فن

صباح فخري: الغائب الحاضر في مهرجان الموسيقى الروحية

عين نيوز – رصد

أسدل الستار على فعاليات الدورة السادسة عشر لمهرجان الموسيقى الروحية، التي احتضنتها مدينة فاس في الفترة الممتدة ما بين 4 و13 يونيو 2010 تحت راعية السامية لصاحب الجلالة، برسم عدة لوحات كانت آخرها لوحة فنية رائعة رسمها الجمهور المتميز ومجموعة ” أصوات الكبرى” لمدينة حلب السورية وهما ينشدان معا أشعار وأناشيد غنائية صوفية تغذي الروح في الأمسية ما قبل الأخيرة من أمسيات هذه الدورة ،التي غاب عنها الفنان الكبير صباح فخري، ولكن لم تغب معه إبداعاته المتميزة فكان حاضرا بقوة من خلال أصوات الست التي انتقاها ورشحها، مصطفى هلال وأحمد أزرق وأحمد بودور والمعتصم بالله وفؤاد ماهر ومصطفى الصابوني، أصوات أستطاعت أن تعبر من بوابة فاس لتصل إلى العالم بفضل العرض الغنائي الذي هز الجمهور النوعي، الذي حج بكثافة للبحث عن صوت السماء.

وقــد ودع مريدو الموسيقى العريقة الفضاء التاريخي ” باب المكينة ” من خلال العرض الأمريكي الساحر لأصوات الكوسبل المطبوع بالبلوز، المستمرة عبر جيل جديد من الفنانين السود مجسدين بشكل رائع في ” سيستاكي”، المغنية من ” سان فرانسسكو”، التي استلهمت فنها من سجل ثقافة السود الأمركييين، إلـــى جانب العرض الثــاني لفرقة دي بليند بويز ” الأولاد المكفوفون ” من ألباما، التي غنت من أجل الإسلام.

وشارك في هذه التظاهرة الفنية والثقافية والفكرية، التي نظمتها كعادتها مؤسسة روح فاس، أكثر من ستين فرقة موسيقية مغربية وعربية وأجنبية وأكثر من سبعين مثقفا وفيلسوفا وخبيرا في الفنون والآداب من مختلف الديانات والحساسيات الفكرية والإديولوجية، إلتأمت كل حسب موقعها ومجالها الفني والثقافي حول مواضيع وعروض فنية وأعمال متميزة تعد منبر إشاعة وتشجيع التسامح والتعايش اللذين أصبحا ضرورة ملحة في عصرنا هذا، الذي بدأت تظهر فيه وتجتاحه بعض الأفكار الظلامية.

ومن أهم المحطات الكبرى، التي ستبقى خالدة في ذاكرة هذه الدورة، التدشين الرسمي لحفل الإفتتاح من طرف الاميرة الجليلة للاسلمى، صحبة بيرناديت عقيلة الرئيس الفرنسي السابق جاك شيراك، حيث إستمتع الجمهور والحضور المتميز من خلال السهرات الفنية، التي أحيتها في اليوم الأول، فرقة باليه الكمبودج الملكي تقودها إبنة الأمير سيهانوك، تلعب فيها الراقصات دور الوساطة بين الملك والمقدس، بحيث تحيلنا هذه اللوحة إلى بدابة ظهور التقاليد العظيمة للهند البرهمانية والجنوب الشرقي لآسيا.

أسبوع غني بالفقرات المتنوعة بمختلف الفضاءات المحتضنة لهذه التظاهرة من باب المكينة ومتحف البطحاء وساحة أبي الجنود وساحة آيت سقاطو ودار التازي…، استطاعت استقطاب عدد مهم من شخصيات فكرية وفنية من مشاهير وأمراء وكبار الفنانين، التي أتحفت الحضور بوصلات صوفية لكبار المتصوفين،والتي تطرقت في نقاشها الأكاديمي بالجلسات الصباحية ولقاءات فاس إلى مقاربات للحوارتحمل رؤية تجعل المجتمع في حركة تتجلى مهمتها في استنهاض الوعي بترابط الأمم وأن يكون المرء مواطنا كونيا في عالم مترابط.

وسعى المنظمون من خلال الفن إبراز مواجهة الإرث التقليدي العالمي مع العولمة الثقافية، كما شكل المهرجان رحلة عبر البحار والقارات لاستكشاف الحضارات الكبرى لآسيا وافريقيا والشرق والغرب من قلب العاصمة الروحية للمملكة المغربية، التي تلعب أدوارا طلائعية في التقريب بين الشعوب من خلال الحوار الذي تعتمده مؤسستها ومجتمعها المدني، باعتبار هذه المدينة رباطا للسلم والحوار بين الثقافات والحضارات، إذ أصبحت قبلة للباحثين والمفكرين، والمكان الذي يتاح فيه الانسان أن يتجرد من ماديته ويتسلح بأجنحة الايمان وعشق مطلق ليعيش أعمق خصوصياته التي حباه الله بها.

وقد استفادة الجمهور الفاسي بفقرات مجانية من خلال مهرجان المدينة من إبداعات عدد من الفنانين المغاربة وفنانين آخرين من الذين شاركوا في باب المكينة ومتحف البطحاء، حيث ألهبت الفنانة نجاة عتابو الحماس والبهجة وأرقصت عشاقه فنها ، الذين غطوا ساحة وجنابات باب بوجلود، وهم يرددون معها جل أغانيها الشعبية، وكأن نجاة تغني وسط مجموعة صوتية تقدر بعشرات الالاف، لوحة لم يستطع رسمها سوى هذه الفنانة المبدعة ونظيرها عبدالعزيز الستاتي، الذي سافر بجمهوره لمدة ساعتين إلى عالم تغمره محبة دائمة للتراث الشعبي المغربي.

حصص للأطفال ومعارض رسم وورشات تحسيسية رسم من خلالها المنظمون خريطة فنية وأدبية وفكرية تقود إلى بلورة مفاهيم الترابط البناء والعدالة الشاملة، أظفت قيمة نوعية على المهرجان فاس للموسيقى الروحية العالمية، الذي أصبح حدثا بارزا لهذا الفن العالمي بضفتي البحر الأبيض المتوسط وفضاءا متميزا للتسامح وفهم الآخر من خلال الاكتشافات الفنية والثقافية الجديدة.

وكان ختامه مسكا ، في ليلة ساحرية أحياها الفنان طالبي عبد القادر المشهور ب “طالبي وان” ، الذي أبحر بالفاسيين إلى جزيرته الركادية ، إذ نحت بحركاته صحبة فرقته الفلكلورية لوحة زناسنية نالت إعجاب الجمهور، الذي صاحبها بتصفيقاته وزغريده حتى ساعات متأخرة من الليل.

ذات علاقة