آراء ومقالات

فيروس يقتل قيمنا الإنسانية

نكاد لا نعرف المدن والعواصم التي خبرناها لزمن طويل. تغيرت ملامح الحياة فيها تماما. مئات ملايين البشر الذين اعتادوا الحرية والتنقل باتوا أسرى بيوتهم الصغيرة. حتى على مستوى البناية السكنية الواحدة لا تواصل ولا زيارات بين الجيران. العمل عن بعد والتعليم والتسوق، ومشاعر الحب والمودة عن بعد أيضا.

اختبرنا هذا المستوى من العلاقات في زمن الإنترنت والتواصل الاجتماعي، لكننا اليوم نواجه معضلة أخلاقية مريرة، إننا نخاف من بعضنا البعض، نتجنب اللقاءات والمصافحات، ونحرص على مسافة فاصلة بيننا وبين البشر الآخرين.

في المصاعد نتمنى ألا يشاركنا أحد رحلة الصعود أو الهبوط، وفي وسائل النقل العام، نخشى الحافلات المكتظة، ولا نفضل الجلوس بقرب أحد أو إدارة حديث قصير معه. الرذاذ عدونا وليس لنا سوى لغة العيون لسرد قصصنا والتعبير عن خوفنا.

لم يعد بوسعنا مشاركة الأحبة أفراحهم وأحزانهم. لن نتمكن من احتضان قريب أو صديق فقد عزيزا، ولن نبكي على أكتاف بعضنا لنخفف شدة الحزن والفراق. ولن يرقص الأهل والأصدقاء فرحا بزفاف ابنهم أو ابنتهم أو صديقهم.

أطلق”كورونا” موجة تضامن وتعاطف كبيرة بيننا، لكننا غير قادرين على التعبير عنها بالتواصل والمشاعر.

الوضع الكارثي هذا أشد وطأة على كبار السن، نخاف منهم ونخاف عليهم. الفيروس اللعين وضعنا في اختبار أخلاقي عسير، باستهدافه الكبار أكثر من غيرهم، حتى أننا تطبعنا مع فكرة فقدانهم. وفي سلوك مهين تركز وسائل الإعلام وأصحاب الخبرة على القول إن الفيروس يمثل خطرا على كبار السن، في مسعى للتخفيف من هلع الناس وقلقهم على صحتهم. ينبغي أن نتوقف عن قول ذلك، وكأن كبارنا عبء فائض عن الحاجة نضحي بهم إذا ما اقتضت الضرورة.

في المجتمعات التي ضربها الفيروس مبكرا، نشهد انكسارا لثقافة التمرد السياسي والاجتماعي. الناس أصبحوا اكثر امتثالا لتعليمات الحكومات والسلطات. البشرية استعادت عقلية القطيع حتى في دول ديمقراطية عريقة كبريطانيا.

فرض حالة الطوارئ لم يعد محل جدل، بل مطلبا للناس. وفي عديد الدول الغربية لا يمانع الناس من قرار السلطات فرض منع التجول الذي كان يعد لوقت قريب خيارا مرفوضا بالمطلق، وتضييقا على الحريات تسقط بسببه الحكومات.

وسائل إعلام غربية كانت قد انتقدت بشدة الطريقة الصينية في التعامل مع المناطق الموبوءة، وفرض الحجر بالقوة على المواطنين في منازلهم، لكن ما ان انتقل الفيروس للدول الغربية، حتى أصبح الحجر والعزل الجماعي سياسة مقبولة لا بل مطلوبة.

لا يملك أحد في العالم تصورا لمآلات الوضع الراهن ومصير الفيروس المستشري في كل مكان، لكن نمط حياتنا الجديد مرشح للاستمرار على نفس الوتيرة القاتلة لمرحلة مفتوحة، ربما أشهر أو أكثر بكثير.

الدول ستمضي في عزلتها، سماؤها وحدودها مغلقة. المدن والأحياء مغلقة على ساكنيها، والتنقل في حدود ضيقة فقط لتأمين الحد الأدنى من متطلبات العيش. والخروج للتزود بالمؤن والأدوية والمعقمات ليس إلا. لا مطاعم ولا مقاهي وأراجيل، وأطول سفرة يمكن للشخص أن يقوم بها من الصالة لغرفة النوم.

أخطر ما في فيروس كورونا لا يتمثل بتهديد حياة الناس، بل في تحطيمه للحياة الاجتماعية للبشر. إنه يضرب قيمنا الإنسانية قبل أن يصيب أجسادنا.

الكلمات المفتاحية: مقالات