آراء حرة

سُتراتُ باريس الصفراء حمراءُ في السينما!

أحمد الفيتوري

لقطة 1

قوسُ النصر في باريس تحوطهُ نيرانُ الغضب الشعبي بعد خمسين عاماً من مظاهرات 1968 التي أسقطت ديجول، رغم الفارق الزمني والدلالي فإن باريس مرة ثانية يجتاحُها الغضب، وفي كلا الحالتين هو غضب الطبقة الوسطى، التي إن كانت في مايو 68 قادتها من الطلبة والانتجلسيا الفرنسية فإنها هذه المرة لا قادة لها، في استعارة مُضمرة للربيع العربي ما أزاح النخبة والقادة من طاولة التاريخ.

أكتب مقالتي هذه يوم السبت أول ديسمبر 2018، وقد اجتاحت باريس جماهيرُ السترة الصفراء التي استعيرت من لباس يلزم القانون الفرنسي أن يرتديه كل سائق في حالة الطواريء، وجماهير السترة الصفراء في حالة طارئة غاضبة ولا عقال لها، وعليه كانت المشاهد التلفزيونية التي تغطي هذا الحدث مليئة بالنيران والدخان، والدموع فالدماء على وجوه المتظاهرين الصغار والكبار والرجال والنساء.

لقطة 2

اليوم السابق الجمعة في الأوبرا المصرية في دور عرضها كنت أشاهد الأفلام الفائزة في الدورة الأربعين لمهرجان القاهرة السينمائي، المهرجان أنهى دورته هذه يوم الخميس، وقرر كتقليد متبع عادة عرض الأفلام الفائزة بمقر الأوبرا مجانا لمن فاتته مشاهدتها، وما تمكنتُ من مشاهدته من هذه الأفلام سترته حمراء، فالعنف ما يغطى هذه الأفلام التي حصدت الجوائز وهي أفلام من بلدان شتى بل وقارات.

لقطة 1 مكرر

باريس اجتاحتها الطبقة الوسطى الجائعة التي ترفض برنامج ماكرون الانتخابي ما كانت منحته صوتها، لكن عند التطبيق بان أنه يُكّرِمُ الأغنياء ويهين ويحط من قدر الطبقة الوسطى بمتقاعديها، وحتى من هم في بحبوحة في هذه الطبقة خرجوا ضد ماكرون رجل الأثرياء.

لقد سبق السيف العذل فإن الذي تقوم به الحكومة تطبيق لبرنامج صوت عليه ناخبون فرنسيون: قال ماكرون وبرر وحكومته: إن ما يحدث من تدبير اليمين المتطرف وعناصر مخربة يتسترون الأصفر، ولسان حالهم لسان حال أي حكومة في العالم الثالث الذي صنعوه، ورغم أن ماكرون قبل بالضرورة التي تعني حق التظاهر لكنه في نفس الوقت رفض التفاوض، وهنا لسان حاله دونكم هايد بارك واصرخوا حتى تبحوا لكن لن أتزحزح قيد أنملة عن البرنامج الذي جئت بفضله، لكنه كأي رئيس في فرنسا الديمقراطية سيرضخ للإرادة الشعبية.

لقطة 2 مكرر

سينما مهرجان القاهرة في أفلامها الفائزة ما شاهدت ترفع البطاقة الحمراء، حين تعكس العالم في مرآتها فنشاهد الدماء سيدة المشهد الطاغية، والفيلم الأوكراني (دونباس) يصور واقع الحال الحاصل في أوكرانيا ما تعيش حربا مسكوتا عنها بعيد الربيع الأوكراني وحتى الساعة، ويبدو لي أن هذا الفيلم حاز جائزة لاعتبار أنه كما شريط وثائقي يرصد عنف المحتل الروسي لشرق أوكرانيا لكنه يركز على التحارب الأهلي ما يجعل العنف كما غذاء يومي ضروري، هذا الفيلم وغيره يشف الواقع الإنساني الحالي في أوائل الألفية الثالثة فيكشف تصدع البشرية وانتشار الحروب الأهلية اللغة العالمية للتفاهم بين البشر، وهذا ما يركز عليه الفيلم الانجليزي (الطاعة) ما يصور معاناة الملونين الإنجليز مع الشرطة الانجليزية المنفلتة في قمعهم دون رادع. وأما فيلم (ليلة الاثني عشر عاما) من الارغواي يصور ما فعله العسكر بعد الإطاحة بالنظام الديمقراطي في البلاد، فيرصد سجن ثلاث شخصيات من حركة المقاومة التي عُرفت بـ “التوباماروس” التي أحد السجناء من أعضائها سيصبح رئيسا لدولة الارغواي، عرف بأنه أفقر رئيس في العالم.

تعليق1

ما يلفت النظر أن التظاهر عند كافة البشر تقريبا شيء جميل باستثناء الحكومات طبعا، فعادة ما يكون الجمال عندهم في حالة المقاومة التي يبديها بشر عزل ضد الدولة المسلحة بالشرطة المدججة بوسائل القمع، وكذا مظهر الجموع المتحدة والتي تغطي مشهد الساحات الشهيرة، فتبدو كما شخص واحد أي الإنسان وقد تجلى في حالة رفض ما. والسينما التي تعالج هذه المسألة كثيرا ما تفعم بجمال أخاذ خاصة في الصورة، وكلما تعمقت في موضوعها هذا تكشفت عن جمال إنساني مضمر في بنية هذه الحالة المتناولة، ومن جهة أخرى اعتدنا أن الكتاب والمخرجين الذين ينبرون لتناول هكذا موضوع موسومون بشفافية عالية وجُرأة، وعمق دون ادعاء أو تملق.

تعليق 2

لماذا انفلت زمام الطبقة الوسطى الفرنسية؟، الحقيقة التي يرصدها أي متابع كان عن حال الطبقة الوسطى في العالم أنها أولا: تعيش نقلة نوعية من أثر معضلات أقتصادية مستجدة بُعيد تطور تقني مذهل في عالم سبراني، ثانيا: تعاني قمعا متفاقما في دول كثيرة خاصة غير الأوربية الغربية، ثالثا: إذا كانت هذه الطبقة المنتجة لفئة المثقفين كانت تنتج أيضا القادة مما عنى أنها طبقة في حالة رأسية فإنها مع المتغيرات الحادثة في الموجة الرابعة باتت طبقة أفقية تنتج ثقافة متنوعة دون سرديات كبرى ولا قادة ولا حتى نجوم.

النتيجة: أن ماكرون هو الإبن الحقيقي لهذه الطبقة في حالها الراهن ما شطرها بحدة، فجعلها أيضا تجنح نحو اليمين المتطرف في دول ديمقراطية، وتنزع إلى الدين في الدول اللا ديمقراطية كمنقذ مأمول فيما بعد الحياة بعد أن عزت الحياة وصعبت عليها.

هامش: تونس

العنف بنية الكائن والبشر موسومون به في معاشهم، فالتحضر والسلم كما قشرة رقيقة تقتلعها أيما ريح عاتية، أليس العقل في البشر من السهل أن يصاب بالجنون عند العباقرة ومنهم الفلاسفة مثلما نيتشه… وهلم جرا؟ الجموع بالذات ما يجعلهم جموعا ضرب من الجنون.

لهذا تظاهر أصحاب السترة الصفراء بعنف، بدأ عند قوس النصر في باريس كظاهرة، مرت بباريس مرات عدة لكن كأنها نسيت أو تغرض نسيانها، وما شاهدناه في باريس تظاهرة ضد رفع الأسعار وتدهور حال أبناء الطبقة الوسطى من أثر ذلك، قبلها بفترة وجيزة خرج التونسيون في تظاهرة مماثلة، ولكن دون عنف بل في سلم ونظام ظاهرين، يقودها اتحاد الشغل التونسي هذه المنظمة العريقة وما قل مثيلها في العالم.

بوابة الوسط