آراء ومقالات

سوء تنسيق مدمّر

كان نابليون بونابرت عبقرية عسكرية، لا خلاف على ذلك، لكن عبقريته هذه أدت إلى تدمير أوروبا عدة مرات، وإلى مقتل مئات الالاف من الشباب في معارك طائشة لم يكن لها من معنى، سوى شهوة الحرب والسيطرة.

في بدايات معركة استرليتز 1804-1805، حيث اجتمع الحلفاء ضد نابليون، وواجهوه في قرية (اوسترليتز)، لكنه هزم أكبر قوتين عالميتين آنذاك، جيش الإمبراطورية النمساوية والجيش الروسي معا، إضافة الى الكثير من حلفائهم الأصغر. وقد لعب سوء التنسيق بين القوتين الى هذه الهزيمة.. كيف؟.

في أوائل المعارك، وقبل وصول الجيش الروسي إلى مكان المعركة، وبعد الاتفاق بينهم على وصوله بتاريخ محدد (أعتقد في 22 من الشهر) دخل النمساويون المعركة لحين وصول الروس لدعمهم.. لكن الروس لم يصلوا في الوقت المحدد، فحاصر نابليون الجيش النمساوي، وقتل الالاف، وأسر 60 ألفا، وكانت هذه بداية الهزيمة للحلفاء.. لكن لماذا لم يصل الجيش الروسي في الوقت المحدد؟.

وصل الجيش الروسي بعد 12 يوما ونصف اليوم تقريبا من الموعد المحدد، والسبب أن المنسّقين بين الجيشين لم ينتبهوا إلى اختلاف التوقيت بين روسيا الأرثوذكسية وأوروبا، فبينما كانت معظم أوروبا تسير حسب التوقيت الكاثوليكي (الغريغوري) الحديث الذي يختلف ب 13 يوما تقريبا عن التوقيت الروسي الذي يعتمد على التوقيت القديم قبل أن يغيره البابا الكاثوليكي، ولم يعترف به الروس الأورثوذكس.. هكذا وصل الجيش الروسي متأخرا، ولم يستطع انقاذ الجيش النمساوي.

بعد الهزيمة في أوسترليتز، لا شك أن العالم تفادى هذه الغلطة الكبيرة، وتم التنبه لذلك أولا، ثم تم توحيد التأريخ العالمي. فانتهت المشكلة، ليتفرغ العالم لمعارك أكبر وأكثر دقة ودموية في الحربين العالميتين، ثم ليكتشف الكبار أخطاءهم، ولم يعودوا يتحاربون على أراضيهم، بل نقلوا حروبهم إلى المستعمرات، وإلى الدول التابعة، ليحسموا التنافس بينهم في الخارج، حيث يموت الآخرون ليتفقوا هم.

نحن في العالم العربي، لم نتعلم الدرس الأول بعد، وما زال التوقيت بيننا وبين العالم يختلف في الإيقاع، إضافة إلى أننا نحارب بالكلمة عند الحاجة إلى المسدس، ونحارب بالمسدس عند الحاجة للبندقية، ونحارب بالبندقية عند الحاجة للمدفع، ونحارب بالمدفع عند الحاجة للطائرة، ونحارب بالطائرة عند الحاجة للكلمة.

وتلولحي يا دالية.

الدستور

الكلمات المفتاحية: مقالات