فن وثقافة

“شعراء في مواجهة الطغيان”موسوعة عن تاريخ الشعر السياسي

عين نيوز – رصد/

صدر حديثاً عن مكتبة “جزيرة الورد” بالقاهرة، موسوعة عن تاريخ الشعر السياسي في الوطن العربي بعنوان “شعراء في مواجهة الطغيان” للكاتب والأديب محمد عبد الشافي القوصي وتقع في حوالي 500 صفحة من القطع الكبير.

تستعرض الموسوعة تاريخ أكثر من ألف شاعر عربي عبر العصور المختلفة، تعرضوا لأشد أصناف القمع والتعذيب والمطاردة والتصفية الجسدية!

وقد أكد – المؤلف – أن أزمة هؤلاء الشعراء تكمن في “أنظمة الحكم” الجائرة التي أنشبتْ أنيابها عبر حقب تاريخية طويلة، عن طريق ثورات رعناء، وأنظمة ديكتاتورية حالتْ دون حدوث أي نهضة أو إصلاح، بسبب تهميشها ومطاردتها وتصفيتها للصالحين والمصلحين من أبناء الأمة، وعزلهم عن مواقع الريادة والتأثير، حتى يخلو الجو لحواشي السلطان من المتسلقين الذين هم –بمثابة– اليد اليمنى من الطغيان!.

يتساءل -المؤلف- في مقدمة الكتاب، قائلاً: لماذا يغضب الشعراء؟ وما هي الدوافع النفسية والاجتماعية والسياسية التي جعلت الشعراء يحملون راية العصيان؟ وأجبرتهم على كتابة قصائد الهجاء المسمومة؟ التي يُعَدّ اقترافها من “الكبائر” أوْ من “المحظورات”! وما هي الأسباب التي أرغمتهم على كتابة هذا اللون الشِّعري، وساقتهم إليه رغماً عنهم؟ فراحوا يقذفون بقصائدهم الحارقة التي جَرَّتْ عليهم كثيراً من الأزمات والمصائب؛ كالسِّجن والنفي والمطاردة والتشريد والتصفية الجسدية!

يرى الكاتب أن هؤلاء الشُّعراء لا يتصنَّعون “الشِّعر السياسي” ولا يتكلَّفونه كالأغراض الشعرية الأخرى، إنما يفرض نفسه عليهم فرضاً .. وإنهم مُساقون إليه سوقاً، ومدفوعون إليه دفعاً .. ربما لسوء الأحوال الاجتماعية وتدهور الأوضاع السياسية، أوْ ربما بسبب طبيعتهم النفسية القلقة، أوْ بفعل شياطينهم المردة، أوْ بسبب قسوة الحياة، وحشية المجتمع، ضراوة الأنظمة الحاكمة، ووعورة الطرق التي يسلكونها!.

فالشَّاعر العربي جُبِلَتْ نفسه على خلق هذا اللون الشِّعري “المُزعِج”! فيرى نفسه مشدوداً إليه شداً، بحكم الطبيعة النفسية المصاحبة له! ومدفوعاً إليه دائماً بدافع قهري. فعندما تلح عليه فكرة القصيدة أوْ موضوعها، لا يستطيع صدها أوْ منعها أوْ حتى تأخيرها .. إنها لحظة المخاض -كما وصفها الشعراء أنفسهم!.

فلابد لهذا الجنين أن يخرج إلى النور على الفور سواء كانت ولادته عادية مُيسّرة، أوْ قيصرية مُتعسِّرة، المهم أن يخرج هذا الكائن إلى الحياة.

أمَّا عن اسمه ورزقه وأجله؛ فهذه مسائل أخرى تتضح معالمها فيما بعد الولادة؛ حيث يبدأ صراع هذا “الوليد” الشِّعري مع الوجود الخارجي المُلَبَّد بالسحب الداكنة، والعواصف الهوجاء، والحفر والمطبّات الصناعية. ولطالما أمسى هذا الوجود الخارجي في حالة لا تسمح له بقبول هذا الوليد أوْ منحه مكاناً تحت النور، إمِّا لسبب راجع إلى الشِّعر نفسه، أوْ إلى المجتمع، أوْ إليهما معاً!

 

في هذا العصر؛ عَبَّرَ الشِّعر عن الهمّ الجماعي .. هموم الوطن والأُمَّة!

فالشَّاعر المعاصر لَمْ يرَ حوله إلاَّ النكسات المتعاقبة التي تُوِّجَتْ بسقوط الخلافة الإسلامية، ثم سقوط العواصم العربية والإسلامية الواحدة تلو الأخرى غنيمة باردة بأيدي الإستعمار الذي حسمها بزرع الكيان الصهيوني “إسرائيل” في قلب العالم العربي!

لَمْ يشاهد الشَّاعر -خلال القرن العشرين- سوى غارات متتالية على بلاده وأُمته، ومجازر بشرية هنا وهناك، واعتداءات سافرة على الإسلام وشريعته، وهو في تلك الأثناء مُكَمَّم الفم، مكتوف اليديْن .. بَلْ يواجه التشريد من الأوطان، والإقصاء التعسفي من داره أوْ عمله، ويُحَمَّل مسئولية ما فعله السفهاء من قومه!.

فأينما تقع عيناه يرى جماجم إخوانه هنا وهناك، ويبصر دماءهم تنهمر من كل حدبٍ وصوب، ويسمع كل يوم عن المجازر الجماعية التي يتعرض لها إخوانه في العقيدة، دونما ذنبٍ اقترفوه .. إلاَّ أنْ قالوا ربنا الله !.

لقد رأى مآسي  فلسطين وما جرى لها، ودماء البلقان .. وسمع أنين الشيشان، وصراخ كشمير، وعذابات العراق، وصرخات آلاف الذين يُساقون إلى المشانق، لأنهم جهروا بكلمة الحق، أوْ جأروا من الظلم الواقع بهم!.

عندما يرى ويسمع الشَّاعر تلك التناقضات الصارخة التي تحيط به وبمجتمعه .. ماذا يُنتظَر منه؟ وكيف لا تثور عاطفته ولا ينبعث شعوره ولا يتميز من الغيظ .. فتتحول أشعاره إلى زجاجاتٍ حارقة، وعبواتٍ ناسفة؟!.

ماذا فعل الشُّعراء أمام هذا كله؟ لقد امتطوا جواد الشِّعْر، وأطلقوا له العنان، فجاشتْ قرائحهم، وفاضتْ عواطفهم .. فعبَّروا عن مشاعر إخوانهم .. آلاماً وآمالاً!

 

قسّم المؤلف كتابه إلى خمسة فصول، على النحو التالي: رسالة الشُّعراء،  وكناسة الشُّعراء، الشِّعر السياسي، شعراء المعارضة، وقصائد لها تاريخ هذا الفل الأخير الذي نجح في اختيار أشهر القصائد السياسية عبر التاريخ التي أودتْ بحياة أصحابها، وألقتْ بهم وراء الشمس!.

 

فهناك القصيدة التي سَجَنَتْ شاعرها، وهناك الشّاعر الذي هجا “نوبار باشا”، والشّاعر الذي هجا “رياض باشا”،  والشّاعر الذي هجا “الخديوِ سعيد”، وثورة شاعر البادية، وشـاعر البـؤس، وشـاعر في رَحِم السجن!.

وهناك المُلاكِم الأدبي، وشـاعر الإسلام، وشاعر الثورة، وشاعر الدعوة، وشاعر الاخوان المسلمين، وشاعر وراء القضبان، وشاعر الانتفاضة، وشاعر الصحوة، والشَّاعر المجهـول، وأزهري في مواجهة الاحتلال، والأعمى الذي رأى كل شيء  وأمير شعراء الرفض!.

 

وهناك قصائد مهمة جداً، احتواها الكتاب، مثل: قصيدة جـلاّد الكنانـة! ورسالة في ليلة التنفيذ! ورسالة في ليلة النصر! وفلسفة الثعبان المقدس، والخروج من السجن الكبير، واللَّعين الأول، وفرعون مصر، وفرعون وقومه.

وقذائف الحياة الأولى، وصرخة من خلف الأسوار، والقدس عروس عروبتكم، والسيرة الذاتية لسيّاف عربي،  وأغاني الديكتاتـور، ومبارك العميـل، والحاخام يخطب في بغداد، وكـِلاَب وأُسُـود، وصـلاة الكُهَّـان، وارحــل يا جبان، وارحــل .. يا بلطجـي، وارحلـوا عنا .. إلى غير ذلك من القصائد التي تقطر دماً.

ففي قصيدة “ارحــل يا بلطجي” يقول الشاعر السوري محمود السيد الدغيم:

غَاْدِرْ بِلادِيْ بِالْعَجَلْ

يَا “بَلْطَجِيُّ” لَقَدْ مَضَىْ

وَأَتَى الصَّبَاْحُ فَلَنْ تَرَىْ

هَرَبَ اللُّصُوْصُ جَمِيْعُهُمْ

هَرَبُوْا لأَنَّ فُلُوْسَهُمْ

فَاهْرُبْ، وَدَعْنَاْ إِنَّنَاْ

لَمْلِمْ لُصُوْصَكَ، وَانْصَرِفْ

مَاذَا أَصَاْبَكَ هَلْ جُنِنْتَ؟

أَمْ كُنْتَ تَحْلُمُ بِالْبَقَاْءِ

ِارْحَلْ وَخُذْ كُلَّ اللُّصُوْصِ

بَلْ خُذْ جَمِيْعَ الْمُخْبِرِيْنَ

خُذْ مَنْ تَجَبَّرَ أَوْ تَكَبَّرَ

إِنَّاْ خَلَعْنَاْ خَوْفَنَاْ

وارْحَـلْ؛ فَحُكْمُــكَ قَدْ أَفَـلْ

ليلُ الطغـــاة بما حمـــل

لص السـواحـلِ والجــبل

والشـعب كـان، ولـم يـزلْ

هَرَبَتْ بِغَفْلَةِ مَنْ غَفَلْ

وَاذْهَبْ إِلَىْ شَهْرِ الْعَسَلْ

هَيَّا تَدَحْرَجْ يَاْ جُعَلْ

وَهَلْ أَجَنَّكَ مَا حَصَلْ؟

وَبِالْخُلُوْدِ مِنَ الأَزَلْ

وَخُذْ رُعَاْعَكَ يَاْ هُبَلْ

وَكُلَّ جُمْهُوْرِ الْكَسَلْ

أَوْ تَجَسَّسَ أَوْ قَتَلْ

فَارْحَلْ كَمَخْلُوْعٍ رَحَلْ

 

ويقول الشاعر فاروق جويدة في قصيدة “ارحـــــــل”:

ارحل كـ”زين العابدين” وما نراه أضلّ منك

ارحل وحزبك في يديك

ارحل فمصر بشعبها وربوعها تدعو عليك

لا تنتظر صفحاً جميلاً فالخرابُ مع الفساد يرفرفان بمقدميْك

ارحل وحزبك في يديْك

ارحل بحزب امتطى الشعب العظيم

وعتى وأثرى من دماء الكادحين بناظريْك

ارحل وفشلك في يديْك

فعلى يديْكَ خراب مصر بمجدها عاراً يلوِّثُ راحتيْك

هذي نهايتك الحزينة هلْ بقى شيء لديْك؟

ارحل وعاركَ أيّ عارْ

مهما اعتذرتَ أمامَ شعبكَ لنْ يفيد الاعتذارْ

 

ارحل وعاركَ في يديْكْ

ماذا تركتَ الآن في أرض الكنانة من دليل؟

غير دمع في مآقي الناس يأبى أنْ يسيلْ

الآن ترحلُ عن ثرى الوادي

تحمل عاركَ المسكونَ

بالحزب المزيّفِ

 

ارحلْ وعارُكَ في يديكْ

تمضي وحيداً في خريف العمرِ

لا عرش لديكَ.. ولا متاعْ

لا أهلَ.. لا أحبابَ.. لا أصحابَ

كلُّ العصابةِ تختفي صوب الجحيمِ

وأنت تنتظرُ النهايةَ..

بعد أنْ سقط القِناعْ

شبكة الاعلام العربي- رهام محمود

الكلمات المفتاحية: الاديب محمد عبدالشافي القوصي- الدوافع الاجتماعية- الدوافع السياسية- الدوافع النفسية- الشعر السياسي- حمل راية العصيان