت في فرنسا، إلى ما سمته اللعبة المزدوجة التي لعبتها بعض الوجود السياسية التونسية والدولية وعلى الخصوص الاستخبارات الفرنسية في الإطاحة بزوجها.

تفاصيل عدة تحاول من خلالها ليلى بن علي، دحض ما نشر وكتب عنها في هذا الكتاب، الذي تنشر ترجمة حلقات منه، وقد تمت صياغته انطلاقاً من مقابلات أجريت معها، لكنه في الواقع كتاب لا يمكن أن يرقى إلى مرتبة الوثيقة التاريخية التي يستأنس بها الباحث لمعرفة حقيقة ما جرى، فليلى بن علي، على عادة كل المُطاح بهم، تتحدث عن مؤامرة محبوكة في كتاب لا يملك بالتأكيد كل مفاتيح الحقيقة، لكنه يعبّر عن روايتها وعن الحقيقة كما تراها وتقول إنها عايشتها.

في الواقع أصعب ما يمكن أن يواجهه الإنسان هو الظلم والإذلال، بالإضافة إلى المعاناة النفسية وفقدان الأقارب. وأما الحزن الحقيقي، فهو أن ترى أفراد عائلتك يموتون، أو تسمع بوفاتهم ولا تستطيع المشاركة في دفنهم.

قبل أسبوع من تاريخ الرابع عشر من يناير، زرت أنا وأختي جليلة قبر والدتنا في سيدي بلحسن مثل العادة، كل جمعة، ثم نزلنا إلى المنحدر الذي يقع فيه المسجد، حيث أوقدت الشموع بعدد أفراد عائلتي، وبدأنا في قراءة الفاتحة، فجأة انطفأت أغلبية الشموع، وتملكني شعور بأنه سوء طالع.

قبل أيام من تلك الحادثة، انزعجت كثيراً بسبب حلم غريب حلمت به، لقد رأيت في منامي أنني على حافة المسبح، برفقة كل أفراد عائلتي، والعديد من الأشخاص الذين لا أعرفهم وفجأة أصبح كل شيء داكن اللون، بما في ذلك ماء المسبح، فصرخنا جميعنا وكأنه يوم الحساب الأخير.

وجهت بصري بعيداً، فرأيت شجرة ينبعث منها ضوء وردي. تمسكت بيد أختي نفيسة ومشينا على ماء المسبح الأسود إلى أن وصلنا إلى الشجرة، ثم استيقظت.

انطفاء الشموع والنور الوردي الذي لجأت إليه، كانا رمزين غريبين جداً بالنسبة لي.

بعد سيدي بلحسن، توجهنا نحو المستشفى العسكري، الذي يقع في الجهة المقابلة، لزيارة أخي عادل .وكان هناك لمتابعة علاج داء السرطان الذي أصيب به، قبل أن نمر على العيادة، التي كان من المفترض أن تجري فيها أختي نفيسة عملية جراحية بسبب السرطان أيضاً، «نعم، أنا، أيضاً، كان لي مرضاي».

نصيحة شقيقي قبل وفاته

بدا لي عادل قلقاً جداً على سرير المرض، وشعرت بأنه يود أن يقول لي شيئاً، لكنه لم يكن قادراً على الحديث. وفي لحظة من اللحظات، رفع أصبعه وأشار به إلى الباب. اعتقدت بأنه يرغب في مغادرة المستشفى، فأجبته «ليس ذلك ممكناً، يجب أن تتحسن صحتك، لتعود إلى البيت، في ما بعد».

لم يكن أخي يسمعني وواصل الإشارة أصبعه إلى الباب، وكأنه يدعوني للرحيل. فهمت في ما بعد بأنه كان يريدني أن أغادر المستشفى، فهل كان يتملكه شعور مسبق بقرب حدوث شيء ما؟ أو أنه سمع من حوله أمراً حول حدث يتم التحضير له؟

غداة رحيلنا، أي في تاريخ الخامس عشر يناير، تغيرت تماماً وجذرياً ظروف إقامة أخي في المستشفى، لقد أجبروه على مغادرة الطابق المخصص للعلاج المكثف، وتم رميه في غرفة صغيرة، فيما منعت عنه الزيارة، وأجبر على تحمل صوت التلفزيون المرتفع.

توفي أخي عادل بعد 17 يوماً، وقد علمت زوجته بالخبر في المملكة العربية السعودية، حيث كانت إلى جانبي. لقد بكينا مع بعض، وكان السؤال الذي يؤرقنا، من أي بيت سيخرج جثمانه؟

كان على ابنة أخ لي خيّرة، بمساعدة زوجها الذي أشكره، التكفل بالجثمان، وتنظيم جنازة لعادل، حيث دُفن بعد صلاة الجمعة، وسار في جنازته 1500 شخص.

بعد شهر بالضبط توفي شقيق بن علي المشلول في المستشفى نفسه، وفي الظروف نفسها، وحين طُلب من أرملته دفع تكاليف علاجه المقدرة بــ200 ألف دينار تونسي، ردت ساخطة «كيف يمكن أن أملك هذا المبلغ، في وقت أخذتم فيه كل شيء، وسرقتم وحرقتم كل شيء؟ ما عليكم سوى أن تدفنوا تكاليفكم هذه؟ وأغلقت الباب في وجوههم. تم الاتصال بها بعد ساعتين، وقيل لها إن في إمكانها تسلم جثة زوجها، فردت بالقول «لقد تركتموه يموت، لذا عليكم أنتم إرجاعه إلى بيته».

وفاة صديقة الطفولة

سميرة صديقتي الأربعينية، ماتت هي الأخرى، بسبب هذا الحقد والكراهية. لقد رفض المستشفى الذي كانت متعودة على متابعة العلاج فيه منذ صغرها، بسبب إصابتها بداء في القلب، علاجه، حين فاجأتها أزمة قلبية حادة. والأسوأ هو أن الموظف المعالج طردها، مستعملاً الكلمة الشهيرة «ارحلي». وأما الممرضات، فقد تبعنها إلى غاية الرواق، وهن يمطرنها بوابل من الشتائم.

ولدى عودتها إلى بيتها، حاولت الاتصال بطبيبها، حيث قالت له «أنا مريضة تعالجونها منذ 25 عاماً، وترفضون استقبالي رغم معاناتي من أزمة»، فاقترح عليها موعداً في الغد، لكنها انتظرت خمس ساعات في ذلك اليوم، ليخبروها بأن الطبيب غائب.

إحدى بنات سميرة طلبت لقاء وزير الدفاع الحالي، الذي يعرف جيداً الوسط الطبي، وهددت بالانتحار إذا ما استمر الطبيب المعالج في رفض متابعة حالة والدتها، لكن الوقت كان قد فات، حين قرر الطبيب استقبالهما. كانت آخر مرة اتصلتُ فيها بسميرة يوم الأحد، كانت بالكاد تتنفس، فنصحتها بالتوجه إلى باريس، حيث بمقدورها إجراء الفحوصات اللازمة، وكان من المفترض أن تغادر نهاية شهر ديسمبر الماضي، لكنها توفيت قبل ثلاثة أيام من موعد رحلتها.

كيف يمكن لطبيب أن يقصّر في أداء واجبه تجاه مريضة، فقط لأنها كانت صديقة طفولتي؟ لو كنا في دولة حقوق، لتمت متابعة هذا الطبيب بتهمة عدم مساعدة شخص في حالة خطر.

أنا أبكي اليوم صديقتي، التي كانت إلى جانبي، منذ كنا نذهب معاً إلى المدرسة، واستمرت معي إلى غاية مشاركتنا مع بعض في المواكب الرسمية لقصر قرطاج.

كانت إلى جانبي في أفراحي وأوجاعي كزوجة للرئيس، لقد تقاسمت معي الخبز في الأيام العصيبة، من دون أدنى شكوى منها، ووقفت إلى جانبي، أيضاً، على سجاد القصور الرئاسية. لم تتغير أبداً، بقيت ابنة الشعب والفرحة لا تفارق محياها أبداً، رغم المرض ورغم المشكلات.

عائلتي والصمت

هل عليّ أن أتحدث عن زوج أختي محمد، الذي يعاني من الشلل وداء السكري والضغط الدموي، فيما حياته مهددة؟ أو أخي مراد الذي خضع لثلاث عمليات في القلب، ويعاني من أزمات باستمرار، ما يجبره على النوم بواسطة جهاز أوكسجين. وأما حين يشرف على الموت وتسوء حالته، وينقل إلى المستشفى، فيبيت من دون شرشف ولا شبشب ولا مناشف، فيما يغرق أسفل جسمه في حفاضة متسخة جداً.

يلتزم باقي أفراد عائلتي، ممن لم يتم توقيفهم بالصمت الآن، خوفاً من أن يسقطوا ضحايا القمع، وأما العديد منهم، فقد طردوا من وظائفهم، فيما اضطر والدا زوج ابنتي صخر، على الرغم من تقدمهما في السن، على الرحيل. وأما أشقاؤه وشقيقاته، فقد منعوا من مغادرة التراب التونسي، وأما عمليات التخويف وانتهاك البيوت وسلبها، فلا تعد ولا تحصى.

وأما في ما يخص زوجي فنحن أمام مساس بسمعتنا، ومصادرة صريحة لممتلكاتنا. كيف يمكن أن تنتهك بيوتنا من دون أمر من وكيل الجمهورية أو قاضي التحقيق؟ إلا إذا قالوا لنا إن تونس لم تعد دولة قانون وترفض الالتزام باتفاقيات القانون الوطني والدولي؟

لست آسفة

في الواقع لست آسفة على السلطة، ولا على الخسارة الثقيلة التي منيت بها، وإنما على الحقد والكراهية والانتقام، الذي واجهه أفراد عائلتي، والشتائم التي وجهت للنساء، والظلم الذي دفع ثمنه أطفال أبرياء. لقد ارتكبتُ أخطاء من دون شك، لكنها أخطاء مشتركة. لم أزعم أبداً أنني ملاك، ولكنني لست، أيضاً، الشيطان الذي يتحدثون عنه. أنا آسفة، لأن أقاربنا وأصدقاءنا والوطنيين الذين خدموا تونس طيلة عقود، يتعرضون إلى الظلم والجور، لأن رابطة صداقة أو دم أو ولاء جمعتهم بنا.

وأما نحن، فكنا مستعدين للمثول أمام قضاء بلادنا، وسنظل مستعدين، أيضاً، إذا ما أمّنوا لنا محاكمات نزيهة وعادلة.

في المملكة العربية السعودية

انتظمت حياتي شيئاً فشيئاً في المملكة العربية السعودية، حيث أقضي معظم وقتي في الاعتناء بزوجي وأولادي. لم ينبس الصغير محمد ببنت شفة يوم رحيلنا، فاعتقدنا أنه لا يدرك ما يجري، لكننا كنا مخطئين. لقد سجّل الولد كل شيء في صمت، وغداة وصولنا، أخذ ورقة وقلماً وبدأ يرسم، ومنذ ذلك الحين لا يتوقف عن الرسم.

لقد تهربت من الإجابة، حين سألني خلال الأيام الأولى لرحيلنا، عن الأسباب التي دفعتنا لمغادرة بيتنا ولم رحل والده، لم أكن أود أن أصدمه، على الرغم من أن رسوماته كانت تتضمن نيران ملتهبة وشرطة سيئين ونوافذ مسيّجة ومساجين يفرون وجنوداً منشقين. إنه يتساءل بين الفترة والأخرى «متى سنعود إلى تونس؟»، أنا أموت رغبة في رؤية أصدقائي وقططي؟ فنجيب أنا ووالده، بأن ذلك سيحصل قريبا، كما ينزوي في غرفته ليكتب رسائل لأصدقائه ويطلب منها إرسالها عبر البريد.

إنه لا يعرف بأنها لن تصل أبدا إلى وجهتها، لكننا نتظاهر بإرسالها عبر البريد، بينما نقوم في الواقع بإخفائها.. علينا أن نسجله في مدرسة وطالبنا عدة مرات بدفاتره الصحية والدراسية، لكن دون جدوى.

معاناة حليمة

وأما ابنتي حليمة فتعاني العزلة، بعيدا عن وسطها، وعن أصدقائها وخاصة عن خطيبها الذي تحبه وما انفكّ يتعرض للمضايقات منذ عودته إلى تونس.

لا أعرف كيف سيكون مستقبلها، ولا أتجرأ على التحدث إليها في الموضوع، لأني لا أملك المفتاح.

ورغم ذلك، تظهر لنا رزانتها، وتحاول هي وشقيقتها التي لا تقيم معنا، دعمنا والوقوف إلى جانبنا خلال لحظات الظلم التي أبكتني كثيرا.

هذه هي يومياتي

نادرا ما اخرج، ولا أصاحب أحدا وأعيش على إيقاع الاذان، ورغم هذا، أعرف بأني ما زلت الهدف المفضل للاشاعات، التي تغذي يوميا صفحات الأخبار. لقد قالوا اني أشرف على الانفصال عن زوجي، وأني أعاني من الاكتئاب، وحاولت الانتحار، وهناك من يقولون العكس ويرددون بأني أقضي غالبية وقتي في الاحتفال والتسوق في دبي.. لا يمر يوم إلا ويفبركون لي جريمة إضافية.

يمكن أن أؤكد لأصدقائي كما أعدائي، ان لا شيء من هذا حقيقي، وفي المقابل، يمكن أن أقول كم أنا محظوظة لأني أنا وزوجي وأطفالي في ضيافة دولة تسمى المملكة العربية السعودية، هذه الدولة التي أنقذتنا مما هو أسوأ. نحن نعترف بجميلها وجميل قادتها وأتمنى لهم الأفضل.

ما يعزيني اليوم كثيرا، هو أني في بلد الله وأي مسلم مؤمن، لا يحلم إلا بأن يلقى نحبه على الأرض التي ولد عليها الرسول صلى الله عليه وسلم.

أتمنى أن اقضي «فترة تقاعدي» هنا، وان أعثر على الإيمان والأمن، ولا يهمني اليوم إن كان عليّ أن أغطي وجهي، بل على العكس من ذلك، هذا الأمر لا يزعجني تماما.

سيفاجأ الجميع إذا ما عرفوا باني لم أكن يوما نرجسية، وان جسمي لم يكن في الحقيقة يعجبني، لقد كنت اعتني بنفسي وأضع المكياج، لكني لم أحب يوما، صورتي ولا صوتي.

وأعتقد اليوم بأن هذه الوجهة، هي مؤشر على المغفرة ودليل على أني لست سيئة بالقدر الذي يؤكدونه. لقد انعم الله علينا بالنجاة من الموت او السجن الذي كان سيكون مصيرنا في ذلك الرابع عشر من يناير.

بالطبع شككت في نفسي. بالطبع التفتُّ إلى الوراء، وبكيت الانتهاكات التي ارتكبتها وارتكبها غيري، لكن شيئا فشيئا، خفف عني التأمل والإيمان والصلاة كل تلك الضغوطات والآلام. اليوم وحين أكون وحيدة، أصلي وأشكر الله لأنه أرسلني بالقرب من رسوله، وأنظر إلى السماء كل صباح، ليستنير قلبي، بحب الواحد الأحد، وأفهم العالم السفلي مقارنة بالعالم الآخر.

في بعض الأيام، أفضل البقاء في غرفتي وأمتنع عن الكلام، لأقرأ السور القرآنية والآيات، واكتشف سلوكيات الرسول عليه الصلاة السلام والأحداث التي عايشها وأتعرف على الأمثال الإسلامية التي تساعدني في مثل وضعيتي.

بهذا الشكل ولد الأمل لدي من جديد واكتشف بأن المحنة التي لم تقتلني، عززت قوتي وصلابتي وعليّ أن اشكر الله إلى غاية آخر يوم في حياتي.

وأما بالنسبة للباقي، فأتمنى الخير لبلادي، وإن كان الوضع لا يبشر بالخير. كنت سأعترف بثورة حقيقية، لو أن أنصار الرابع عشر يناير، كانت لهم الشجاعة للقول أمام العالم بأسره بأن الأمر يتعلق بانقلاب،

كنت سأتقبل إبعاد زوجي عن الحكم، لو أن نساء تونس ورجالها اللامعين هم من سيقودونها إلى الأمام، أولئك الذين لم يتخلوا عنها، والذين شيدوها صخرة صخرة منذ نصف قرن، أولئك الذين بنوها بأفكارهم، وعرق جبينهم، أولئك الذين سينقذون الشباب الأكفاء، وأما وقودهم لضمان مستقبل امن للبلاد فهو العصرنة والانفتاح على العالم

الكلمات المفتاحية: في حقيقتها الاخيرة تقول ليلى الطرابلسي : لم أحب يوماً جسدي