جريدة الحدث التوقيع على بروتوكول مناهضة التعذيب وإلغاء عقوبة الإعدام ومنع زواج القاصرات أبرز ما رفضه الأردن

جردة حساب بعد الاستعراض الدوري الشامل لحقوق الإنسان

  • تراجع حاد في قبول الأردن لتوصيات العالم حول حقوق الإنسان في المملكة
  • تقرير الحكومة عرض المنجزات وتجاهل التحديات والانتهاكات
  • قضايا اللاجئين ومجابهة التطرف تبرد على وقع التغييرات في سوريا

عين نيوز (الحدث) – رياض الصبح

انتهت مؤخرا مناقشة تقرير الأردن للمراجعة الدورية الشاملة لحقوق الإنسان لعام 2018 من قبل 98 دولة في مجلس حقوق الإنسان، قدمت ملاحظاتها وتوصياتها للأردن، قدمت بموجبها الدول 226 توصية، قبل الأردن منها 131 توصية، ورفض 74 توصية، ووضع قيد الدراسة 21 توصية.

ما هي هذه التوصيات؟ وكيف ينظر المجتمع المدني للموقف الأردني منها؟ ماذا كانت منظمات المجتمع المدني تتوقع؟. في مقاله التالي يستعرض الناشط والحقوقي والمحامي رياض الصبح، أبرز الملاحظات على نتائج المناقشة التي شهدتها أروقة جنيف خلال المراجعة الدورية الشاملة، وما نتج عنها من توصيات.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

  1. شكلت التوصيات المقبولة من قبل الحكومة ما نسبته 58%، مقارنة في قبول الحكومة لتوصيات 2013 ما نسبته 73%، وهو ما يعد تراجعا في موقفها في قبول التوصيات الخاصة بحقوق الإنسان، وقد صدر موقف الحكومة مباشرة بعد صدور التوصيات علما انه كان بإمكانها الإنتظار حتى شهر مارس 2019 والذي كان من المأمول اعطاء فرصة اكبر للتباحث والتشاور مع مختلف المؤسسات الحكومية ومنظمات المجتمع المدني، ولكن كان لسمة الإستعجال ان كان الموقف من التوصيات ضعيفا وغير مشجع تجاهها.
  2. جاءت نسبة كبيرة من التوصيات بشكل مباشر ومنضبط، وكانت بشكل او بآخر افضل من توصيات المراجعة لعام 2013، ويحسب لتقارير وتوصيات منظمات المجتمع المدني الأردني انها كانت دقيقة ومباشرة وكان لها الأثر البارز في ذلك.
  3. تركزت معظم التوصيات على قضايا حقوق المرأة وتمكينها بكافة المجالات وبشكل خاص تأكيد مطلب منح المرأة الأردنية لحق الجنسية لأبنائها، والغاء عقوبة الإعدام، وانهاء او تخفيف التوقيف الإداري، ومحاسبة الجناة على قضايا التعذيب ومواءمة تعريف التعذيب حسب القانون الدولي، اعادة النظر بمشروع خطاب الكراهية في قانون الجرائم الإلكترونية وعدم الحبس لقضايا حرية الرأي والتعبير وحماية المنظمات من التضييق عليها، حماية العمال المهاجرين ومكافحة الإتجار بالبشر، المصادقة على الإتفاقيات الدولية التي لم يصادق الأردن عليها بعد وخاصة البروتوكولات الملحقة بالإتفاقيات واتفاقية العمال المهاجرين واتفاقية حماية حقوق الأشخاص من الإختفاء القسري وتمكين الأشخاص ذوي الإعاقة من حقوقهم.
  4. خبت الى حد ما قضايا اللاجئين ومجابهة التطرف من المناقشات والتوصيات، ويبدو مرد ذلك الى تراجع اهمية هذين الملفين لتلك الدول بناء على تراجع الصراع الدولي عليهما بعد التغييرات الاخيرة في سوريا.
  5. اتسمت الدول المتقدمة عموما بتوصياتها المنضبطة والمباشرة وعكست الى حد كبير مطالب المجتمع المدني الأردني.
  6. اتسمت توصيات الدول العربية بالمجاملة والعامة والثناء على انجازات الحكومة والتركيز على قضايا غير حساسة بالنسبة للحكومة الأردنية.
  7. ان التوصيات التي رفضتها الحكومة تركز في قضايا الغاء عقوبة الإعدام، منع زواج القاصرات، المصادقة على الإتفاقيات الأخرى التي لم يصادق عليها الأردن، والتي تتناول اتفاقية العمال المهاجرين، وحرية التنظيم النقابي، وبروتوكول الملحق بسيداو، وازالة التحفظات على سيداو، المساواة في الحقوق في الحياة الأسرية بين المرأة والرجل، واعادة النظر بموضوع خطاب الكراهية في قانون الجرائم الإلكترونية، مجابهة التمييز بكافة اشكاله، و تدريب وتطوير مهارات فريق التنسيق الحكومي لحقوق الإنسان الذي يمثل الوزارات والمؤسسات والهيئات الرسمية والحكومية والأمنية. والغريب ان يكون رفض الحكومة لهكذا توصيات التي تدعو الى الخطو نحو الامام في مجال حقوق الإنسان، والأغرب تحفظها على توصية لدعم جهود المنسق الحكومي لحقوق الإنسان وفريقه والتي قدمتها دولة الإمارات! الأمر الذي يدل على التخبط والإستعجال في تقييم تلك التوصيات.

اما بالنسبة لوفد الحكومة الأردنية وجهودها في إعداد التقرير ومناقشته فيمكن القول:

  1. اتسم تقرير الحكومة باقتصاره على عرض المنجزات، درجا على نمط كتابة التقارير للآليات التعاهدية والتي تتسم بكتابة التقدم المحرز، وكان الأجدر ان تتضمن اشاراة جادة ومباشرة بشكل اكبر الى التحديات والإنتهاكات.
  2. اجرت الحكومة الأردنية تنسيقا ومشاورات مع مؤسسات المجتمع المدني يمكن وسمها بأنها الأفضل قياسا بجميع التجارب السابقة، وتم عرض تقريرها على مؤسسات المجتمع المدني مسبقا وابدت الأخيره ملاحظاتها عليها.
  3. يلاحظ على تشكيلة الوفد الحكومي انه يتضمن مؤسسات متعددة للحكومة، وترأس الوفد المنسق الحكومي لحقوق الإنسان مؤشر على اهتمام الدولة بهكذا تقرير ولما لهذه الآلية الدولية من اهمية للاردن على المستوى الدولي. الا انه كان من المأمول ان يمثل المجتمع من خلال مشاورات مع منظمات المجتمع المدني التي اعدت تقاريرها وليس اقتصارها على مؤسسات لم تكتب تقريرا او ضمن اي تحالفات.

ويمكن ابراز الملاحظات على دور مؤسسات المجتمع المدني ومشاركتها في هذه الآلية:

  1. اتسمت تقاريرها بالشمول لكل قضايا حقوق الإنسان، وتضمنت توصيات دقيقة ومباشرة ومنضبطة، وكان لذلك اثر مهم على توصيات الدول، مع ملاحظة ان موضوع حرية المعتقد والدين لم يحظ بالإهتمام الكافي لها في تقاريرها.
  2. تنوع اختصاصات واهتمامات المنظمات من منظمات تعنى بالحريات وحقوق المرأة والحقوق الإقتصادية والإجتماعية والثقافية واللاجئين ومناهضة التعذيب والأشخاص ذوي الإعاقة والطفل وغيرها، ومشاركة ملفتة لمبادرات شبابية.
  3. عدد المنظمات التي شاركت ربما هو الأكبر في تاريخ مشاركات المنظمات الاردنية في الآليات الدولية والتي وصلت الى اكثر من 25 منظمة وضمن اكثر من تحالف، وحضور واضح لها في جميع مراحل الآلية.
  4. التنسيق الكبير والإعداد الجيد منذ اكثر من سنتين لهذه المنظمات سواء في التنسيق فيما بينها او مشاوراتها وتنسيقها المستمر مع الحكومة ومع البعثات الدبلوماسية ومنظمات الأمم المتحدة في الأردن، او برصدها لواقع حقوق الإنسان لجميع مفاصل حقوق الإنسان.

وكانت مشاركة المركز الوطني لحقوق الإنسان فاعلة ومستمرة وحافظ على مشاركته واستقلاليته في جميع الآليات الدولية وبحضور المفوض العام لحقوق الإنسان.

     ماذا بعد ؟

تعد هذه الآلية ضمن مجموعة الآليات الدولية لحقوق الإنسان وهي تشكل فرصة مهمة لتقييم وتقويم اداء الأردن في مجال حقوق الإنسان، ولجعل هذه التوصيات لها مكانة في التنفيذ فإنني اوصي بما يلي:

1.ان تعيد الحكومة النظر بموقفها من التوصيات من قبل مجلس حقوق الإنسان، لا سيما بعد تطور تلك الآلية بحيث اصبح ان الدولة تحاط علما بالتوصيات ان تحفظت عليها، بما يعني ان موقفها السلبي من التوصيات لن يكون مفيدا، وذلك ممكن من خلال العمل على تنفيذ التوصيات برمتها.

  1. التنسيق والمشاورات بين الحكومة مع مؤسسات المجتمع المدني الأردني في العمل على تنفيذ تلك التوصيات وذلك من خلال وضع خطة عمل فورية لتطبيق التوصيات، والعمل على تطبيقها بالشراكة التامة بينهما. الا ان ذلك وللاسف لم يحصل بسبب تداعيات سلبية لعلاقة الحكومة مع المجتمع المدني بعد المناقشة بجنيف، ويمكن تدارك ذلك بإعادة النظر لتلك العلاقة بشكل مؤسسي ومهني، والنظر الى دور المجتمع المدني كمؤسسات وطنية هدفها العمل على تعزيز حقوق الإنسان، وانها شريك فعلي لا يمكن تطوير منظومة حقوق الإنسان بدونها، وضمان استقلالية وحرية عمل تلك المنظمات.
  2. وضع البرلمان الأردني وجميع مؤسسات واجهزة الدولة في صورة تلك التوصيات واهميتها من اجل تنفيذ هذه الإستحقاقات.
  3. تشكيل فريق متابعة من قبل مؤسسات المجتمع المدني لمتابعة تنفيذ الحكومة للتوصيات، ووضع مؤشرات لمدى التقدم او التراجع في تنفيذها. وعمل حملات كسب تأييد تستهدف الحكومة والبرلمان وتوعية المجتمع بأهميتها.
  4. اندماج عدد اكبر لمنظمات المجتمع المدني في عملية الرصد وكتابة التقارير في جميع الآليات الدولية لحقوق الإنسان القادمة.

أخيرا، ينبغي اداراك الحكومة ان هذا الإستحقاق لتنفيذ توصيات الأمم المتحدة ليست عملية املاء دولية وانما هي آلية دولية تخضع لها جميع دول العالم، وانها فرصة حقيقية لتطوير حقوق الإنسان، والإبتعاد التام لبث اي اجواء توتر سلبي مع منظمات المجتمع المدني، فهذه المنظمات لا تقل حرصا من اي جهة اخرى على تطوير واقع حقوق الإنسان في الأردن، ومذكرين ان هذه التوصيات لم تأت الا من رحم الإلتزامات الدولية على الأردن بموجب مصادقته على اتفاقيات حقوق الإنسان، ومن رحم تقييم الواقع الذي قامت به مؤسسات المجمع المدني التي تشير الى اخفاقات تجاه هذه الإلتزامات بشكل علمي ومدروس، وان على الحكومة ان تكون اكثر شفافية في اعترافها بالإخفاقات والتحديات.

وان تكون لدى الحكومة فلسفة واضحة وتوجه عملي نحو تنفيذ تلك التوصيات والإلتزامات بدءا من ان يقوم القضاء الوطني بتطبيق تلك الإلتزامات وعدم الإكتفاء بالأعتراف ” نظريا” بسمو تلك الإتفاقيات على التشريع الوطني دون العمل بشكل ممنهج بحيث يصبح اي قرار قضائي ينبغي ان يستند ابتداءا الى تلك الإتفاقيات قبل النظر الى التشريعات الوطنية، وليس الإكتفاء بحالات محدودة جدا، والأمر الآخر ضرورة مواءمة جميع الإتفاقيات بالتشريعات من قبل البرلمان بمعنى ” توطين ” تلك الإتفاقيات، وايضا اعادة النظر بشكل جدي بدور المؤسسات الرسمية والوطنية في تطبيق تلك الإتفاقيات والتوصيات بشكل يكون لها ولاية جادة وصريحة في قدرتها على تحويلها الى سياسات وممارسات عملية.