غير مصنف

ساحات حرب أم جامعات؟!

عين نيوز – كتب – نضال منصور /

لو سألت طلبة الجامعات الأردنية قبل عقود: هل تقبلون ببوابات إلكترونية حتى تتمكنوا من دخول الجامعة؟ لرفضوا بصوت واحد هذا الإجراء الذي يمنع تواصلهم مع مجتمعاتهم. فقد كانت الجامعات منارات للتغيير، ويكفي أن ننظر إلى جامعة اليرموك كيف أسهمت في بناء نهضة في المجتمع لا يمكن نكرانها.

اليوم تضع الجامعة الأردنية بوابات إلكترونية وهويات ممغنطة، ولا يستطيع الطالب أن يعبر بواباتها من دون هذه البطاقة، بل لا يستطيع الدخول والخروج قبل مرور نصف ساعة. والهدف منع دخول “الزعران” للجامعة. ولا يستنكر أحد هذا الإجراء، بل تسلم به الغالبية، لعل وعسى توقف أو تقلل من فضائح “الطوش” والمشاجرات التي تستخدم فيها العصي والسكاكين والحجارة بشكل مخز يندى له الجبين!

الأمهات يودعن أبناءهن الذاهبين إلى الجامعات كأنهم يذهبون لساحات الحرب، فلا أحد يعلم ماذا سيحدث اليوم، وعلى ماذا سيتشاجر الطلبة، ومن هي العشيرة التي ستطلق شرارة الحرب، وما هي الذريعة التي ستشعل حرب داحس والغبراء!

أحسن رئيس جامعة اليرموك، الدكتور سلطان أبوعرابي، باتخاذ أشد العقوبات بحق 78 طالباً. وننتظر من رئيس الجامعة الأردنية، الدكتور عادل الطويسي، أن يتخذ إجراءات حاسمة لتطبيق القانون، ونتمنى أن لا تتوجه الجاهات إلى الجامعات للتوسط لإعادة الطلبة المفصولين أو تخفيف العقوبات بحقهم.

أزمة الجامعات أعمق من أن يحلها تطبيق عقوبات حاسمة بحق الطلبة رغم أهميتها، فهي انعكاس لأزمة مجتمع تنخره العصبيات العشائرية والجهوية والإقليمية، وتتراجع فيه قيم ومفاهيم المواطنة، وتداس مبادئ سيادة القانون من دون مراسيم للحداد!

درست في جامعة اليرموك منذ العام 1979 ولم أشهد مشاجرة واحدة بين الطلبة، سواء على خلفيات عشائرية أو بسبب التحرش بزميلة. ولم نكن يوماً نميز الطلبة حسب أصولهم ومنابتهم، وكانت الحركة الطلابية يداً واحدة رغم كل الاختلافات السياسية.

التخريب الذي لحق بالجامعات كان، وللأسف، مبرمجاً وتدريجياً، وكان يستهدف الانقضاض على الحركة الطلابية السياسية النشطة. ولقد نجح ذلك، لكن في طريق دمرت الجامعات.

القضاء على العنف الجامعي واستعادة الجامعات لدورها يحتاج -مثلما يحتاج التغيير في الأردن- إلى إرادة سياسية أولاً، وامتلاك الجرأة والشجاعة للمواجهة مهما كانت الكلفة والثمن.

لا يمكن إصلاح حال الجامعات من دون استقلاليتها ووقف كل أشكال التدخلات فيها، بدءاً من سياسات القبول مروراً بتعيين الأساتذة الجامعيين. فأول الخطوات التي خربت الجامعات كان عزوف الأساتذة عن التفاعل مع البيئة الطلابية، في حين كان الأساتذة في السبعينيات والثمانينيات عنصراً فاعلاً في التغيير والتشارك مع الطلبة في صناعة الأحداث، فمن ينسى أن أساتذة جامعة اليرموك هم من احتضنوا الطلبة وقت الأحداث ودافعوا عنهم وتعرضوا للعقوبات!

تعرف الحكومة وإدارات الجامعات الخطوات المطلوبة للتقدم على طريق الحل، ولكن من يقرع الجرس، من يطالب بالحريات الأكاديمية، من يشرع حرية العمل السياسي للطلبة والأساتذة، من يوقف التدخل بانتخابات الطلبة خوفاً من تيار سياسي قد يفوز بأغلبية المقاعد، وما المشكلة في ذلك، فلقد كان اليسار والقوميون يسيطرون على الجامعات قبل ما يزيد على الثلاثين عاماً، وكانت الجامعات أفضل بكل المقاييس؟

المشكلة ليست في حرية العمل السياسي الجامعي فقط، بل في الضعف الأكاديمي أيضاً. فالطلبة حتى الآن لا يعرفون طريقاً للمكتبات أو البحث العلمي، والأساتذة في غالبيتهم يعتمدون على التلقين ويحثون الطلبة على شراء كتبهم، وآخر هم الجميع خلق جيل منفتح مبدع قادر على الإنجاز والعطاء.

الشكوى والبكاء على أطلال الجامعات لن يحل الأزمة التي تتفاقم، وما نريده حلول لمشكلات معروفة وليس الانتظار حتى خراب مالطا!

الكلمات المفتاحية: ساحات حرب أم جامعات؟!