فن وثقافة

صورة المراة في المثل الشعبي : ابعاد ثقافية واقتصادية واجتماعية

عين نيوز – ريم اللحام

تمثل المرأة في المجتمعات الشرقية ظاهرة تستحق الخوض فيها بجميع تشابكاتها وقضاياها المتعددة فنجد الدراسات تتناول قضايا المرأة محاولة أن ترسخ صورتها المعكوسة في مرآة المجتمع الشرقي الذي يعلي من شأنها حيناً ويهمشها في أغلب الأحيان ، فهل ينصف المثل الشعبي المرأة؟؟ وهل يطابق المثل حقيقة المرأة العربية؟؟ وما العلاقة بين صورة المرأة التراثية السلبية وصانعي الثقافة؟
المثل الشعبي هو نتاج لغوي متراكم لفكر الجد الأول أو ما يسمى بالفكر الجمعي..هذا الفكر الذي يذيب أفراد المجتمع الواحد بشخصية واحدة في عدة ملامح ووجوه ، هكذا يبدو لي من خلال التأمل في الجملة اللغوية المختصرة الصامدة وكأنها تمثال جدنا الأول، فالمثل”عبارة” تتكون من عدة كلمات قد تعطينا معنىً واحداً أو أكثر  والمقصود في ذلك هو ان المثل الشعبي نتاج لفكر لغوي أخلاقي يأتي بصورة موجزة وفضفاضة يناسب أكثر من مقام وأكثر من مقال وقد يكون الموقف المعبر عنه ايجابياً أو سلبياً مناسب لطبيعة المثل الواحد يقول المثل (إلي استحوا ماتوا) ونردده اذا أردنا ان نعبر عن شخص خجول مثلاً كما نستطيع في نفس الوقت ان نعبر به عن الشخص فاقد القيم والاخلاق الذي تجاوز مرحلة الخجل في تصرفاته وسلوكياته، أضف الى ذلك مدى تعبير المثل الشعبي عن تجارب الإنسان اليومية المتكررة التي قد تختلف من شخص الى آخر ولكننا نجد سحر المثل في مقدرته التعبيرية عن جميع تجارب افراد المجتمع الواحد وان اختلفت طبيعة تجاربهم ويعود السبب في ذلك الى خدعة لغتنا بكثرة مرادفاتها واستيحاءها لصور مجازية وتشبيهية من شأنها ان تمنح المثل هذا السحر الدائم في تعبيره عن تجارب مختلفة وعلى مدى العصور وبالتالي يحق لي ان امنح المثل صفتي التكلرار والفضفضة.
للمثل لغة خطيرة لا تكتب الا بالاحمر فهو تكريس لحضارة تحمل تجارب انسانية عميقة ضمن اطار التغيرات في الظروف الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والثقافية ، وفي هذا الصدد لا يسعني الا ان اركز على الجانب الثقافي الذي يكرسه المثل الشعبي  بوصفه ذكوريا في أغلب الاحيان ، وعندما نريد ان نتحدث عن صورة المرأة العربية فإننا ننظر اليها في مرآة المجتمع الشرقي بكل تفصيلاته وصوره التاريخية المتشابكة بين هبوط وارتفاع مكانة المرأة على درجات مختلفة منذ العصر الاسلامي الذي ثبت اللغة من خلال القرآن الكريم رجوعاً للعصر الجاهلي وحتى عصرنا الحالي ،ولو أتيح لنا ان نقلب الصور المنعكسة عن المرأة لوجدنا انها صور متعددة يبرز فيها التناقض والازدواجية واللامنطق فمرة نلمح صورة ايجابية ضامرة ضبابية وفي أغلب الأحيان تتضح لنا تلك الصورة البغيضة المتعارف عليها والتي تحط من شأن المرأة وتنظر اليها نظرة دونية، فنقف حائرين ازاء التناقض الذي يعلي من مكانة الرجل ويحط من شأن “المرأة الانسان” ولسنا بصدد اقامة مقارنة بين الرجل والمرأة في هذا المقال  ولكن لنتحدث عن الصورة الحساسة التي تصر الثقافة الذكورية على رسمها وترسيخها لأجيال وأجيال من خلال ريشة المحترف في رسم صورة المرأة التابعة نظراً لغريزة أزلية في اثبات السلطة المزعومة وتمثيل دور الراعي المتبوع .
وقد أوردت في مقالتي بعضاً مما لدينا في تراثنا الشعبي من صور نسوية معكوسة على سطح المثل القصير العميق الى الابد
.
أولاً- الصورة الاجتماعية:
يقول المثل..(الي بتموت وليته من صفاية نيته) وهي صورة سلبية تمثل المرأة العار التي لا تستحق الحياة ، (لما قالوا لي غلام انشد ظهري وقام ولما قالوا لي بنية وقعت الحيطة علي) وتمثل استياء الرجل من انجاب مولودة انثى وفرحته وافتخاره بإنجاب صبي ويصر هذا المثل على الهبوط الاجتماعي بقيمة المرأة والتفريق بين الجنسين بطريقة تظهر تدن في المستوى الثقافي ، (ما بشاور المرة الا المرة) صورة أخرى تمثل المرأة ناقصة العقل التي لا يمكن ان يؤخذ برأيها بعين الاعتبار هذا من ناحية ومن ناحية اخرى يشبه المثل الرجل الذي يشاور المرأة بامرأة اي بما هو ادنى منه في مستوى التفكير والانسانية ويقال هذا المثل لشتم الرجل الذي يأخذ برأي امرأه
الصورة الاقتصادية:
ولما كان الاقتصاد شغل الافراد الشاغل فهم يبذلون قصارى جهدهم للحصول على عيش كريم يوفر لهم مستلزمات الحياة لذا انعكست الصورة على المرأة بشكل ايجابي هذه المرة فهي المدبرة الاقتصادية (صاحبة العقل المدبر) التي تستطيع ان توفر الرعاية الكافية لأبنائها وتعد الطعام والخبز بأقل كلفة ممكنة ، الامر الذي يزيل عن كاهل الرجل جزءاً من المسؤولية وبالتالي تحرير المرأة من التبعية الاقتصادية للرجل  يقول المثل: (من شغلت العشرة عاشت مخنصرة) كما اشاد المثل الشعبي بالمرأة النشيطة في بيتها (خيط المعدلة ذراع وخيط المايلة باع) (البيت معمور وصاحبته في الدار) كما اشارت الامثال الى المرأة التي تعتمد على نفسها ولا تعتمد على غيرها(الشاطرة بتقضي حاجتها والهاملة بتنده جارتها) كما حمل المثل الشعبي المرأة مسؤولية الفقر والغنى (المرأة عمارة) (غناه من مرته وفقره من مرته)
وهذا يعني القاء المسؤولية على كاهل المرأة  في التوفير والتدبير حتى يصبح زوجها غنياً وهي مهمة صعبة تحتاج الى الكثير من القوة والثبات والحكمة ويرى الرجل ان هذه الامور مطلوبة من المرأة كواجب زوجي وعائلي يتوافق مع مصالحه الشخصية لذلك نجده يعلي من شأنها ويثق بها ويطالبها بمهمة تحتاج الى ثقة عالية جداً واذا اخفقت المرأة في انجاز هذه المهمة يلقي اللوم عليها ويحملها مسؤولية فقره ؟؟ فلا عجب اذن من هذه الصورة المتناقضة التي اعتادت عليها المرأة في تفاصيل حياتها الصغيرة.
الصورة الثقافية:
هناك صور ثقافية راسخة في ذهن المجتمع وهي صورة المرأة الهادئة المتصفة بسكون حركاتها وطاعتها المطلقة للجنس الذكري سواء كان اباً او اخاً او زوجاً وبمجرد خروج المرأة عن هذا النمط التقليدي يحق للرجل ان يقدم على ما يحلو له ويقول المثل( اذا بين نابها الحقها وما تهابها)
كما حذرت ثقافة المجتمع من المرأة التي لا يوجد من هو مسؤول عنها او بالاحرى المرأة المسؤولة عن نفسها وتوصف بأنها لا تحسب للعواقب حساباً (دايرة على حل شعرها) وقد تأخذ معنىً بعيدا في عدم وجود الرجل الذي يسترها كما يقال(شندها على بندها)
ويقدر المثل الشعبي جمال المرأة وضرورة اتخاذ الزينة والتركيز على صفتي البياض والطول كصفتين اساسيتين للجمال والانوثة(يا ماخد البيضة يا مقضي العمر فرحان) ويطلب المثل من المرأة ان تحافظ على جمالها (ان كنت زينة خبي زينتك) ويدلها على مواطن الزينة(البنت بدون حلق مثل الدالية بدون ورق) واذا كانت المرأة قليلة الجمال فإن المثل ينصحها ان تتصف بصفات تجعلها مرغوبة وجميلة(ان كنت وحشة كوني نغشة) وذلك لتنال اعجاب الاخرين باللطف وخفة الظل..
واخيراً نقول بأن للمرأة في المثل الشعبي صوراً تراثية واضحة المعالم شاملة لجميع نواحي الحياة الاساسية وهي صورة ذات اهمية كبيرة تعكس الكثير عن المرأة وترسخ  صورتها في معجم ثقافة المجتمع بغض النظر عن سلبيتها او ايجابيتها ..فالمثل تثبيت لحكاية ابدية ما دامه يستخدم  ويثبت تكرار الحكاية ويجبر الشخص لا شعورياً ان يستخدمه ويعيده فيعيده من يأتي بعده ..فهو اذن موروث ثقافي للمجتمع الذي اعتاد ان يغني في السرب الواحد فهو صالح لكل زمان ومكان والسر هو تشابه التجارب من الجد الى الاب الى الابن وعلى هذا المنوال المتكرر.