آراء ومقالات

الأفق المصري ضبابي

أسامة الرنتيسي

في ساعات اليوم، تبدأ نتائج المرحلة الأولى من الانتخابات المصرية بالظهور، بعد أن شهدت الحالة السياسية في مصر تطورات دراماتيكية دامية، وضعت محطة الانتخابات وإجراءها في خانة التساؤل.

بداية الثورة الجديدة في ميدان التحرير كانت على وثيقة نائب رئيس الوزراء علي السلمي، الذي أعد وثيقة مبادئ دستورية طرحت للتداول والنقاش أمام أطراف الحركة السياسية المصرية، وكان أبرز هذه القوى المحتجة جماعة الإخوان المسلمين والقوى والتيارات الإسلامية الأخرى، وفي المقدمة السلفيون.

صبت جماعة الإخوان المسلمين جام انتقاداتها على الوثيقة من زاوية الصلاحيات الواسعة للمجلس الأعلى للقوات المسلحة، إلا أن الجماعة كانت تستهدف الوثيقة برمتها من زاوية أنها تحدّ من دورها بخصوص وضع الدستور في حال تقدمها في نتائج الانتخابات، وهو الأمر المتوقع. ومن الواضح أن الإخوان أعطوا الأمر أولوية قبل بدء الانتخابات، وقد أرفقوا طلبهم بتعديل الوثيقة باستعراض قوة بحشد أنصارهم إلى جانب مؤيدي التيارات الإسلامية الأخرى في ميدان التحرير بالقاهرة، وهددوا بالاستمرار بـ «المليونيات» في الميادين المصرية إلى حين تحقيق مطالبهم في تعديل الوثيقة.

إثر ذلك أعلن معد الوثيقة علي السلمي تعديلات أخذت بالاعتبار معظم مطالب الإخوان، لكن أبرز هذه التعديلات وما أثار حفيظة القوى والأحزاب اليسارية والليبرالية مسألتان:

الأولى تحويل وثيقة المبادئ الدستورية إلى «ورقة استرشادية»، فنفت عنها صفة الإلزام.

والثانية شطب صفة «المدنية» عن تعريف الدولة المصرية، إذ كان البند الأول من الوثيقة ينص على «جمهورية مصر العربية دولة مدنية ديمقراطية تقوم على المواطنة وسيادة القانون..». وفيما حاول الإخوان الدفاع عن هذا التعديل بالقول إن المقصود بهذا وضع حد لأي احتمال لاستمرار هيمنة «العسكر» على الحياة السياسية في مصر، وترك مطبخ القرار للهيئات والمؤسسات المنتخبة بشكل ديمقراطي وعبر صناديق الاقتراع المباشر، إلا أن عددا واسعا من القوى والأحزاب اليسارية الديمقراطية والليبرالية حذرت من أن شطب صفة المدنية في تعريف الدولة سيفتح الباب واسعا أمام نشوء دولة دينية.

ومع ذلك، فإن اعتماد هذه التعديلات من قبل معدي الوثيقة لم يرض جماعة الإخوان على نحو كامل، ومع هذا أعلن الإخوان المسلمون والتيارات الإسلامية الأخرى وعدد من القوى والأحزاب أنهم خارج إطار ما يجري في ميدان التحرير، ومع ذلك اتسعت الاحتجاجات الحاشدة لتشمل عدة محافظات مصرية وصولا إلى الإسكندرية وأسيوط.

بعد انفضاض التجمعات التي شهدها ميدان التحرير، اجتمعت هناك في صباح اليوم الثاني عدة مئات من المصابين والجرحى إبان اندلاع ثورة 25 يناير، وقد اعتصموا للمطالبة بتأمين حقوقهم. وحاولت قوات الأمن المصرية تفريقهم بالقوة، مما أدى إلى وقوع إصابات في صفوف المعتصمين.

هذا المشهد أشعل فتيل الاحتقان الذي كان يتراكم لدى فئات واسعة من المشاركين في ثورة يناير، ووجدوا أن الثورة التي أشعلوها تتجه إلى مسار آخر يخدم القوى الكبيرة التي تمتلك خبرة في العمل السياسي والجماهيري، وبخاصة الإخوان المسلمين وباقي التيارات الإسلامية.

جماعة الإخوان المسلمين اتهمت من يقوم بحركة الاحتجاج الواسعة في الأيام الأخيرة بأنه لا يمتلك وزنا جماهيريا مؤثرا، وأنه يخاف من خوض الانتخابات وخروجه منها صفر اليدين أو بغلة قليلة، فيما رد ممثلون عن المحتجين في الشارع باتهام حركة الإخوان بأنها لا تهتم إلا بتسلّم السلطة على مختلف الأصعدة؛ في البرلمان والحكومة وحتى منصب رئاسة الجمهورية، وبأن الجماعة تحضر نفسها لقولبة المجتمع والدولة المصريين على قياس قناعاتها الأيديولوجية التي وصفوها بـ «الإقصائية».

وقد شبه عدد من أنصار المحتجين أداء الجماعة في سياق مطلب التعديلات بأنه نفس الادعاء الذي كانت تقوم به أيام النظام السابق، والذي يقوم على عقد الصفقات مع السلطة.

السؤال الكبير الذي طرحه متابعون للأحداث الأخيرة في مصر يدور حول الانتخابات، وفيما إذا كانت البيئة السياسية مناسبة لانطلاقة ناجحة لهذه الانتخابات، وقد تصاعد هذا السؤال مع طرح عدد من الأحزاب، من بينها الوفد الذي دعا إلى النظر بإمكانية تأجيل الانتخابات لعدة أسابيع، تتم خلالها إعادة تهدئة الوضع وتوفير ظروف أفضل لإجراء الانتخابات.

تفاعلات كثيرة، وأسئلة أكثر تطرح حول طبيعة المرحلة القريبة القادمة، في وقت تؤكد فيه الأصوات الحريصة على مستقبل مصر على أن الطريق الأفضل للخروج من الأزمات هو الاحتكام إلى صندوق الاقتراع.

الغريب ان حركة الاخوان المسلمون في مصر تأخرت عن المشاركة في ثورة 25 يناير حتى اليوم الرابع، وخذلت ثورة الميدان الاخيرة، بصفقة مع المجلس العسكري، ومع هذا سوف تحصد اعلى النتائج في الانتخابات، فما هو السر يا ترى؟

 

الكلمات المفتاحية: الأفق المصري ضبابي