آراء ومقالات

جوليانو مير خميس شهيدا وشاهداً

 

الياس خوري

عزيزي جوليانو… ارجو ان تقبل اعتذاري، جاء اغتيالك في غير ميعاده، فالدم يسفك في كل ارض العرب، دم يصبغ الحرية بلونه، ويغطي عيوننا، ونحن نرى كما لم نر من قبل، كيف يولد عالم عربي جديد، انتظرناه طويلا.

او لنقل ان موتك المأسوي جاء في ميعاده، معلنا انك كنت الضحية الرمزية الفلسطينية، التي جعلت من الحرية مسرحا واسما آخر لمخيم جنين، فاختلط دم الممثل بدماء المشاهدين.

جاء موتك اغتيالا كي يترك بصمة المثقف والفنان على هذا المدى العربي، معلناً ان الثقافة في ‘شرق المتوسط’ كانت امينة على قيمها الأخلاقية ولم تنحن للاحتلال والطغاة و’فقهاء الظلام’.

قتلوك منذ اربعين يوما وانت على باب مسرح ارنا، الذي اسميته مسرح الحرية، وكان باباً لشمس الحرية التي صنعها اولاد ارنا، وهم يستشهدون واحدا بعد الآخر، في ملحمة مخيم جنين البطولية، التي انطلقت من مسرح صغير للأطفال، اسسته امرأة يهودية تدعى ارنا مير.

هل تذكر ماذا فعل بنا فيلمك ‘اولاد ارنا’، حين شاهدناه للمرة الأولى في مهرجان ‘ترايبيكا’ في نيويورك، وكيف خرجنا من القاعة ونحن نرتعش بمزيج الأسى والذهول. يومها نال فيلمك جائزة ‘الفيلم الاول’، ويومها ضحكنا وانت تقول لي انه سيكون الفيلم الوحيد. هل قلت ان ‘اولاد ارنا’ سيكون فيلمك الوحيد، ام انك اجبت لا مباليا حين قلت لك ان هذا ليس فيلما، انه حياة كاملة، وسألتك كيف ستصنع افلاما بعد هذا الفيلم، فأجبت انك لا تعرف؟

لا ادري فالتباسات الذاكرة تقودنا الى متاهات لا نعرف كيف نسلك فيها. لكن ما لا يعرفه دعاة التمسك بالذاكرة، هو ان ما نسميه ذاكرة فلسطين ليس جزءا من ماضٍ انطوى، بل هي الحاضر الذي نعيشه. لم يأخذنا فيلمك الى ذاكرة الماضي، بل الى حاضر الذاكرة. ابطالك جميعا، ومن بينهم ارنا نفسها، لم يتذكروا الموت والنكبة والخراب، بل عاشوه امامنا، وعشناه معهم ومن خلال موتهم.

كانوا اطفالا يمرحون بالمسرح الذي اسسته امك الاسرائيلية اليهودية وهي تصرخ بكلمة حرية، وتلدغ حرف الراء، مثلما يفعل اليهود الاشكناز، ثم كبروا، وقاتلوا، وصنعوا واحدة من اكبر ملاحم تاريخ فلسطين اسمها مخيم جنين، وسقطوا شهداء واحدا بعد الآخر برصاص المحتل الاسرائيلي. قادوا كتائب شهداء الأقصى، واستعادوا بهاء الفدائيين الذي افتقدته فلسطين، قبل ان يستشهدوا. وكنت انت يا عزيزي الشهيد الأخير، كي تكتمل حكاية الفيلم التي بقيت مفتوحة.

هل كان لا بد من هذا الموت يا جوليانو كي تكتمل الحكاية؟

ولماذا على الحكايات ان تكتمل دائماً، ويكون صانعوها هم ضحاياها؟

قصتك يا جوليانو يجب ان ‘تُكتب بالابر على مآقي البصر’، مثلما علمتنا شهرزاد. رويت لي الحكاية مرات لا تحصى، حكايات والدك المناضل الشيوعي صليبا خميس، وحكايات امك ارنا التي انتقلت من البالماح الى ملاقاة فلسطين في المخيم، وحكايات جدك الطبيب اليهودي. رويت وانت تضحك ساخرا من رواية سامي ميخائيل ‘ملجأ’، التي شوهت حكاية عائلتك، واخبرتني عن اقامتكم في براغ وعن عائلة حملت في داخلها التواريخ الفلسطينية المتناقضة، لكنها لم تنس يوما ان العدالة والحرية وحدهما يعطيان حياة الانسان وموته معانيها.

لا لن اروي الحكاية الآن، ليس لأن الموت لا يستدعي الحكايات، بل على العكس، فالموت يشبه النوم، في انه مؤلف كل الحكايات، ولكن لأنني لا ازال مذهولا وحزينا وعاجزا عن الكلام.

اعرف لماذا قتلوك، لكنني لا افهم.

هل ثمن مسرح انطلقت منه المقاومة، هو موت صانعه؟

من هم هؤلاء القتلة الذين يعتقدون ان ‘اليس في بلاد العجائب’ او ‘حديقة الحيوانات’ تهدد معتقداتهم؟

من هم هؤلاء الذين يحملون السلاح الذي شرعنته المقاومة، مقاومتك انت واولاد ارنا، كي يقتلوا به روح المقاومة؟

لا اريد ان اصدق الاصدقاء الذين قالوا وهم يحبسون دموع موتك في مآقيهم ان لم يعد هناك من امكنة لهم في فلسطين او في المجتمع الاسرائيلي.

لا يا عزيزي كل الأمكنة لك ولهم، لأنكم صنعتم المكان بكلماتكم ووقع اقدامكم على الأرض.

لكن ثمن تأسيس امكنة الحرية كبير جداً.

وثمن التحرر من الهويات المقفلة كبير هو ايضاً.

لا لم يقتلوك لأن امك يهودية، فأمك تشرّف فلسطين بنضالها، بل قتلوك لأنك فلسطيني. ارادوا ان يقتلوا فيك هذه الفلسطين الجديدة الحرة والمتحررة. ارادوا ان يقتلوا خيارك الفلسطيني لأن لا شيء يشبه الاحتلال الاسرائيلي اكثر من التزمت والانغلاق والتقوقع.

لا اعرف يا عزيزي ماذا اقول لك وانت في ضجعة الموت، لكني اريد ان اخبرك ان الدم يغطي الوجوه في درعا وبانياس وحمص، وان مسرح الحرية اليوم هو كل العالم العربي، من تونس الى مصر الى سورية. وان موتك شهادة لك ولنا عن معنى المقاومة بوصفها تغييرا في الثقافة والحياة.

وفي النهاية اريد ان اقول لك ايها الحبيب المكلل بهالة الغياب، اننا اليوم كلنا اولاد ارنا، ارجوك ان تطلب من ارنا ان تقبلنا اولادا نتابع طريق ابنائها الشهداء

الكلمات المفتاحية: القدس العربي- الياس خوري- حرية- شهيد- مقالة