آراء ومقالات

تهويمات صحفي..حكايتي المواربة مع الرئيس

وليد حسني
دولة رئيس الوزراء الأكرم
بعد خالص الاحترام الذي أنت أهل له..
فقد تلقيت اتصالك الكريم عصر أمس الإثنين سائلا عن صحتي ومطمئنا عن عائلتي متسائلا فيما إذا كنت مستعدا لأكون جزءا من فريقك الوزاري في تعديلك المرتقب.
وأنت تعلم دولتك كم هي سعادتي بك اخا وصديقا وعزيزا كريما منذ سنوات مضت، وقد زدتني شرفا حين عرضت علي ما عرضت لكونه عرض كريم من أخ كريم، وأنت تعرف ان مثلي لا يرد لك طلبا وذلك لما بيننا من اواصر الأخوة والمودة التي نسجناها سويا عبر سنوات خلت لم أرى فيكم غير ما يراه الصديق في صديقه، والحبيب في حبيبه، وليس مثلي من يزكي خصالك الكريمة، وطيب محتدك.
وتذكر دولتك أنني كنت أول من تلقيت اتصالك تخبرني فيه بتكليفك مبدئيا بتشكيل الحكومة من لدن صاحب الجلالة الهاشمية الملك عبد الله الثاني أعزه الله وأبقاه ذخرا وسندا لنا وللأمة أبد الدهر، حينها فوجئت، بل وتلعثمت وأنا أطلب منك إعادة ما تنقله لي من أخبار تزيد الشريف شرفا، والكريم كرما وكيف لا وهي ثقة يضعها جلالة الملك فيك ويتوجك بها.
سألتني يومها” ما رأيك وماذا أفعل؟ “، وأذكرك بما قلته لك”اعتذر يا صديقي، ويكفيك ما تلقيته وانت في كرسي وزارة التربية والتعليم”، ومثلك حقيق بالاعتذار، ومثل جلالة الملك أحق مَن يُعتذرُ منه”، ويكفيك ثقة جلالة الملك بك، والإعتذار أولى بك وأجدى”.
في اليوم التالي التقيتك وناقشنا سويا المسألة بكامل وجوهها، كنت متحمسا إلى حد أنك قلت لي” لدي مشروع عمل ويجب أن أطبقه” وسألتك”كيف؟” هل ترى أن الظروف الاقتصادية التي تحكم بلدنا ستكفل لك ذلك؟ وهل تعتقد أن القوى المهيمنة المتحكمة في كل مفاصل الدولة ستسمح لمثلك بالقفز من صندوقها؟ وهل ترى أن كل ما يحيط بك سيسمح لك حتى بالمشي داخل الصندوق؟ وهل تعتقد ان المتظاهرين في الدوار الرابع يحتجون على اسماء الحكومات فقط ، أم ــ وانت تسمعهم ــ يطالبون بتغيير النهج السياسي كاملا؟ فهل تستطيع تحقيق مطالبهم؟ واسئلة أخرى كثيرة نسيتُها او لربما تناسيناها معا.
في تلك الجلسة التي سرقناها سويا من إنشغالك بترتيب أوراق وأسماء فريقك الوزاري كنت أراك تبتعد كثيرا عن عقل وفكر صديقي د. عمر الرزاز، وابديت حماسا لخوض تلك التجربة التي قلت لك عنها وأنا أغادر منزلك الكريم في مساء يوم الأحد او الاثنين 3 او 4 حزيران 2018 “أعد التفكير جيدا وادرس الإحتمالات قبل التورط في حمل ميراث لن تقدر عليه”، كان ذلك قبل صدور الارادة الملكية السامية التي صدرت في الخامس من الشهر نفسه بتكليفك رسميا بتشكيل الحكومة في الوقت الذي كانت فيه حناجر الأردنيين تصرخ برحيل سلفك د. هاني الملقي على الدوار الرابع.
وكم جلسنا سويا في ليالي رمضان 2018 ونحن نناقش ونحلل حركة المواطنين الإحتجاجية على الدوار الرابع ونرسم سيناريوهات متعددة ولربما كان بعضها متناقضا الى حد العبث ونحن نحاول فهم تلك الحركة، وهل هي عفوية أم أن قوى عميقة تقف خلفها بعد أن وصل الأمر بالمواطنين إلى حد الإختناق” أظنك أنت الذي استخدمت هذا التوصيف”، فخرجوا يطالبون بالغاء قانون الضريبة، وإعادة الاعفاءات الطبية واقالة الحكومة..الخ.
كنت صديقي تعتقد أن بإمكان الأردن تجاوز أزماته الإقتصادية واستحقاقاتها إذا ما استطاعت الحكومة امتلاك الجرأة في تغيير المسارات بالتخلي عن ريعية الدولة والذهاب الى دولة الإنتاج، والاستثمار في التعليم كشرط تاسيسي للنهضة التي كنت دوما تحلم بها وتبحث عنها وتتمناها لبلدك.
كانت الفكرة في حد ذاتها منطقية تماما، ويمكن تطبيقها مع الوقت والصبر، يومها قلت لي” الشعب لم يعد يملك الصبر يا صديقي”، وافقتك على ذلك، وسألتك “ما هي خطوتك التالية؟”، وأجبتني بلا تردد”دولة الرئيس ــ د. هاني الملقي ــ يريد الاستقالة أمس قبل اليوم، وهو اكثرنا حاجة للراحة ” لكنني لم اتصور أن تتطوع انت وتحمل كل عذابات الأردنيين والحكومات المتلاحقة ” هل تذكر دولتك حين قلت لك ذلك، وأجبتني ضاحكا”إن المسيح عليه السلام حمل آلام البشرية وضحى من أجلها”، واجبتك”كان ذاك المسيح عليه السلام وليس أنت..” ولذنا بالصمت سويا قبل أن تقطع صمتنا رنات الهواتف..
حين شكلت حكومتك في 14 حزيران 2018 تفاءل المواطنون بك، ونظر البعض اليك مبكرا باعتبارك المخلص الحقيقي، لكن هذه الثقة المختلطة بالأمل تبخرت سريعا، حين واجهك النواب بانتقاداتهم الجارحة التي وصلت الى العائلة، واستحضروا رحمة العم والدكم د.منيف، وكأنهم رأوا فيك انقلابا على كل المباديء والقيم التي آمن الوالد بها، وانت وانا كنا الاكثر ايمانا بان نصف النواب لم يعرفوا رحمة الوالد ولم يقراوا له شيئا، وانما هي المآرب الخاصة، والخلافات الشخصية مع بعض اعضاء فريقك الحكومي.
لن اطيل في رسالتي هذه فمن المرجح أننا سنلتقي وشيكا، ولا أملك لك إلا الدعاء بأن تتمكن من النجاة، وانا واثق أنك ترنو إلى النجاة، لكنها الخطى التي كتبت عليك”ومن كتبت عليه خطى مشاها”.
صديقي الحميم دولة الرئيس..
الثقة التي يمنحها لك جلالة الملك ها هي تتعزز مرة أخرى، وتلك ثقة لا تدانيها ثقة الا الثقة بالله ثم ثقة الشعب، فكن لها أهلا، واذهب إلى الناس، وتلمس حاجاتهم، ولا يهمك لو كسَرتَ أيادي العابثين بأقوات الناس ومقدراتهم لأنك ستحمل حينها ثقتين هما ثقة جلالة الملك وثقة الشعب الأردني الطيب الذي ستجده يقف خلفك وأمامك ولن يُسلموك لقوى الشد العكسي او لأولئك الذين يعبثون ببلدنا وبأقواتنا، وبمستقبلنا، وابدأ بملف الطاقة والكهرباء فإنه منجاتك الوحيد، وطريقك الأسلم للقفز من صندوق البندول إلى احضان الناس والشعب، ولا اظن أحدا سيطلق الرصاص عليك إن خففت وطأة الزمان وجبروت اللصوص عن الأردنيين.
أما عن عرضكم الكريم فإنني أعتذر عن قبوله بكل ما فيه من كرم وتكرم سائلا لكم الله التوفيق والسداد، ولوطننا ولقيادتنا الخير كله والعز أجمعه وأشمله..
وتقبلوا فائق الاحترام..

الكلمات المفتاحية: حسني- وليد