جريدة الحدث عنان المحظوظ في مواجهة أبو عودة والحمارنة

سامح المحاريق يكتب: الوطن المكان الوحيد الذي لا يمكن طردك منه

عين نيوز (الحدث) – سامح المحاريق

بحكم خلفيته العائلية من طرف والدته، يقدم عنان نفسه بوصفه شيوعياً، إلا أنه في الوقت نفسه يدفع بنفسه من الكرسي الخلفي ليغلق الراديو عندما يسمع الآذان أو إقامة الصلاة، ولطفل في السابعة من عمره فإنه يشهد تشكل البنية التحتية لشخصيته وهويته وهو الأمر الذي أتابعه ملياً؛ أتابعه بهدوء وحذر ومتعة.

يحب عنان تحقيق الفوز، يغضب كثيراً إذا لحقت به الهزيمة، يمكن أن يفكر في الانسحاب من نشاط ما بأكمله لأنه لم يحقق المرتبة التي يسعى إليها، ولا يتردد في إلقاء اللوم على المدربين أو المعلمين أو الزملاء ليبرر الهزيمة أو الخسارة، وينخرط في نوبات اكتئاب عابرة تكلفني ترضيات من بنود لم أكن أعرفها في طفولتي، مثل الدراجون فروت، أو فطيرة كريب غارقة في الأوريو والنوتيلا، ولأنني كأي مواطن أردني ينتمي للطبقة الوسطى ويعيش واقع الهندسة الاجتماعية في عمان فإنني أحاول أن أعوض عنان عن حرمانه من اللعب في الشارع من خلال مشاركته اهتمامته ومنها قضاء ساعة يومياً وراء البلاي ستيشن نستغرقها في لعبة كرة القدم، وفي واحدة من النسخ ثمة فريق أردني، كان عنان، الذي يحس بالرغبة في الفوز يختاره، ويتركني ألحق به هزيمة مجانية لأنني أتخير البرازيل أو الأرجنتين أو ايطاليا، وببساطة يفسر عنان اصراره على المنتخب الأردني بأنه منتخبه وأن عليه أن يلعب به سواء حقق الفوز أو لحقت به الخسارة، أما في حالة الفرق فإنه يختار برشلونة أو باريس سان جيرمان ليتأكد من الفوز.

القضية محسومة لدى عنان، بأنه لا توجد قضية من الأساس، فهو أردني، يحب أن يرتدي الفانلة القطنية التي تتزين بعلم الأردن والتاج، ويعلن بأنه أردني لأقرانه الصغار لدى زيارة مصر، أو في أي نقاش مع طفل من الضيوف القادمين لزيارتنا من الخارج، ولكن مع ذلك، فالقضية لم تكن بهذه البساطة بالنسبة لي، فأنا ولدت خارج الأردن، ومثل مئات الآلاف من الأردنيين سافرت أسرتي للخليج العربي من أجل الحصول على فرصة عمل أفضل، وفي الإمارات التي كان يتزعمها رئيس عروبي، الشيخ زايد رحمه الله، كانت قضية تعريف نفسي مؤرقة بعض الشيء، فالثورة الفلسطينية لم تكن تلقت رصاصة الرحمة بعد، والانتفاضة الفلسطينية جعلت التعبير الفلسطيني على درجة عالية من الشيوع مرتبطاً بمسحة من التميز والفخر، صحيح أن أسرتي كانت تحررت من قلق أن يخرج ابنها الوحيد ليطارد هوس الثورة كما حدث مع آلاف من أبناء الفلسطينيين في الكويت، ولكنها بقيت تذهب إلى حفلات فرقة العاشقين السنوية وتتبرع أمي ببعض من الذهب والأموال من أجل تلك الثورة، بل وكنت أدعى تلقائياً بالفلسطيني، ويطلق علينا الزملاء المراهقين من الجنسيات الأخرى، مع السوريين واللبنانيين و(الأردنيين) وصف الزلمات، ومفرده زلمة.

كنا داخل ذلك المجتمع نمثل فئة صغيرة ممن استطاعوا أن يحتفظوا ببطاقة الجسور الصفراء، والتي كانت تستدعي أن نسافر إلى بلدتنا في الضفة الغربية مرة كل ثلاث سنوات، وإلا فقدنا الحق في دخول فلسطين مرة أخرى، وفي وسط ذكريات قليلة متبقية من تلك المرحلة من العمر، تلسعني مشاهد التفتيش الذاتي حيث كنت أخضع مع أمي وشقيقاتي لحفلة تعرية من قبل مجندة اسرائيلية لتفتيشنا، الأمر الذي جعل دخول البلاد، على الرغم من الحفاوة والترحيب من الأقارب الذين لم يرحلوا عن قريتنا، أمراً مرتبطاً بكثير من المهانة والإذلال.

كنت أعتقد وقتها أننا ندخل جزءاً محتلاً من الأردن، لا أعرف سبب ميكانيكية الفكرة، ربما لأن أبناء عمومتي كانوا يدرسون المناهج الأردنية، وكان الدينار الأردني عملة شائعة التداول مثل الشيكل الإسرائيلي، وقتها لم أكن مطلاً ولا بأي صورة على جدلية مريرة وعاصفة بدأت في مؤتمر الرباط 1974 وأخذت تتصاعد وصولاً إلى محطة قرار فك الارتباط 1988، ولم أكن أعرف أن حياتي تتغير عملياً مع ذلك القرار بصورة بقيت غير مطلٍ، وما زلت، على كل تفاصيلها.

أصبحت مشجعاً لنادي الفيصلي قبل أن أفكر أن موضوع الهوية يتطلب حسماً من نوع مختلف، والقصة ببساطة أتت عندما نظم نادي الوحدات البطولة العربية للأندية 1996، وكنت وقتها في سنة دراسية انتهت بفشل ذريع نتيجة عدم قدرتي على التأقلم مع الأجواء في الأردن، وعجزي عن فهمها، وما حدث ببساطة هو خروج نادي الوحدات من الدور الأول، ووصول نادي الفيصلي إلى المباراة النهائية وبالطبع لأن العلة كانت في الذهاب إلى استاد عمان والاندماج مع المشجعين المتحمسين، فكان تشجيع الفيصلي استجابة غرائزية بعيدة عن أي تأزم في الهوية.

حملت جواز سفر أردني وتركت أوراقي لدى الجامعة وذهبت للدراسة في مصر، لأننا كنا نمتلك منزلاً في الاسكندرية، ثم أنني كنت أكثر قدرة على التعامل مع البيئة السكندرية، وما زلت حين الغضب أتلفظ بكلمات (اسكندرانية) صميمة، وفي مصر، حيث لم يكن الناس يعرفون عن الأردن سوى معلومتين، الأولى هي أن الملك الحسين هو داهية من طراز رفيع، والثانية، هي أن البنك العربي مؤسسة أردنية، إلا أن الحاحاً مصرياً في البحث عن التمييز بين الفلسطيني والأردني كان يمثل ضغطاً كبيراً تجاهي، والأردن ليس طرفاً أصيلاً في السؤال، فالمصريون تتوزع أهواؤهم تجاه فلسطين بين عشق مفرط وكراهية عمياء.

أردني من أصل فلسطيني، كانت تعني أنني فلسطيني، أو كانت تفتح مزيداً من الاستيضاح في موضوع لا أعتبره ضرورياً، إلا أن الفضول الذي دفعني إلى متابعة تاريخ الثورة الفلسطينية ومحطاتها المختلفة، بالإضافة إلى زيارة محبطة للضفة الغربية بعد اتفاقيات أوسلو، دفعني إلى ترتيب الحقائق على النحو التالي:

بداية، دخلت مصر بجواز سفر أردني، ودون ذلك الجواز لكنت احتجت لإجراءات مطولة في أمن الدولة وغيرها من المواقع غير المستحب التعرف عليها في مصر.

يلي ذلك، أنني وجدت قراراً مثل فك الارتباط مجافياً لأي منطق سياسي أو قانوني، وأن الملك حسين رحمه الله، كان يعمل في خضم نكايات ومزايدات ومناكفات غير مسبوقة على المستوى العربي، فالأردن كان فعلياً الدولة التي انتزعت منها الضفة الغربية نتيجة فعل عسكري، وأنه بقي الجهة التي تتحمل العديد من المسؤوليات في الضفة الغربية قبل وبعد قرار فك الارتباط.

في درجة أقل من الأهمية، لم أكن راضياً عن السلوك الفصائلي للطلبة الفلسطينيين، وعملية التعويض النفسي الذي يختصر قضية وطنية إنسانية كبرى في مجرد تنظيم يمكن أن يتشكل في سهرة أو جلسة أو حتى في حوار على قارعة الرصيف.

قدمت نفسي أردنياً، وكان لدي إصرار على ذلك، صحيح أنني لم أكن أعرف الأردن بصورة جيدة، ولكن تصوراتي كانت تعكس قناعاتي، وكان علي أن أتخير محطتي التالية لمصر، وبينما كان من المتوقع أن أرتحل للإمارات حيث كانت تعبر مرحلة نمو اقتصادي هائلة، وأنا أعرفها جيداً فقد نشأت طفولتي إلا العطلات الصيفية في مدينة العين الهادئة، وأعتقد أنني كنت سأستفيد من استئناف صداقاتي القديمة هناك، إلا أنني قررت أن أعود إلى الأردن لأحسم صراع الهوية في داخلي، ربما الكلمة المناسبة، هي قررت أن أجيء إلى الأردن، أياً يكن، اتخذت قراري وبدأت علاقة جديدة من الصفر تقريباً أسعى لفهم كل التفاصيل على طريقتي وأبني الذاكرة التي لم تكن في مكان ما.

وقتها كنت أعرف الوطن على أنه المكان الوحيد الذي لا يمكن طردك منه، فقط يمكنهم أن يودعوك في السجن، وربما يعود ذلك لبعض الذكريات الطفولية حيث كانت مصر بين وقت وآخر تطرد الفلسطينيين، بينما كانت الإمارات تقوم بترحيل الوافدين الذين يرتكبون مخالفات قانونية، في الأردن كنت أجد حائطاً أخيراً، ليكن حائطاً مائلاً أو ينخره السوس، واجبي في النهاية أن أحافظ عليه.

بالنسبة لفلسطين، المسألة تتعدى الواجب أو القناعة، أو حتى علاقة المواطنة القائمة على الحقوق والواجبات، فقد دفعني القدر لأن أكون وريثاً ثانياً لرجل أفنى عمره وهو يحاول أن يقتني قطعة أرض هنا وأخرى هناك، فلا يوجد قوة أخلاقية في العالم يمكنها أن تدفعني للتنازل عن هذه الأرض، وهذه التضحيات والتاريخ لمهاجر أتى من بولندا أو أوكرانيا، هذه مسألة مبدأ ومسؤولية أحملها على أكتافي، ولكن لم تكن أبداً مسألة ذاكرة أو هوية أـو وجود.

عنان محظوظ لسببين، الأول، كما أسلفت فهو لا يشعر أصلاً بوجود هذه القضية، ولد في الأردن ويحمل ذاكرة أردنية خالصة، والثاني، لأنه يبدو غير ميال للقراءة ولن يضطر لقراءة كثير من التنظيرات التي يكتبها عدنان أبو عودة ومصطفى حمارنة وآخرون.