جريدة الحدث دور البرلمان يتلاشى... والمعلوماتية تنتصر على "الحجب" وتؤجج الحركات الشعبية

عصر الجماهير الغفيرة: هل ماتت الأحزاب وانتهت الديمقراطية التي نعرفها؟

عين نيوز (الحدث) – نجاد البرعي

في ٦نيسان ابريل ٢٠١٦ اسس وزير فرنسي شاب ولد في ديسمبر١٩٧٧ انضم الى الحزب الاشتراكي عام ٢٠٠٦؛ وشغل في الفتره من ٢٠١٢ الى ٢٠١٦ منصب نائب الامين العام للرئاسه الفرنسيه ثم وزيرا للاقتصاد، حركه سياسيه جديده باسم “الى الامام” اعتمد في بنائها على شبكات التواصل الاجتماعي. وباعتبارها “حركه” وليست “حزبا” فإنها كانت تقبل اعضاء من الاحزاب الاخرى دون ان تلزمهم بترك احزابهم!! لم يُلزم “ماكرون” اعضاء الحركه بإشتراك مالي محدد؛ كما انه لم يقم ببناء ايه هياكل تنظيميه داخليه؛ ولم يكن للحركه ايه برامج سياسيه مفصلة وربما حتى لوائح داخلية. ولكن بعد عام واحد اي في أيار (مايو)٢٠١٧ استطاعت تلك الحركة الجماهيريه ان تفرض “ماكرون” رئيسا لفرنسا.

في مايو ٢٠١٨ اي بعد عام واحد من فوز “ماكرون” بالرئاسه تأسست بشكل عفوي حركة جماهيريه اخرى ضد سياساته الاقتصاديه حملت اسم “حركه السترات الصفراء” وقد بدأت تلك الحركه نشاطها بالمطالبه باصلاحات ضريبية وتخفيض الضرائب علي الوقود والتنديد بانخفاض مستوى معيشه للطبقات المتوسطه والاقل حظا في فرنسا؛ ثم اشتد ساعدها في تشرين الثاني (نوفمبر) من العام نفسه حيث استطاعت ان تحشد ٣٠٠ الف شخص في شوارع فرنسا لدعم مطالبها وانتقلت مظاهراتها الي دول أخرى في الاتحاد الاوروبي كبلجيكا وايطاليا. كانت السترات السفراء ايضا من خارج كل الاطر التنظيميه المعروفه وقد استطاعت كسب معركتها مع “ماكرون” بسهوله “حيث قرر الغاء الضرائب التي فرضها على الوقود ورفع الحد الادنى للاجر بالاضافه الى عدد من الاصلاحات الاقتصاديه الاخرى.

قبل فرنسا شهدت الولايات المتحده الامريكية الظاهرة نفسها وان بدرجه اقل وبشكل مختلف. لم يكن دونالد ترامب جمهوريا في بداياته ولكنه قام بكل ما يمكن من اجل الوصول الى الحكم مستخدما بشكل كبير خطابا “شعوبيا” يقفز من خلاله فوق الاحزاب ليؤسس “جماهيره”.

في عام ٢٠٠٠ اراد ان يدخل الانتخابات من خلال حزب امريكي صغير اسمه “حزب الاصلاح” ولم يحالفه الحظ؛ فعاد في ٢٠١٢ لينضم الى الحزب الجمهوري في محاوله للوصول الى الرئاسه مستندا الى امواله الضخمه وخطابه الشعبوي اكثر من استناده الى دعم وتأييد قيادات الحزب الجمهوري له. وفي الحقيقه فإن ترامب رغم فوزه بترشيح الحزب الجمهوري بأصوات بلغت اكثر من اربع عشر مليون صوت الا انه ظل في نظر كثير من قاده الجمهوريين شخص جاء من خارج الحزب ويتحدث بغير لغه الحزب ووصل الى السلطه عبر “امواله” وخطاب “شعبوي” يتناقض مع التقاليد الامريكية.

في تونس ومصر اجبرت حركات شعبيه من خارج الاطر الحزبية المعروفة رئيسا البلدين على التخلي عن السلطه فيما عرف وقتها بالربيع العربي. وفي الاردن استطاعت حركات جماهيرية عفويه دون زعامه واضحه اجبار حكومة “هاني الملقي” على الاستقالة؛ كما دفعت احتجاجات مماثله رئيس الوزراء ذي الشعبية الواسعة “عمر الرزاز” إلى سحب مشروع قانون الضريبة وسحب مشروع قانون “الجرائم الإليكترونية” من البرلمان.

ما الذي يمكن ان نخرج منه من هذا الإستعراض السريع لمآلات الامور في دول ذات تركيبات اجتماعيه وسياسية مختلفة.

النتيجه الاولى ان فكره الديمقراطيه بالشكل الذي نعرفها به قد انتهت او هي في طريقها الى ذلك. تفترض تلك الديمقراطية ان الجماهير تنظم نفسها في احزاب سياسية لكل منها برنامج يسعى الى تطبيقه عند الوصول الى السلطه؛ كما تفترض انه لا يمكن محاسبة من تسلم السلطة الا بعد فترة زمنية محددة وفي انتخابات جديدة؛ كما تفترض ان البرلمان المنتخب هو عين المواطن وصوته. من الواضح ان الامر لم يعد كذلك. في فرنسا مثلا خرجت الجماهير لتحمل الرئيس الشاب الى السلطه من خارج كل الاحزاب الموجوده وعلى الرغم منها؛ ثم بعد عام واحد خرجت تعبر مباشرة عن استيائها من سياساته وتصفه بانه “رئيس الاغنياء”.

لم يهتم الناخبون بالبرلمان وحتى لم يتوجهوا اليه في شكاياتهم؛ كما لم يهتم احد بموقف الاحزاب السياسيه او حتى ينتظر دعمها او يأمل فيه. خرج الناس مباشرة يواجهون الحكومة ويصرخون لتسمع صوتهم دون وسيط. في الولايات المتحده الامريكيه فاز الرئيس ترامب بالسلطه على الرغم من ان قاده كبار في الحزب الجمهوري اعلنوا علنا عدم دعمهم له بل وهاجموه؛ ورغم ذلك حملته الجماهير مباشره الى البيت الابيض دون ان تهتم بهويته الحزبية.

وعلي الرغم من ان الحياه الحزبية في مصر وتونس كانت ضعيفة الا انه حتى بعد بدء الحراك الجماهيري “عفويا” في الدولتين لم تنجح الاحزاب في قياده الجماهير ولم تهتم الجماهير باراء الاحزاب السياسية.

في الاردن لم تكن الاحزاب السياسيه ولا حتى التجمعات القبلية حاضرة في احتجاجات الأردنيين ضد حكومة الملقي؛ ولم يكن هناك اهتمام كبير برأي البرلمان في مطالب الجماهير ولا حتى انتظار دعمه.

النتيجه الثانيه ان التكنولوجيا المتطورة بسرعة؛ سهلت عمليات الحشد والتعبئة ونقل الاخبار والتعليقات والصور بضغطه زر. اصبح المواطن شريكا في صناعه الحدث ونقله؛ واصبح في امكان المواطن في كل مكان ان يعرف بالحدث في لحظه وقوعه عن طريق الصورة؛ واصبح يمكن لاي شخص ان يروج لفكرته بين ملايين لم يكن اي حزب يحلم بالوصول اليهم.

ثوره الانترنت ومواقع التواصل الإجتماعي انتجت لنا “مواطن عالمي” لا يهتم كثيرا باحاديث الخصوصيه؛ ويرى كيف يتعامل المواطنين في دول اخرى مع حكومتهم وحكامهم فيزذاذ رغبة في اتباع خطواتهم.

“حركه السترات الصفراء” لم تؤثر فقط في مواطني دول الاتحاد الاوروبي؛ ولكنها اثرت في دول شمال افريقيا حيث نشأت في تونس “حركه السترات الحمراء”. وفي مصر قبضت السلطات على محام مصري معروف (محمد رمضان) لانه ارتدي ستره صفراء ووضع صورة له وهو يرتديها على حسابه علي موقع التواصل الاجتماعي “فيس بوك”!!.

كيف ستتعامل النخب السياسيه اليوم مع تلك المتغيرات السريعة؟.

من الواضح ان فكره الاحزاب كفكرة قد ماتت او هي في طريقها الى ذلك كما انه من الواضح ان هيكلية الدولة التي تعتمد على البرلمان كمؤسسة تشريعية ورقابية يختار الناس اعضائها ليقوموا بدورهم في الرقابه والتشريع باسم الناس هي ايضا تذبل وتموت. من الواضح ايضا ان فكرة احتكار الدوله للمعلومات باعتبار ان “المعلومة قوة” هو امر ايضا في طريقه للزوال؛ فالمعلومات المتاحة وباللغات المختلفة وفي جميع الميادين عن كل البلاد على شبكه المعلومات الدوليه اكبر من حاجة المستخدمين وطاقتهم على الاستيعاب. كما انه من الواضح ان قدرة الحكومات على التحكم في الانترنت لن تنجح حتى في ظل الموارد الضخمة التي تنفقها على استيراد برامج حجب المواقع فالسباق ينتهي دائما لصالح الاتاحة المعلوماتية. الحل يكمن في عقد اجتماعي جديد بين الدوله ومواطنيها؛ وفي ابتداع طرق جديدة للإستماع الى اصوات المواطنين وضمان مشاركتهم الشخصيه كافراد ومجموعات في اتخاذ القرارات المناسبة واتاحة الملعومات لهم ليستطيعوا المشاركه وهم يعلمون بالضبط حدود الممكن والمستحيل. في عام ٢٠٠٣ صدر لعالم الاجتماع المصري المعروف جلال امين كتاب بعنوان “عصر الجماهير الغفيره” في كتابه هذا تناول الراحل الكبير الاثار المترتبة على زيادة تمتع الجماهير بمنتجات الحضارة الحديثة نتيجة ثورة الاتصالات. واقتبس عنه قوله “بدأت فكرة مجتمع «النصف بالمائة» تتلاشى تدريجياً. فكثيراً ما وصف الرئيس الراحل جمال عبدالناصر المجتمع المصري قبل تموز (يوليو) 1952 بأنه مجتمع «النصف بالمائة»، وكان يقصد بهذا أنه في الأمور السياسية والاقتصادية والحياة الاجتماعية كانت نسبة المصريين الذين يتخذون القرارات ويتمتعون بمزاياها، لا تزيد على هذه النسبة، بينما كان البقية مهمشين ومحرومين. كان ذلك صحيحاً بالفعل، ولكن الوضع تغير شيئاً فشيئاً، فالآن ازدادت نسبة الجماهير الغفيرة، صار عاملاً مهماً فيما يُتخذ من قرارات وما يُطبق من سياسات، تمكنت من أن تطبع الحياة الاجتماعية بطابع مختلف عما كان سائداً من قبل” . ربما لو عاش جلال امين لشرح لنا مستقبل الديمقراطية القائمة على الاحزاب السياسية والتمثيل النيابي في عصر الجماهير الغفيرة؛ ولكنه رحل فبات علينا ان نقوم بتلك المهمه وحدنا فهل نستطيع؟