آراء ومقالات

تلعة الرز

في أحاديث الدكتور خالد الكركي عذوبة تأسر السامع وتظهر جماليات اللغة العربية وسحرها . فهو صاحب ملكة فريدة يطوع المفردات وينظمها في سلاسل تحولها الى صور ولوحات بصرية فيها من الحس والدقة والجمال ما يغريك لامتلاكها واستدعائها في كل مرة يعز عليك التعبير. لغة الكركي واحاديثة لون آخر من الموسيقا الذي ينبغي الاستماع لها وادخالها في مقررات مدارسنا تحت عنوان تذوق النصوص الادبية. من المؤسف ان الأردن استنفد طاقات الدكتور الكركي في اعمال ومهام سياسية وبيروقراطية حرمتنا من الاستمتاع بسحر وعذوبة اعماله كمفكر واديب وصانع وجدان.
الشاعر اللبناني الكبير جوزيف حرب قدم المئات من القصائد الجميلة التي ترسم صورا رائعة للحياة والفكر والاماكن والقيم والمعاناة وتدفعك الى التأمل والتفكير عند سماعها وقراءتها نصوصا او على هيئة اغان كتلك التي تغنيها فيروز.
في احدى اجمل قصائد الشاعر حرب حول الاسماء ووصفها يقول” اسامينا..شو تعبوا اهالينا تلاقوها..وشو افتكروا فينا….الاسامي كلام ..شو خص الكلام…عينينا هني اسامينا…لا خضر الاسامي ولا لوزيات …لا كحلي بحري ولا شتويات…ولا لونن ازرق قديم ما بيعتق…ولا سود وساع ولا عسليات…….الخ”
القصيدة تدور كلماتها في رأسي كلما تجاوزت جامعة فيلادلفيا متجها نحو جرش او كنت على مقربة من بلدة المصطبة حيث نصبت على الطريق لافتة ضخمة تؤشر الى سفح الجبل المطل على الطريق كتب عليها “تلعة الرز”.
في بلد لا ينتج الرز ولا يعرف اهله زراعته وفي ثقافة عاشت على القمح والخبز والشعير قرونا قبل ان يظهر الرز في بعض متاجرها كسلعة غريبة قبل مائة عام استغربت هنا الاسم وبحثت عن دلالالته ومعانيه واصوله مع بعض الاهالي والعرفيين في تاريخ وتراث المنطقة فلم اجد تفسيرا مقنعا ولا رواية يمكن ان اتبناها.
حتى اليوم لا اعرف سبب التسمية ولا تاريخها لكنني اعرف تماما اننا بلد لا تزرع الرز ولا يوجد له مزارع ولا تلاع وبالنظر الى طبيعة المنطقة الجبلية القاسية فإنها لا تصلح لزراعة مثل هذا المحصول ولا تحمل سمة من سمات التلاع التي كان اهلنا يخصصونها لمحاصيل القمح والتبغ والقثاء.
في الثقافة الشعبية يقال ان” لكل من اسمه نصيب” او “فلان اسم على مسمى” ويعرف الجميع ان الناس يختارون الاسماء لتعبر عن قيم ومعان وافكار ومعتقدات وآمال يحملونها في صدورهم وعقولهم. الشيوخ في بلادنا يختارون لأبنائهم اسماء ترتبط بالفروسية والقتال والحكمة والمهابة والكرم، والزاهدون يختارون لذريتهم اسماء تعبر عن الشكر والامتنان، والمتزلفون يختارون اسماء تقربهم من اصحاب المال والجاه والنفوذ.حتى الشوارع والاحياء والميادين يجري اختيار اسمائها لتحمل دلالات الوحدة والبطولة والوفاء.
الاسم الذي اعطي لسفح الهضبة المطلة على سد الملك طلال من الجهة الشرقية اسم يفتقر الى الدلالة فلا الأرض سهلة ممتدة ولا هي مؤهلة لإنبات الرز فمن أين جاء الاسم لها لقد قبل الناس بالاسم واخذوا يستعملونه دون تأمل او تفكير كما استعملوا الكثير من الاسماء التي لا دلالة حسية ولا معنوية لها
اغلب الظن ان الارض المغطاة بأشجار البلوط والنبق والزعرور كانت تنبت اشجار الارز وقد أدى التقادم وكثرة الاستعمال وتنوع الساكنين الى تلاشي الألف او سقوطها سهوا ليكتب اسمها “تلعة الرز بدلا من تلعة الارز”.
أيا كان اسم السفح الجميل الذي تحول الى مزارع للأغراب فإنه سيبقى مكونا من مكونات المكان الذي شهد صعود وأفول الامم والشعوب واعطى للكائنات التي اقامت في كنفاته وحافظ على اشجاره رغم سنوات القحط والقسوة والجفاف وكما يقول جوزيف حرب فان الكلام يبقى كلاما وعيوننا هي اسماؤنا.
كنت اتمنى ان تسترعي مسميات الاماكن في بلادنا اهتمام مجمع اللغة العربية الذي يحظى برئاسة الدكتور الكركي لإصدار معجم الاسماء والدلالات للاماكن في مسعى للتأصيل والتحقق والتحقيق ولتوجيه الباحثين في الثقافة واللغة والتراث.

الكلمات المفتاحية: مقالات