أخبار شركات

تقديم الولائم في الأتراح عبء ثقيل يرهق كاهل الأردنيين

عين نيوز –رصد/

اليوم ليس كالامس وما كان يصلح قبل سنوات عديدة قد لا ينفعنا الآن، هذا هو بالضبط حالنا مع بعض العادات والتقاليد التي كانت سائدة في مجتمعنا قبل عقود عديدة، ولعل اكبر شاهد على هذه الحقيقة هو ما نراه يحدث في اتراحنا وبيوت عزائنا هذه الايام، فقد تحول التمسك ببعض العادات الى عبء ثقيل يرهق كاهل الكثير من الاردنيين الذين يجدون انفسهم مضطرين لنصب بيوت العزاء الكبيرة مع تقديم الولائم المكلفة لاعداد كبيرة جدا من الناس، فقبل عشرات السنين كان الذين يشيعون المتوفى بضع عشرات يكفي لغدائهم رأس واحد من الماعز، ولكن الآن من يستطيع اطعام المئات او الالاف من الناس في زمن الموبايل والسيارة، لربما في الاجابة عن هذا السؤال قد يكون الحل .

احراج
الشيخ هشام ريان قطيشات قال : ان الكثير من العائلات الآن قامت بإنشاء صناديق مالية يتم الصرف منها على تكاليف العزاء ، وبين قطيشات انه وبسبب النمو السكاني الكبير وتطور وسائل الاتصال والانتقال لم يعد من الممكن ان تبقى العادات العشائرية كما كانت في الماضي ، فالآن ومن خلال الهاتف يتم نقل خبر الوفاة الى جميع الاقارب والاصدقاء في جميع المحافظات، وبوجود السيارات من المؤكد ان تكون اعداد مشيعي الجنازة كبيرة جدا، وقد تصل اذا كان المتوفى شخصا معروفا او ان عشيرته كبيرة الى مئات او ربما آلاف، فيقع حينها الاحراج عند الوليمة التي درجت العادة على تقديمها بعد الدفن، فاطعام كل هذه الاعداد امر مكلف جدا على صندوق العائلة، او على الشخص الذي تطوع وكلف نفسه باعداد الطعام لاهل المتوفى، وهنا يجب ان تسود الحكمة بين النخب العشائرية والاجتماعية الى درجة يتم فيها اعداد وثيقة على مستوى المملكة يتم فيها الحد من حالة البذخ والاسراف التي نراها في اتراحنا، وان يقتصر تقديم الطعام بعد الدفن على اهل المتوفى فقط .
وثيقة عشائرية
الشيخ تيسير الخلايلة قال : ان تقديم الطعام كان في الماضي مقتصرا على عائلة المتوفى، ولكن ما نراه الآن هو ان بعض الناس يبالغون عند تطبيقهم لبعض العادات والاعراف الاجتماعية، وهم بذلك يخالفون ما جاء في الهدي النبوي الشريف، فالبذخ والإسراف في مجالس العزاء ليس من الاسلام بشيء، فالاصل أن يكون للمتوفى عزاء مناسب ومتوافق مع الشرع، لكن البعض يجعل بيوت العزاء مكانا للمباهاة في نصب الولائم ودعوة الناس اليها من الاصدقاء والمعارف، علما ان الكثير من المدعوين ليسوا بحاجة الى تلك الولائم، وهنا لا بد من التأكيد انه لا بأس في استقبال اهل المتوفي للمعزين، فالتعزية والمواساة سنة حســـنة وأجر كبير لمن يقوم بهذا الواجب، لأن بمواساته يكون قد أسهم في تخفيف مرارة المصاب، ولكن يجب ان تكون هذه المشاركة وفق المعايير التي أوجبها علينا الشرع ، فعليه مثلا ألا يطيل المكوث عندهم لأن لديهم ما يشغلهم، ولا يجوز ايضا اقامة الولائم من مال المتوفى، وانما يصنع الطعام لهم من أحد أقربائهم او أصدقائهم، ويكون ذلك بقدر كفاية أهل الميت وأولاده ومن معهم ، ودعا الشيخ الخلايلة الى عقد وثيقة عشائرية على مستوى عشائر المملكة بحيث يتم فيها تحديد وقت العزاء بالساعة لمدة ثلاثة ايام، وان يكون الطعام على مستوى اهل المتوفى فقط .
اسراف وصل حد الرياء
الشيخ بدر الدين بينو عضو المجلس العشائري الشيشاني قال : ان التنوع الثقافي هو من الاشياء الجميلة التي تميز الاردن ، ولكن ما اصبحنا نشهده في اتراحنا من اسراف وصل حد الرياء وتحول الى عبء اجتماعي ثقيل على اهل المتوفى، بحيث اذا لم يقم اهل المتوفى بعمل مأدبة ضخمة جدا تكفي كل الاشخاص الذين قاموا بتشيع الجنازة تكون النظرة الاجتماعية لهم سيئة جدا وكأنهم قاموا بعمل مخزٍ، وليت الامر يقف عند هذا الحد بل عليهم ان يعدوا مأدبة اخرى للعشاء في اليوم الثالث، وللامانة ان هذا ليس من الاسلام بشيء فقد ثبت عن رسولنا الكريم -عليه الصلاة والسلام- أنه لما أتى نعي جعفر بن ابي طالب -رضي الله عنه – أمر النبي عليه السلام أهله أن يصنعوا طعاما لأهل جعفر،وقال:»اصنعوا لهم طعاما، فقد آتاهم ما يشغلهم» ، وهنا يبرز السؤال الكبير هل من المعقول ان من يجب ان يقدم لهم الطعام يتحولون في عاداتنا الى مقدم ومعد للطعام ؟ وهل من المعقول ان يتحمل هؤلاء الناس فوق مصيبتهم بفقدان عزيز عليهم مصيبة اخرى بخسارة مال قد يكونون لا يملكونه فيستدينوه من الناس ؟ وهذا فقط حتى لا يلحقهم اي حيف اجتماعي ، لذا يجب ان نمتلك جميعا الشجاعة وأن يتم اعداد وثيقة عشائرية على مستوى المملكة يتم فيها اقتصار تقديم الطعام على اليوم الاول وان يكون لأهل المتوفى فقط ، كما يحدث عند عشائر الشركس والشيشان، فقد جرت العادة عندهم في الاتراح بأن الاقارب والجيران والاصدقاء يقدمون الطعام لأهل المتوفى في مكان العزاء ولا يقدمون الطعام في اليوم الثالث ، ويضيف بينو انه قد بات مألوفا ان يشاهد المرء في احياء المدينة والقرية صيوانات مفروشة بالسجاد المخملي ومؤثثة بالمقاعد الوثيرة، والمفارقة ان هذه المقاعد الوثيرة لا تعكس بالضرورة الوضع المادي للمتوفى واسرته بل انها في كثير من الاحيان تعبير عن انفاق استهلاكي لإظهار صورة اهل المتوفى على غير ما هي حقيقة، والمعاناة العاطفية الاكثر ألما هي عندما يجد أهل المتوفى ان بيت العزاء قد تحول الى ساحة علاقات عامة يعمد فيها البعض الى تسويق نفسه، حيث توفر بيوت العزاء فرصة للتعارف والحوار في الشؤون العامة وتتسع لأحاديث الانتخابات وزيادة فرص الفوز بها .
يجب ان يتوقف البذخ فورا
العميد المتقاعد وصفي خريسات قال : جميعنا يعتز بعاداتنا وتقاليدنا ولكن وبسبب اختلاف الظروف ما بين زمن واخر يجب ان تتطور هذه العادات والتقاليد حتى تتكيف مع اختلاف الاوضاع الاقتصادية والاجتماعية ، فمن المعروف ان عدد ابناء العشيرة الواحدة في الماضي كان قليلا ولكنه الآن اصبح كبيرا، وليس من السهل اطعام اعداد كبيرة في ظل هذه الظروف الاقتصادية الصعبة ، خصوصا ان المأتم يكون مفاجئا، لذا فلا خيار امامنا الا ان نقف جميعا ونقول بكل شجاعة: ان هذا الاسراف والبذخ يجب ان يتوقف فورا، ويجب ان نعود الى تطبيق ما دعا اليه الاسلام بأن يقتصر تقديم الطعام على اهل المتوفى فقط ، ولا بد من اعداد وثيقة عشائرية على مستوى المملكة يوقع عليها شيوخ ووجهاء العشائر ومختلف النخب الاجتماعية حتى نضمن ان يكون الالتزام بها على مستوى الوطن اجمع .
الطعام لأهل المتوفى فقط
الشيخ احمد عبودي الهباشين قال : ان سنة الرسول صلى الله عليه وسلم احق بان يلتزم بها، وانا مع ان يقتصر تقديم الطعام في اليوم الاول على اهل المتوفى فقط ، وان يكون وقت العزاء من الساعة التاسعة صباحا حتى الثانية عشرة ظهرا في الفترة الاولى ، وان يكون في الفترة الثانية من الساعة الثالثة ظهرا وحتى العاشرة مساء، وهذا من اجل ان يكون هناك وقت للراحة عند اهل المتوفى، كما يجب الالتزام بأنه اذا كان غداء المجبورين عند شخص وليس من الصندوق العائلي ان لا يزيد عدد الاشخاص الذين يحضرون الغداء من اهل المتوفى عن 25 شخصا، كما ومنعا للاحراجات من الافضل ان يكون تقبل التعازي على التربة حتى لا تحضر اعداد كبيرة من المشيعين لبيت العزاء وقت غداء المجبورين، كما يجب ان تلغى تماما عادة المناداة على الغداء بعد اتمام عملية الدفن .
ميثاق شرف
الدكتور عودة عبد الجواد ابو سنينة الاستاذ المشارك في مناهج الدراسات الاجتماعية واساليب تدريسها في كلية العلوم التربوية والآداب أشار الى أن التقاليد الاجتماعية والموروث الثقافي في مجتمعنا تحتم علينا التضامن مع الاهل والاصدقاء في الاتراح والافراح، وفي الماضي كان العزاء يقام في المنزل او الساحة الموجودة بجوار المنزل، وكان الناس يقدمون واجب العزاء بكل سلاسة وبساطة، وكان الاهل والاقارب يقدمون الطعام لأهل المتوفى كنوع من المشاركة استنادا لقول رسول الله (صلى الله عليه وسلم):»اصنعو لأهل جعفر طعاما فقد جاءهم ما يشغلهم» ، وكان اهل المتوفى يتلقون الطعام من الاصدقاء والاقارب بشكل بسيط ومحدود ولمدة ثلاثة ايام وبتكلفة بسيطة وبلا بهرجة، أما ما نشاهده الان فهو خارج عن اطار عاداتنا وتقاليدنا، إذ يقوم اهل المتوفى بتوفير الطعام لكل الاشخاص الموجودين على المقبرة عند الدفن، وهكذا نجد انه بدل ان يقوم الناس باطعام اهل المتوفى ينشغلون بالضيافة وتقديم الخدمات للضيوف، وهذا عبء جديد على اهل المتوفى، وايضا عند اقامة صيوان العزاء تكون التكلفة عالية ، حيث يكلف الصيوان الواحد يوميا من 500-1500دينار وهذا عبء اضافي على اهل الميت، وعليهم ايضا تقديم افضل الطعام للموجودين على مدار ثلاثة ايام، وتقدم ايضا في العزاء التمور الفاخرة والمياه ثم في اليوم الثالث للدفن هناك وجبة طعام تقدم الى الاصدقاء والاقارب مع الكنافة والحلويات على حساب اهل المتوفى؛ وهذا عبء كبير وهو بالاصل يدل على حضارة نفاق تحت عنوان الخوف من « ماذا يقول عنا الناس «، وانا ادعو لتجاوز هذه المعضلة لميثاق شرف بين ابناء المجتمع الاردني؛ لتصحيح الخلل في هذه المناسبة حتى لا تخرج عن المألوف.
الدستور – جعفر الدقس

 

الكلمات المفتاحية: التمسك ببعض العادات- بذخ واسراف- بيوت العزاء- عبء ثقيل- ولائم بيوت العزاء