آراء ومقالات

“صوت العشيرة” في المخاض الحالي

 

د. محمد أبو رمان

يزدحم المشهد السياسي والإعلامي في الفترة الأخيرة بكم كبير من البيانات والاجتماعات والإعلانات ذات الطابع السياسي منسوبة لعشائر معروفة وكبيرة، في ظاهرة ليست مألوفة منذ سنوات طويلة. النشاط السياسي العشائري، إن جاز التعبير، ظهر بوضوح مع الحراك السياسي الجديد المطالب بالإصلاح، والحراك شبه الرسمي المضاد له!

 

البداية، جاءت عبر المؤسسات الرسمية التي حاولت استخدام “سلاح العشيرة” عبر أدواتها التقليدية المعروفة، للرد على المسيرات والدعوات الإصلاحية. إلاّ أنّ المعادلة قلبت تماماً عبر بروز أصوات ودعوات من رحم العشائر نفسها تطالب بالإصلاح، وترفع سقف مطالبها حتى عن الدعوات الإصلاحية التقليدية.

النشاط العشائري تجاوز لغة البيانات وإعلان المواقف المختلفة، إلى عقد تحالفات واجتماعات، وفي أحيان الدعوة إلى اعتصامات، واتخاذ خطوات على أرض الواقع، من خلال ما يسمى بـ”المجلس السياسي” للعشيرة الفلانية.

في المحصلة، ثمة ارتباك كبير وتداخل بين الفاعلين السياسيين والبنى الاجتماعية التقليدية المعروفة، وعدم تعريف دقيق واضح لطبيعة هذا البروز الجديد للعشيرة واتجاهاته، عند أي نقطة يبدأ وينتهي، وطبيعة تعايشه مع الأطر السياسية المنظمة الحديثة من أحزاب ومنظمات مجتمع مدني ونقابات، وفوق هذا وذاك خطوط الاتصال والانفصال بين العشيرة والدولة.

ما يزيد الغموض في المشهد هو أنّ العشائر الأردنية، عموماً، ليست بنى سياسية صلبة وموحّدة، ولا تشبه بطبيعتها عشائر في دول أخرى، ما تزال تتماسك بطبيعتها الاجتماعية والاقتصادية والثقافية، وحتى بزعاماتها التقليدية التاريخية. فكثير من أفراد العشائر الأردنية اندمجوا في مؤسسات الدولة أو المؤسسات المدنية، أو في وظائف اقتصادية خاصة متباينة، وتباينت مصالحهم السياسية والاقتصادية والاجتماعية.

هذا لا ينفي وجود “ظلال واسعة” للعشائرية في المجتمع الأردني، وتحديداً في “صون رأس المال الاجتماعي”، لكن الأبعاد العشائرية في الحياة السياسية حالياً تمتاز بالضبابية. فهنالك بيانات ومواقف متضاربة مع الإصلاح (وضده)، ويتم الحديث باسم “العشيرة” في كثير من الأحيان بصورة انتقائية، عبر اتجاهات سياسية لأفراد هنا وهناك، مع عدم وجود، على الأغلب، نسق واضح محدد لمن يمثل “الشرعية” الحقيقية لهذا التمثيل.

الدلالة الرئيسة التي يشي بها هذا المخاض أنّ المؤسسات الرسمية لم تعد قادرة على استخدام “الأصوات التقليدية” الموالية في العشائر لاحتكار التمثيل أمام الرأي العام. فلدينا اليوم أصوات وألوان وتوجهات جديدة من أبناء العشائر الأردنية لهم آراء ومواقف مختلفة، بل ويعكسون، بصورة استثنائية، شعوراً بالضيق والتذمر والتململ من الأوضاع الاقتصادية والسياسية الراهنة، ويعبرون عن أنفسهم فيما نشهده من حراك كبير في الشارع الأردني.

ولادة الظاهرة الجديدة الحالية هي نتاج أزمة سياسية واضحة، يتراجع فيها منسوب الثقة بالدولة والقوى السياسية التقليدية على السواء، ويحاول أبناء العشائر، الذين طالما غاب صوتهم السياسي المستقل خلال العقود الماضية، التعبير عن أنفسهم ومطالبهم وهواجسهم ومصالحهم.

السؤال الأهم الذي ينبع من رحم هذا الحراك، يكمن في مدى القدرة على العبور بهذا الحضور الجديد من مرحلة الأزمة إلى التأطير السياسي والمدني القائم على رؤى سياسية جديدة مرتبطة بقوة في الواقع الموضوعي، وتتبلور من خلال عمل حزبي وسياسي وتنموي، وهو ما يفرز الجميع على قواعد سياسية، لا اجتماعية.

مساهمة العشائر في الحراك الجديد يمكن أن تتقوقع في مربع الأزمة وضعف الدولة وتراجع الشعور بأهمية الروابط المدنية والقانونية المؤسسة على قاعدة المواطنة؛ ويمكن، وهو المؤمل، أن تكون على قاعدة تعزيز روافع الإصلاح السياسي.

الكلمات المفتاحية: "صوت العشيرة" في المخاض الحالي- الاردجن- الاصلاح- الحراك السياسي- الطابع السياسي- المخاض الحالي