آراء ومقالات

دعهُ يحمّض

يتبادل كثيرٌ من الناس عبر (فيسبوك) طرق عمل اللبن الرايب، واللبن (القطيع)، والجبنة، والشنينة، وحتى سرّ صنعة الجميد والكشك. وكأن هذا استعداد لخوض عملية مقاطعة شاملة لمنتجات الألبان التي أعلنت شركاتها المنتجة رفعاً لأسعارها بنسبة عالية وغير مبررة أو معقولة.

يختلفون ويتخالفون، وتكون قلوبهم حامية على بعضهم، ولكنها يتفقون على شيء واحد. كيف يحلبون المستهلك ويقطعون خميرته. هكذا هي حال كثير من التجار واصحاب المصانع لدينا. يتنافسون بضراوة بينهم ويتفقون علينا. وإلا ما معنى أن يحتمعوا ويقرروا رفع أسعارهم في سابقة خطيرة، لا تتفق مع مفاهيم السوق المفتوحة، ولا مع مبدأ التنافسية. وكل هذا تحت بصر الجهات المعنية. فالمستهلك هو الحلقة الأضعف، وهو الحيط الواطئ الذي يقفز عنه كل قافز.

فلو شعرت شركات الألبان أن المستهلكين يمكنهم أن يكونوا على قلب رجل واحد، وينفذوا عملية مقاطعة صارمة، ليومين أو ثلاثة أيام فقط، لما جرؤت على اتفاق يسحق مواطنا مسحوقا أصلا.

في معمعة هذه الرفعة نعرف أن أصحاب مزارع الأبقار، لن ينالهم شيء. والسبب أن هناك مصانع لا تستخدم الحليب الطازج في منتجاتها إلا بنسب قليلة وتستخدم حليب البودرة المستورد خصيصا لتسمين العجول، بالتشارك مع الزيوت المهدرجة والنشا وغيرها من المواد الرخيصة. وكأن هذه المصانع تريد ربحا فوق الربح.

قبل ثلاثة أسابيع تنبأت في هذه الزواية بفشل حملة مقاطعة الدجاج. ويومها لامني بعض اللائمين من أنني أكسر مجاديف الناس. ولكني لم أكتب ذلك إلا من خلال درايتي الأكيدة بعدم قدرتنا كمجتمع على المقاطعة. ولهذا بقي الدجاج على سعره بل زاد. فيبدو أننا سريعو التأقلم مع كل سعر جديد، ولا نجنح للمقاطعة التي نحسبها نوعا من العصيان. مع أنها سلاح فتاك يستطيع أن يذل صاحب أية سلعة.

نحن (فرديون) بكل معنى الكلمة، و(كل شنده في بنده) كما يقول المثل، أي كل يذري قمحه إذا طاب هواؤه، ولا شأن له بالآخر، أي نفسي وبعدي الطوفان، فالواحد منا يكون ناجحاً ومتفوقاً وهو يعمل بصورة فردية، ولكنه لا يستطيع أن يكون عضوا فاعلاً بذات الكفاءة في فريق عمل أو حزب، ولهذا لن تجدي نفعاً كل الدعوات، بأن نكون يدا واحدة لنقاطع ونلتزم. فكل دعوة عرضة للخرق. فقلوبنا شتى وقلوبهم على قلب رجل واحد.

أتمنى أن تنبثق فينا صحوة اجتماعية تصنع هيبة للمستهلك وتحفظ حقه. وأتمنى نجاح هذه الحملة، وأن يحمّض اللبن الرايب في أقبية مصانعهم.. (أرخصوا الأشياء بتركها).

الكلمات المفتاحية: رمزي الغزوي