آراء ومقالات

الحكومة في خندق أعداء الصحافة

نضال منصور

نضال منصور

 

نضال منصور
نضال منصور

لم يحرج وزير الدولة لشؤون الإعلام والاتصال الزميل طاهر العدوان باستقالته حكومة الدكتور معروف البخيت فقط، بل دق المسمار الأخير في جسدها الذي تحاصره الأزمات من كل صوب.

استقالة العدوان كشفت بشكل واضح أن شعارات الحكومة بدعم حرية التعبير والإعلام لا تقترن بالأفعال، وان جديتها بالإصلاح السياسي لم تعد تقنع أحدا، وأن قدرتها على الاستمرار في ظل معركة أكيدة مع البرلمان ومعركة محتومة مع الإعلام أمر مشكوك به.

انتصر العدوان لقناعاته ومبادئه، ورفض أن يستخدم بيدقا لضرب الحريات الإعلامية، وأماط اللثام في وقت حرج عن مخطط الحكومة لسن تشريعات مقيدة للحريات الصحفية ضاربة بعرض الحائط كل الوعود والضمانات بتوسيع هامش الحريات، والأدهى من ذلك أن الحكومة تنقلب على الإستراتيجية الإعلامية التي أعدتها ولم يجف حبرها، والتي وعدت بمراجعة التشريعات الإعلامية لخلق فضاء قانوني يتواءم مع المعايير الدولية.

والتساؤل المشروع لماذا تتجرأ حكومة معروف البخيت على تقديم مشاريع قوانين للبرلمان تتضمن عقوبات سجن للصحفيين وغرامات مالية مغلظة في زمن الثورات الذي كان الإعلام الالكتروني والفضائيات ومواقع التفاعل الاجتماعي اللاعب الأبرز فيها.

هل فعلتها الحكومة ورئيسها وحدهم أم أن هناك لاعبين تحدث عنهم الوزير العدوان ولم يسمهم كانوا وراء هذا السيناريو الذي يعيد الإصلاح إلى المربع الأول؟!

بعد اليوم لن أقتنع بأي كلام عن الإصلاح تتحدث عنه حكومة البخيت، ولن أشارك في حوارات أو اجتماعات تدعو لها، فلقد استنزفوا جهدنا ووقتنا باجتماعات للإعداد للإستراتيجية الإعلامية، وقبل أن ندير ظهورنا انقلبوا علينا وأجهضوا ما أرادوا ترويجه للعالم بأنه كسب ونصر كبير للحريات!

وأسأل مستشار جلالة الملك لشؤون الإعلام والاتصال السيد أمجد العضايلة الذي اتصل بنقيب الصحفيين ليؤكد أن الرؤية الملكية لا تقر أي قيود على حرية الإعلام أو عقوبات بالسجن… لماذا لا يلتزم رئيس الحكومة بتوجيهات جلالة الملك .. وهل هناك قوى خفية تدير المشهد وتريد الإضرار بصورة الأردن وتعميق الأزمة والقطيعة مع الشارع؟!

لم نطلع على تفاصيل مشروعي قانوني المطبوعات والنشر والعقوبات، ولكن ما أشار إليه الوزير العدوان في اتصاله معه بأن هناك تعديلات شاملة تمكن الحكومة من حجب وإغلاق المواقع الإخبارية الالكترونية، وهي المستهدفة أولا في حزمة التعديلات القانونية.

لا أستغرب أن تفعل حكومة البخيت ذلك بعد محاولات متكررة لتأديب المواقع الالكترونية، والنتيجة كانت الفشل لأن القضاء كان منصفا ومساندا لحرية الإعلام.

يكفي أن نطالع مشروع قانون هيئة مكافحة الفساد لنعرف مدى التغول الذي تريده الحكومة على الإعلام، وقراءة نص المادتين 23، 25 من مشروع القانون تؤكد بشكل واضح أن الهدف هو تكميم الصحافة، “فكل من أشاع أو  عزا أو نسب دون وجه حق يعاقب بالسجن ستة شهور وبغرامة لا تقل عن ألف دينار، ولا تزيد عن خمسة آلاف دينار”.

وفي المادة “25” يعاقب كل من أفشى معلومات متعلقة بهوية أو بأماكن وجود المبلغين أو الشهود أو المخبرين أو الخبراء بالحبس مدة لا تقل عن سنة وبغرامة لا تتجاوز عشرة ألاف دينار.

وهذا يعني أن أي صحفي يخطأ في نشر معلومات عن فساد محتمل سيتعرض للسجن والغرامة، وأيضا كل من ينشر معلومات عمن يبلغ عن قضايا فساد أو شهود قدموا إفادتهم فإنهم سيتعرضوا لعقوبة السجن والغرامة.

وبصراحة هذا يفرض سياجا من الكتمان على الفساد ويزيد من مخاطر إذاعة أية أخبار عنه، وهو يخالف كل التوجهات الدولية ويخالف المبدأ الأساسي المقر في العالم بأنه لا عقوبات جزائية على الإعلام والصحافة، وحتى التعويض المدني يكون لجبر الضرر وليس للإثراء.

الحكومة الآن فتحت على نفسها معركة مع الإعلام هي في غنى عنها، وحتى لو تراجعت الحكومة عن مشروعي قانوني المطبوعات والنشر والعقوبات فان هذا لن يحسن من صورتها عند الصحفيين، فنحن لم نعد نثق بنوايا الحكومة فقد وضعت نفسها في خندق أعداء الصحافة.

 

الكلمات المفتاحية: استقالة- اصلاح سياسي- اعداء الصحافة- العدوان- المواقع الاخبارية- برلمان