آراء ومقالات

حسابات معقدة.. الملك يخرج من الأزمة

فهد الخيطان

الحسابات معقدة للغاية، وليس من السهولة بمكان اتخاذ قرارات حاسمة. إقالة الحكومة قبل حل البرلمان لم يكن ممكنا، والتعجيل بالخطوتين قبل التأكد من إجراء الانتخابات خلال أربعة أشهر ينطوي على مجازفة، قد تضطر معها الدولة إلى القبول بعودة المجلس المنحل، في حال لم تتمكن الهيئة المستقلة للانتخاب من الوصول إلى النسبة المقبولة لإجراء الانتخابات.

 

في المقابل، لا يستطيع الملك أن يتجاهل عريضة الأغلبية الساحقة من النواب، والتي تعني من الناحية العملية سحب الثقة من الحكومة. ففي حالتين سابقتين استجاب الملك لطلب النواب، وقبل استقالة حكومتي عبدالرؤوف الروابدة ومعروف البخيت الثانية.الحسم إذن متعذر لكل هذه الاعتبارات. ولذلك، لجأ الملك إلى خطوة تكتيكية ذكية كمخرج من الأزمة؛ تجميد قرار رفع أسعار المحروقات، مقابل ترحيل الأزمة إلى أن يحين موعد رحيل الطرفين؛ الحكومة والبرلمان.

 

الحسابات معقدة أيضا مع الشارع الغاضب من قرار الحكومة المباغت برفع الأسعار، وكان لا بد من أخذه في الاعتبار، خاصة بعد موجة الاحتجاجات التي شهدتها العاصمة ومدن المملكة مساء السبت الماضي، والمخاوف المدعومة بالمعلومات عن نية قوى حزبية وحركات شعبية تصعيد احتجاجاتها نهاية الأسبوع. في المحصلة، انتصرت المعادلة الأمنية على معادلة الأسعار.

 

الرأي العام، وفي هذه اللحظة تحديدا، لا يعنيه بقاء الحكومة أو رحيلها؛ ما يعنيه أكثر هو أن لا يتحمل المزيد من الأعباء الاقتصادية. بهذا المعنى، فإن قرار تجميد الرفع يصب في مصلحته، وينفس حالة الاحتقان.لكن التغلب على الأزمة بالتجميد يدخلنا في معادلة حسابية أكثر تعقيدا.

 

رفع الدعم عن معظم السلع هو جزء من حزمة الشروط السرية التي التزمت بها الحكومة مقابل الحصول على قرض دولي بقيمة ملياري دولار، تسلم الأردن الدفعة الأولى منه قبل فترة وجيزة، وكان يستعد لاستلام الدفعة الثانية بعد رفع أسعار المشتقات النفطية. وليس معروفا بعد إن كان صندوق النقد الدولي سيعتبر التراجع عن قرار رفع الأسعار إخلالا بشروط القرض، وبالتالي يمتنع عن تحويل الدفعة المالية التي تنتظرها الحكومة على أحرّ من الجمر.

 

تعقيدات الحسبة لا تقف عند حد انهيار ثقة الصندوق بقدرة الحكومة على الوفاء بوعودها، وإنما في قدرة الحكومة مستقبلا على تمرير قرارات جديدة لرفع الأسعار. فالرأي العام، ومعه قوى في المعارضة، يشعر أن الاحتجاج على قرار رفع الأسعار والتلويح بإجراءات تصعيدية قد أثمرا هذه المرة، وسيكون من الصعب على الحكومة العودة عن قرار التجميد تحسبا من ردة الفعل في الشارع.

 

الحكومة وضعت نفسها في خانة الحسابات الضيقة من البداية، عندما قطعت على نفسها وعودا مع صندوق النقد الدولي بدون أن تطلع الرأي العام عليها، أو تتشاور مع البرلمان بشأنها. فقد عقدت صفقة خطيرة، وبشروط ثقيلة، من وراء ظهر الجميع، في مرحلة تتطلب أعلى درجة من الشفافية والمكاشفة والمشاركة في صنع القرار.

 

وجد الملك مخرجا من الأزمة التي كادت تعصف باستقرار البلاد بسبب قرار حكومي متهور، لكننا في اليوم التالي لقرار التجميد لا نعرف ما الذي سنفعله في مواجهة استحقاقات الوضع المالي الصعب، ونجهل خريطة الطريق للأسابيع القليلة المقبلة.

الكلمات المفتاحية: حسابات معقدة.. الملك يخرج من الأزمة- فهد الخيطان