آراء ومقالات

سكّر الحكومة مع الدواء المر

هذه حكومة غامضة، حقا، إذ على الرغم من الحديث عن مصاعب مالية كبيرة، وارتفاع العجز والمديونية، خصوصا، مع قرب نهاية السنة المالية، إلا أن الحكومة ترسل مؤشرات متناقضة، عبر الحديث عن تحسين رواتب القطاع العام، خلال العام المقبل، إضافة إلى الإعلان عن عدم وجود نية لفرض ضرائب جديدة، مع قرارات قريبة بخفض ضرائب ورسوم مختلفة.
الغموض هنا، يرتبط بجانبين، أولهما أن سياسة التذمر من وضع الخزينة، سياسة معتادة، والأرقام تؤكد صعوبة الوضع، فيما السياسات التي لجأت اليها الحكومة مؤخرا، غير مضمونة، تماما، من حيث تأثيرها الإيجابي على التحصيلات المالية الحكومية، وفي كل الأحوال هذه الإجراءات التصحيحية مطلوبة، وتم التحذير مسبقا من قلة التحصيلات إذا زادت الضرائب والرسوم، وهو الأمر الذي حصل فعليا، وتحاول الحكومة اليوم، الخروج من تأثيراته بقرارات تحفيزية مختلفة، بما يعد اقرارا بفشل السياسات السابقة وكلفتها.
في كل الأحوال، ومع زيارة صندوق النقد الدولي، والتلميحات السلبية في بيان الصندوق، والتي تم ادراجها بنعومة بالغة، وعودة الصندوق مطلع العام المقبل، فإن علينا أن نتوقع إجراءات صعبة، في ذات توقيت القرارات التحفيزية الإيجابية، أو بعد هذا التوقيت بقليل، خصوصا، ان الصندوق تحدث عن سعر الكهرباء، وطالب بدعم القطاعات المنتجة التي تدخل الكهرباء في كلفتها، ومعنى الكلام الضمني هنا، ان هناك تخفيضا على قطاعات صناعية وانتاجية، ورفعا لسعر الكهرباء على المواطنين، والهدف تصحيح الاختلال، ومنح القطاعات المنتجة فرصة للتنفس، وتعويض النقص عبر فواتير المواطنين، خصوصا، مع ديون الكهرباء وخدمتها التي ترهق الأردن، وانهاء كل قصة دعم الكهرباء وفقا لمنطوق الرسميين الذين يصرون على وجود دعم للمواطنين.
قد لا يبدو الرابط واضحا، بين سياسات التذمر والشكوى من التراجع الاقتصادي، وإعلان ارقام العجز والمديونية، وما يستحق على الأردن من سداد للديون العام المقبل، مع تسرب أرقام فلكية مطلوبة من عمان الرسمية، مع إشارات التحسن الاقتصادي، مثل منح موظفي القطاع العام زيادات مالية، إضافة الى زيادات المعلمين، وغير ذلك من إجراءات تحفيزية اتخذتها الحكومة، وسوف تتخذ غيرها، خصوصا، ان هذه الإجراءات التي تعبر عن ندم حكومي بشأن الإجراءات السابقة التي جمدت الاقتصاد، وأوقفت انسياب التحصيلات المالية الى الخزينة، غير مضمونة النتائج تماما، وقد تؤدي إلى انعاش الخزينة، وقد لا تؤدي، وعلينا ان ننتظر عدة أشهر، لمعرفة النتائج.
هذا الغموض، يعبر عن عدة احتمالات، أولها اما أن هناك تخبطا في الفريق الاقتصادي، أو أن أرقام العجز والمديونية ليست دقيقة تماما، أو أن هناك مساعدات مالية مقبلة على الأردن، أو أن هناك مراجعة جذرية لكل السياسات الاقتصادية، وسندخل فترة حساسة تجريبية تختبر القرارات الجديدة، أو أن كل هذه الإشارات الإيجابية يراد لها أن تغطي على قرارات سلبية وصعبة ستأتي على الطريق بالتوازي مع هذه الإشارات الإيجابية، وتم حقن العصب العام بهذه الجرعة الإيجابية توطئة من اجل احتمال القرارات الصعبة التي لم يعلن عنها.
الاستخلاص الأساس، اننا أمام مشهد غامض، فسيفسائي، نركز فيه على قطعة واحدة في لوحة كبيرة، فيما هناك قطع أخرى في ذات المشهد الاقتصادي، يعرفها أصحاب القرار الرسمي، وسنراها تدريجيا خلال الأشهر الثلاثة المقبلة، لنعرف كيف يمكن الحديث عن ضغوطات لصندوق النقد الدولي، ومطالب لا بد من تنفيذها، خصوصا، على صعيد أسعار المياه والكهرباء، وربما ملف دعم الخبز، وتمويل الحكومة للعلاج في المستشفيات الحكومية، ودعم الجامعات، وفي الوقت ذاته يتم الحديث عن زيادات للموظفين، وعن جملة إجراءات حكومية تحفيزية مطلوبة، وقد تكون مضمونة النتائج، وقد لا تكون.
نحن إذا أمام مشهد غامض، لم تتكشف كل فصوله، ومازلنا بحاجة إلى عدة أشهر، حتى تتضح الصورة تماما، وحتى نعرف إذا ما كان نثر السكر هنا في الأجواء، توطئة للدواء المر المقبل على الطريق، ام أن هناك تغيرات فعلية، وهي تغيرات لا يمكن تفسيرها في ظل العجز والمديونية وتوقف المساعدات!

الغد

الكلمات المفتاحية: مقالات