فن وثقافة

شعراء في حضرة الرئيس: نتان الترمان ومحمود درويش

عين نيوز- رصد/

 

يؤدي الشعراء في الحركات الوطنية والقومية مهام عديدة ومتنوعة؛ ابتداءً من صياغة النشيد الوطني وتشكيل الهوية الوطنية والذاكرة الجمعية، إلى مزاولة العمل السياسي في بلاط الحكام أو في صفوف المعارضة. وقد لا تقتصر مهمة الشعراء في الحركات الوطنية على تسجيل الأحداث التاريخية والوطنية فحسب.

أحيانًا يشاركون في العمل السياسي؛ يقودون مظاهرات ويوقعون على مذكرات احتجاج وخلافها. وقد يعمل الشعراء على وحدة الشعب وتشكيل هويته الثقافية والوطنية، أو يشكلون عامل شقاق في الساحة الوطنية. فأي الشعراء كان نتان الترمان في حضرة الزعيم دافيد بن غوريون؟ وأي الشعراء كان محمود درويش في حضرة الرئيس ياسر عرفات؟

يدور في الأدب العبري سجال حول ماهية العلاقة التي ربطت بين الشاعر نتان الترمان والزعيم الصهيوني دافيد بن غوريون. فبينما يرى البعض في الترمان شاعرا وطنيا (قومم وشمير)، يصر آخرون (دان ميرون ودان لاؤور) بحق انه كان بمثابة شاعر بلاط، لا غير.

تحت عنوان ‘الشاعر والزعيم: بيالك وأحَاد هَعَام، ألترمان وبن غوريون’ (دورمان وقومم، ‘الترمان وإبداعه’، 1989) قارن الناقد الأدبي أهرون قومم بين العلاقة التي ربطت الشاعر الصهيوني حاييم نحمان بيالك والزعيم الصهيوني أحاد هعام، وبين العلاقة التي ربطت بين الشاعر نتان ألترمان والزعيم دافيد بن غوريون. في الحالتين ربطت كلا من الشاعرين علاقة وثيقة ومتمّيزة مع زعيم كان ذا سلطة ونفوذ واسعين. كتب حَييم نحمان بيالك (1873- 1934)’ في مديح زعيمه أحاد هعام، بينما كتب نتان ألترمان (1910- 1970) في مديح بن غوريون. مع ذلك – مقارنة بالشعراء العبريين الذين عاصروا الشاعرين – فقد عكست قصائد بيالك وألترمان الأحداث والتطورات السياسية والوطنية في تاريخ الشعب اليهودي والحركة الصهيونية. حمل الشاعران لواء الحركة الصهيونية. وبينما شهد بيالك نشوء الحركة الصهيونية’ في مراحلها الأولى، عاصر ألترمان أطوار تأسيس الدولة العبرية وإقامتها على أرض فلسطين.

يقول قومم ‘لم يستطع الشاعران أن يتحمّلا قنوط الشعب اليهودي وآلامه العصيبة في القرن العشرين. شجّع بيالك بعض الشيء وغالبًا ما عنّف وأنّب؛ وتعاطف ألترمان وعاضد غالبًا. هكذا وجد الاثنان نفسيهما جزءًا من الأحداث العاصفة’.

رصد أهرون قومم ست قصائد نظمها ألترمان في مديح الزعيم الصهيوني دافيد بن غوريون، بالإضافة إلى خمسة نصوص وجهها الشاعر إلى قائده بشكل خاص. ‘إن ما يحمل لك هذا الشعب في القلب من حب وتقدير […] لن يفسده لا الأصدقاء ولا الخصوم ولا حتى أنت نفسك’ كتب ألترمان في عيد الميلاد الخامس والسبعين لبن غوريون. ولم يتطرق قومم إلى سؤال ما إذا كان ألترمان قد كتب في نقد قائده (على غرار ما كتب محمود درويش في نقده للرئيس ياسر عرفات، مثلا).

على أية حال، هذا عدد غير قليل من المديح، وهذا ما يفسر نزوع بعض النقاد إلى اعتبار ألترمان مثقفاً سلطويًا، وربما أسوأ من ذلك. قد يكون دخوله الحلبة السياسية – كنشيط وسياسي محترف من الدرجة الأولى في ‘قائمة عمال إسرائيل’ (1965- 1968)، التي كان أحد واضعي برنامجها، إلى حركة ‘أرض إسرائيل الكبرى’ (1967)، التي كان أحد مؤسسيها، تعبيرًا عن خلل نفسي ورغبة جامحة في امتلاك القوة – على غرار ميشيل فوكو (1926- 1984)، في أعقاب تظاهرات الطلاب في فرنسا عام 1968.

وتقول زيفة شَمير في مقال تحت عنوان ‘الأيام وفقاً لألترمان’ (هآرتس، 16 ايار / مايو 2007): ‘على النقيض من بيالك لم يكن ألتِرمَان اجتماعيًا.. لكن الجماهير التي اعتبرته شاعرًا وطنيًا أيقنت أن لا مثيل له فيما حمل على عاتقه من مشروع تذكاري […] فقد كان لأعمدته الصحافية وظيفة تربوية هائلة وأهمية وثائقية بالغة’. وتخلص شمير إلى القول أن ‘لا إبداع كإبداع ألترمان الذي يؤرخ للسنوات الأولى من قيام دولة إسرائيل ولأيام الصراع من أجل الاستقلال’.

وذهب مردخاي ناؤور في كتابه ‘العمود الثامن’ (2007) أبعد من قومم وشمير حينما حاول جاهدا أن يضفي على الشاعر صبغة المثقف العام. زعم ناؤور أن ألترمان اختلف مع زعيمه بن غوريون ومع سلطات الدولة والمؤسسة العسكرية على خلفية العلاقات مع ألمانيا، وحول تفكيك ألوية التنظيم العسكري ‘البلماح’ الذي كان بمثابة القوة الضاربة (1941- 1949) ورأس الحربة في إقامة دولة إسرائيل عام 1948. ويضيف ناؤور ان ألترمان انتقد في قصيدة ‘تخوم المثلث’ سياسة الحكومة الإسرائيلية حيال مذبحة ‘كفر قاسم’ التي ارتكبتها وحدة من حرس الحدود وراح ضحيتها عشرات العمال الذين كانوا عائدين إلى القرية (في 29 تشرين الأول / أكتوبر 1956)،

دون علم مسبق بأوامر منع التجول التي أصدرتها سلطات الحكم العسكري قبيل عودتهم بساعات. لكن ناؤور أكد في نفس الوقت ان ألترمان إنما كان شاعرًا ملتزمًا بقضية واحدة، وهي إقامة دولة إسرائيل. وهو في ذلك انما يحاول ان يبرّر صمت الشاعر ازاء عمليات هدم القرى وتهجير قاطنيها في سبيل قيام دولة إسرائيل. ولم يتطرق ناؤور لدوافع سكوت ألترمان على جرائم كثيرة ارتكبتها السلطات الاسرائيلية حتى بعد قيام دولة اسرائيل؛ منها نكبة قرى اللطرون، ومن ضمنها عمواس ويالو وبيت نوبا، التي دمرتها السلطات الإسرائيلية وأقامت على أرضها منتزه كندا بارك، بعدما هجّرت سكانها إلى شرق الأردن عام 1967.

وفي أعقاب ‘فضيحة لافون’ (1954- 1955)، التي شكلت نقطة خلاف محورية في السياسة والمجتمع الإسرائيليين، ومنذ أن تفجرت، كتب الترمان عشرات ‘الأعمدة’ الصحافية الخاصّة، على صفحات صحيفة ‘دافار’.

فنشر في العمود ‘السابع’ حوالي ثلاثين مقالاً – ناهيك عن المقالات التي نشرها في صحف أخرى. أساء ألترمان التصرّف إذ تبنى بحرارة موقف طرف واحد في خلاف ساخن ومحوري. يقول الناقد يحيعام فايص (مجلة زمانيم، 94: 2006) ‘في هذه القضيّة وقف ألترمان لأوّل مرّة، بشكل علني وغير مهادن، إلى جانب طرف محدد غدا بمرور الوقت أقلية في خلاف وطني’.

وفي مقال تحت عنوان ‘نتان ألترمان إبان فضيحة لافون’ (دورمان وقومم، 1989) كتب دان لاؤور يقول: ‘بداية، حاول كثيرًا أن يعزّز مركز بن غوريون حزبيًا وجماهيريًا.

وفي النهاية، دعم بالفعل موقف الأقلية في حزب مباي، وشارك في تأسيس قائمة عمّال إسرائيل، رافي، ونشط بشكل فعّال في حياتها الحزبية’.

وفي قضية لافون ‘بلغ تعاطف ألترمان مع بن غوريون حده الأعلى […] وفي المقابل نشأ صدام علني بينه وبين حزب مباي من جهة، وبين صحيفة دفار، التي انتسب اليها لأكثر من جيل. فلا غرو أخيرًا إن وجد نفسه في حزب جديد، ألا هو حزب رافي، وفي صحيفة جديدة هي ‘معاريف’ […] وتُشكّل فضيحة لافون أيضًا نهاية طريق ألترمان أديبًا ومُعبّرًا عن الإجماع الوطني’. من هنا ذهب الناقد دان ميرون بحق إلى اعتبار نَتان ألترمان شاعر بلاط ، ليس إلا، ‘تتعرقل منه الكلمات والجمل بين أقدام أعمدته الصحافية’.

على النقيض من ألترمان، شكل محمود درويش بمده المتواصل عنوانًا ورمزًا لوحدة الشعب الفلسطيني على الصعيدين الثقافي والوطني. يقول زياد عبد الفتاح في وصف أجواء الدورة السادسة عشرة للمجلس الوطني الفلسطيني في الجزائر (14- 22/2/1983).

‘كانت الأجواء مشحونة ومتوترة تماما بين الفصائل الفلسطينية، عقب الانشقاق الذي تلا جلاء منظمة التحرير الفلسطينية عن بيروت عام 1982. وما إن صعد محمود درويش إلى المنصة وألقى قصيدته الشهيرة (مديح الظلّ العالي)، حتى تبدل كل شيء، وحل التصفيق محل التناحر’.

وفي منظمة التحرير الفلسطينية ساهم محمود درويش في تعزيز الروابط والعلاقات الثقافية مع الفلسطينيين داخل الخط الأخضر. يقول عبد الله حوراني: بفضل جهود محمود درويش حصلت ‘الاتحاد’ و’ عرابسك’ على مساعدات مالية من منظمة التحرير الفلسطينية؛ وجرت لقاءات في الخارج شارك فيها من داخل الخط الأخضر كل من إميل حبيبي وتوفيق زياد وسميح القاسم وزاهي كركبي وسالم جبران ومحمد نفّاع وصليبا خميس وتوفيق طوبي. أما من جانب منظمة التحرير الفلسطينية فقد شارك محمود درويش وأدباء فلسطينيون من المنفى. كما شارك في اللقاءات سياسيون من كلا الطرفين: ياسر عرفات وتوفيق طوبي ومئير فلنر.

خلقت الظروف السياسية من أبناء الشعب الفلسطيني الواحد كيانات تعيش كل منها زمانًا منكسرًا يختلف من حيث التجارب والظروف: الفلسطينيون في الوطن الأم تحت الاحتلال الإسرائيلي، والفلسطينيون في الضفّة الغربيّة تحت الحكم الأردني (1948- 1967)، والفلسطينيون في قطاع غزّة تحت الحكم المصري (1948- 1967) وتحت الاحتلال الإسرائيلي منذ 1967، وفلسطينيو الشتات والمخيّمات. خلقت هذه الظروف والأحوال اختلافاً في الإبداع الثقافي أيضًا.

في هذا الواقع المشرذم الأليم لعب محمود درويش دورًا رائدًا ومتميزًا في إعادة تركيب الزمن المكسور. كان محمود درويش الشاعر الوحيد الذي عايش التجربة الفلسطينية بكامل أطيافها. فعكست كتاباته التجربة الفلسطينية في كل مكان وزمان – في الوطن وفي المنفى وفي الشتات. فغدا عامل توحيد على الصعيد الثقافي أيضًا.

وعلى العكس تماما من ألترمان، لم يطرق محمود درويش باب المديح، وإن كانت هنالك قصائد ونصوص قد حملت في طياتها المدائح للرئيس ياسر عرفات. كتب محمود درويش خلال أكثر من ثلاثين عامًا من العمل في منظمة الحرير الفلسطينية في نقد القائد ياسر عرفات أكثر مما كتب في مديحه، على الرغم من العلاقة الحميمة التي جمعت بين الطرفين.

وخلافا للشاعر نتان ألترمَان، الذي اهتمّ أيضًا بالرئيس (دافيد بن غوريون) وبصغائر الأمور؛ لم يكتب محمود درويش أعمدة خاصة في صحيفة ما (Columnist)، ولم يسعَ طلبًا للرزق ولا من أجل مساومة سياسية أيًا كانت. حمل محمود درويش في حقيبته الوطن فلسطين – وليس الرئيس و/ أو الحزب.

كتب محمود درويش في مديح عرفات نص ‘ياسر عرفات والبحر’ (‘الكرمل’، العدد 10، 1983) وقصيدة ‘مديح الظلّ العالي’ (1983). وبعد موت القائد (في 11 تشرين الثاني / نوفمبر 2004) كتب نصين آخرين: ‘فاجأنا بأنه لم يفاجئنا’ و’ تأخّر حزني عليه كثيرًا’. ومع أن النصين في باب الرثاء، إلا أنهما يحملان نقدًا صريحًا لسياسة الرئيس الراحل ياسر عرفات ولعناصر الرمزية التي تمثلت في شخص القائد. في كلا النصين عبّر درويش عن عميق حزنه وتقديره للرئيس الفلسطيني الذي أضحى رمزًا وطنيًا ‘شديد اللمعان’؛ رمزًا للثورة، للفداء وللوحدة الوطنية الفلسطينية. مع ذلك فقد حمل رثاؤه نقدًا، كشف عن تغيير في مواقف الشاعر تجاه الرئيس من ناحية، وعن عدم انسجامه مع بعض مقومات أو عناصر الرمزية التي تمثلت في شخص عرفات من ناحية أخرى.

في رثائه لم يغفل الشاعر عن أن يعبر أيضًا عن انتقاده لسلطة الرئيس ‘الأبوية’ وانفراده بها – لدرجة الخطر. ويشكل ذلك تحولاً جذريًا في موقف الشاعر تجاه الرئيس – مقارنة بسنوات سابقة. هو ياسر عرفات ‘اختزل الموضوعات كلها في شخصه، صار ضروريًا إلى درجة الخطر، كرب أسرة لا يريد لأولاده أن يكبروا لئلا يعتمدوا على أنفسهم’.

ثمّ ‘بلغ حد التماهي التام بين الشخصي والعام’. ‘كان ياسر عرفات الفيصل الأخير في الشؤون الكبيرة والصغيرة في المنظمة .. وفي السلطة الوطنية الفلسطينية’. وكانت مركزية عرفات وانفراده بالسلطة موضع جدل لدى قادة منظمة التحرير الفلسطينية؛ فقد اعترض خالد الحسن وصلاح خلف وفتحي عرفات (الشقيق الأصغر لعرفات) ونمر صالح على القيادة الفردية لعرفات واستخدامه غير المنضبط للأموال. على الرغم مما أسلفنا، لم نعثر للشاعر في وثائق سابقة على أي نقد لمركزية عرفات ولانفراده في السلطة، بل على العكس. في قصيدة ‘مديح الظلّ العالي’ (1983) نلمس تقديرًا لعناصر المركزية والأبوية في شخص الرئيس عرفات؛ فهو ‘الأب’ وهو ‘السيّد’.

يقول: ‘الكون دفترك الصغير/ وأنت خالقه / فدوّن فيه فردوس البداية، يا أبي..’. وتتكرر الكلمة بشكل لافت في القصيدة ذاتها. ثم ‘وأنت سيّد روحنا يا سيّد الكينونة المتحوّلة’ و’ يا سّيد الجمرة / يا سيّد الشعلة’.

تحت عنوان ‘ياسر عرفات.. والبحر’ (1983)، انتقد محمود درويش عودة ياسر عرفات إلى طرابلس لبنان بحرًا (1983) لقيادة فصائل حركة فتح التي تعرضت للهجوم من قبل ‘المنشقين’ على الحركة وعناصر أخرى بدعم من القوات السورية. وانتقد الشاعر سياسة قائده في السير إلى حافة الهاوية لدرجة المخاطرة بحياته: ‘لعل ياسر عرفات في رحلته البحرية إلى طرابلس.. كان يجرب الموت’. ويصف محمود درويش بشكل درامي اقتراب عرفات من الهاوية، فيقول: ‘كان يضع جثته في أحضان الطاغية، كان يقترب منه، كان يلامسه، كان يعانقه، فمن يجرؤ على سفك دم ياسر عرفات!’ و’ كان هذا اللقاء لقاء القمة بين الانتحاري.. عرفات وبين القاتل العربي..’ أي السوري.

ثم ‘لم أُخف اعتراضي العاطفي والسياسي على رحلته البحرية إلى طرابلس، إذ كان بوسعه أن يتجنب هذا الاستدراج’ بوفاة عرفات عاد درويش لينتقد سياسة السير على حافة الهاوية في قرارين حاسمين: قرار التوقيع على اتفاقية أوسلو (1993) وقرار إشعال انتفاضة مسلحة (انتفاضة الأقصى).

لم يكن محمود درويش شاعر بلاط ، كما زعم البعض، لكنه كان شاعرا وطنيا ملتزما ومكرسا لغاية واحدة: ‘أن ينحت طريقاً فيحجر الطريق إلى الجبل’ وان يمنع أولئك الذين استوطنوا الوطن ‘من محاولة استيطان الذاكرة ايضا’. والبقية تأتي..

كاتب وباحث

د. منى ابو عيد

الكلمات المفتاحية: العمل السياسيي- بيروت- ثقافة- شعراء- فلسطين- محمود درويش