فن وثقافة

تعلم فن الرواية

عين نيوز – رصد /

أقيمت في السنوات الماضية ورش لتعلم فن كتابة الرواية، وقد جاءت هذه الورش نتيجة رغبة القائمين عليها لنقل تجربة محترفات الكتابة الرائجة في الغرب منذ فترة طويلة إلى الأقطار العربية، ذلك كما يعتقد أولئك المنظمون في غياب صلة بين كتّاب بلغوا مرحلة متقدمة من التشكّل الإبداعي وآخرين لا يزالون قيد التشكّل.

ذلك مقتطف من رسالة وصلتني من صحافي معها أسئلة طلب مني الرد عليها في صيغة مقال لضمه لكتاب ينوي إصداره. لاحقا الأسئلة والرد عليها، ثم إعادة صياغة الأسئلة بفكر مغاير واختصار الرد. قبل ذلك أقول ليس كل كتاب الغرب أفضل من الكتاب العرب، ولا تقدم إبداع لغويا أو شكليا دليل تقدمه كليا، لكن هناك فرق نعم، بين غلبة منطقية الإبداع الغربي وانحسارها في كثير من الإبداع العربي. منطقية يمكن أن تُناقش أيضا، ذلك يضع هكذا إبداع ومنه اللاتيني والياباني في مرحلة متقدمة نعم، وهي ليست في الإبداع فقط، بل في الاقتصاد والصناعة والعلاقات الاجتماعية والسياسة والقوة العسكرية وغيرها، مما يشكل الحياة العامة للناس، وينعكس بالتالي على الإبداع ويرفعه.

إنه فرق متأت ليس من تباين مصادر العيش ومستواه هنا وهناك، ولا بطبيعة الجو، فمصادر العرب غنية أيضا والجو يمكن التدخل كالغرب إيجابيا فيه. الفرق متأت أكثر من تنظيم تلك المصادر أولا، بطريقة التفكير، هنا تتدخل عوامل لها علاقة بالتربية والتوظيف أكثر مما بالدين رغم تداخلها. الدين في كل الأحوال جاء لخدمة الإنسان. إذن على التربية والاجتهاد عندنا فهمه وتطبيقه بطريقة تجعله مؤثرا في الشرق كتأثير الدين في الغرب، مع حسبان النواقص التي يعاني منها الغرب ويعترف أحيانا أو لا يعترف بها.

وأول ذلك الفهم نحن ليس أفضل منهم على مدى بعيد، ولا هم أفضل منا، هم أكثر معرفة نعم، بهذا يحققون أفضلية علينا، إذن يجب فتح الأبواب عندنا للمعرفة للجميع، على أساس نحن ننهض بها على طريقنا المستقل الخاص، لا نتبعهم، وقد نستعين بتقنيتهم مع إدراك هي لا تُقدم عشوائيا.

والمعرفة تبدأ بمراقبة النفس وخارجها في آن، ولا تنتهي بالبحث عن المعلومة الجديدة في مصادر جديدة، أي مراقبة كل شيء، لرفع الذوق والأداء أعلى ومعه الاستعداد لقبول معرفة واتخاذ مواقف جديدة.

أعود إلى الأسئلة، الناقد جعلها تشبه علامات طريق، كالمشدودة بأغصان لسائحي طبيعة، لوصول في الختام إلى موقع معين، هكذا لو كنت كتبت المقال من غير كشفها أو النظر إليها ذهبت في طريق وآخر بعيدا عن المُعلَّم بأسئلته، ووصلت إلى تفاصيل ونتائج غير الممهد لها بأسئلته. نحن في ورشة قبل دخول فيها إذن، معها ينبغي مناقشة كل شيء بدقة، كي لا يؤخذ الموضوع بتغريباته ويأخذنا غفلة إلى متاهات، كأي موضوع في الحياة لا يُدرس حسنا، كحب بين اثنين دون معرفة تشريحه، كانتماء لحزب أو تنظيم سري دون معرفة استراتيجية الوطن، كالذهاب إلى غربة دون توقع مخاطرها.

على جانبي طريق أسئلة قد تُرفع إعلانات تجارية، دعاية انتخابية، تسويق مفاهيم، متعة موجهة، غير ذلك، مثلا يبدأ سؤال باقتباس من كاتبة إنكليزية “روز ماري فريدمان” مفاده: هل الكتابة مثل الحب لا ندري لماذا نمارسها ولا نعرف سر ميلنا نحوها؟ انتهى السؤال واضعا المستجوَب أمام بركة سباحة، الرد قد يصبح تطبيشا طيلة الورق، معه تعويم ليس فقط مهمة الكتابة التي هي عندما تكون حقيقية من أصعب النشاطات الفكرية، بل وأيضا تعويم الحب، الذي هو من أخطر النشاطات الإنسانية، يمكن أن يرفع الإنسان لتأسيس عائلة ومستقبل نرى هنا ويمكن أن يدفعه لقتل نرى هناك.

وقد يكون الاقتباس حسن النية طبعا، فرفشة، أو مبيتا، لإدخال مفاهيم كاتب غربي إلى عقل قارئ حتى قبل الرد على السؤال، والمساعدة بذلك في “تحرير” ثقافتنا من “نير” “تزمت” وطني، فيه يمكن العثور على حصانة لمواطن ضد تخريب حرية بلا أخلاق، بلا ضوابط.

معلوم شغف كثرة من كتابنا بأسماء الخواجات، والاقتباس من حدائقها لأرضنا الساخنة، تدبيج مقالات والسير معها في ضجيج، تتبدى متاهة من عجيج، يقال لها ألق ظاهر، وهي عتم دابر، والنية نزعة للتحديث، تُقلب فزعة للتخبيث.

للتعلم وجهان

نعود إلى فحوى السؤال الأول: لماذا يكتب الإنسان؟

حين تُطلب من كاتب مساهمة في موضوع الفن الروائي تتبادر للذهن الصعوبات الإبداعية والإنجازات التي تحققت من النشأة حتى بلوغ مستوى حاز على أعجاب نقاد لهم ذوق رفيع، وحين تكون البداية باقتباس لكاتب أو كاتبة أجنبية يجعلنا نفكر لم ليس من عربي؟ أليس الأجدى السبر في ثقافتنا الأَولى بالاهتمام، وقد تفكر للإنصاف بأن الرجل ربما لم يجد فيها ما يستحق اهتمامه فلجأ إلى الاسم الخواجاتي، لا يهم معروف أو غير معروف، المهم حسن البيان، فتعالوا نفحص مقتبسه، فيه ما يستدعي مساءلة قبل انطلاق في براري الأدب ضارية ومستأنسة، أولا هل نمارس الحب ونحن لا ندري فعلا لماذا؟ أو السيدة فعلت ذلك ولم تعد تدري لماذا، لكثرة ما مارسته؟ الحيوان حين يمارس “الحب” يتخلص من حالة توتر، هو يدري إذن، لذلك يسعى إليه، لو درى ثمة ألم وراءه ما فعل.

والإنسان العادي يمارس الحب ليحقق إنسانيته، بإعطاء وتلقي الحب، الجنس إحدى ذراه، للقضاء على إحساس بالوحدة، إحساس غير منفصل عن نشاطنا في الكون، ونشاط الكون نفسه، و إلاّ ما ماءت القطط في آذار، ولا تناطحت الذكور في دفء الربيع، دع الكلام عن حفظ النوع، تأكيد الذات، ترسيخ الأمان، هذه كلها أحاسيس أدرية بامتياز، أسباب أخرى لممارسته قد تكون غير طبيعية، لكنها أدرية أيضا، كالاسترزاق والتجسس والعبث والضجر وغير ذلك مما يخرج عن دائرة الحب إلى دائرة أخرى، الفعل هو نفس الفعل، السيدة اعتبرته منذ البداية لا أدريا واضعة كل أنواعه في هذه الخانة.

والكاتب قد ينسج بحسن نية، بغفلة، حول فكرتها السمجة الآتية من ثقافة لها غير أوليات ثقافتنا المستندة على أخلاق قويمة، لفائدة الأخلاق للناس، لا لرغبة في تشنج ورفعة كاذبة، إذاك يتبنى الكاتب وينقل للقارئ ما يضره، يضعه في اغتراب عن مجتمعه، وتبدأ المشاكل، فردية بداية، ولا تنتهي بتحولها اجتماعية تزعزع أنظمة عليها استقرارنا وسعادتنا. هكذا كاتب كمن بنشر فيروس إلى طفله أو زوجته، من قبلة حب عابر لا يدري لماذا مارسه.

ردي هنا ليس محافظا كما قد يدعي دعاة تحرر، بل هو المتحرر، درجة رفض وصاية من ثقافة أخرى، دع عنك المحافظة والتحرر نزعتان أبديتان متحاورتان داخل كل مجتمع، تغليب أحداهما على الأخرى قسرا دمار، مثلما تقطع إحدى يديك أو ساقيك، وأكثر كالوطنية والعولمة، لا نفع لواحدة دون الأخرى.

الصياغة اللغوية لسؤال أو رد تضمر الكثير من الإيعاز، نحو هذا الشأن أو ذاك، فرق صغير جدا في تعبير قد يحدث تغييرا كبيرا بالمعنى والأداء، أعود إلى حادثة عدم استعمال فارزة في مكانها، أدت إلى إعدام شخص بدل إطلاق سراحه بأمر قيصر روسي. أيضا هنا مثلا. حتى الشعر المجنح يحتاج دقة وإلاّ هوى في حضيض، كالحاجة إليها بورشة أدب وفصل دراسي.

لماذا يكتب الإنسان؟ ليس كل إنسان يكتب، حول الأمازون ناس ليس لهم أبجدية. يجب استبدال كلمة الإنسان في السؤال بإنسان، أحدهم يكتب فعلا، لأنه يحاول أن يفهَم ويُفهم الوجود، أو ليلهو، أو ليكسب، أو ليحصل على وجاهة، ثمة أسباب عديدة للكتابة، حسب موقع الكاتب على سلم إدراك. ولماذا الاستهلال بما قيل سابقا؟ للبناء على ما كان؟ لعرض سعة معرفة؟ لإرضاء محرر؟ لتحريك فكرة معينة أساسا لأطروحة؟ أيضا الأسباب مختلفة هنا، المجيب إذا لم ينتبه لمرمى السائل قد يجد نفسه في شرك، ينبغي اختيار السؤال والرد بمنطق صارم لا ينتبذ منتهى الرقة منه، معه لا يمكن التبديل أو التعديل لا في السؤال ولا في الرد، هكذا تكون كتابة برأيي صائبة، ومحاورةٌ ذاتَ جدوى. الهاوي لا يعرف أسرار الكتابة حسنا، والمحترف يعرف عن خبرة، عن درس، كيف يوجه تفكيره، قلمه. غير مهم استلام أجر لتحديد الحرفية هنا، الهاوي قد يستلم، وقد لا يستلم المحترف. المحترف يصنع جملة تصيب، الهاوي قد يصيب أو يخطأ. مَن يحدد الخطأ والصواب؟ نحويا النحو طبعا. منحى المعنى، من بيده معرفة أو قوة، الأفضل كلاهما. الكاتب المبتدئ يطبش في حوض سباحة، يلهو أو يحاول التعلم، المحترف يتسابق مع نفسه أو غيره في لياقة ذهنية فنية عالية.

لشخصيات عمل إبداعي شيء من استقلالية، بفكرها، وشيء من تبعية أيضا لفكر الكاتب، كحال بشر في الحياة الاجتماعية، نعم لهم أفكارهم الخاصة، في نفس الوقت تبعية لمؤسسة تدفع لهم للعمل والعيش. هل يمكن تعلم مدخل الرواية ونهايتها؟ أي شيء ينفعه تعلم، حتى كيف تضاجَع الزوجة. النتيجة تعتمد على مستوى الذوق والقدرة فالأداء. تتيه بعض الشخصيات؟ حتما، في رواية وفي واقع أيضا، إذا كان الضمير مطفئا والمعرفة ضئيلة. التعلم له وجهان: أكاديمي، حرفي، والثاني هاجسي، الأول يمكن اكتسابه، والثاني يولد مع الشخص ويشحذ نفسه بنفسه. تشريحيا معلوم، نوع الإدراك من حجم الدماغ. وأكبر دماغ إذا لم يغذ كما وجب يقصر. لنأخذ الأسئلة كما وردت لي.

زلازل سياسية لكن الأدب تحت سيطرة

1. كيف يكون إنسان كاتبا ويصنع أدبا؟ المثابرة والجدية بعض أسس الإبداع. من غير معرفة عالية تُصنع سفاسف. إذا اكتشف شخص مبكرا أنه مهيأ ليكون كاتبا، عنده حكاية تهم الجميع، يمكنه ذلك بقرار، لو كان شجاعا مضحيا بمغريات حياة ناعمة. ذلك نادر ربما. كتّاب المصادفة والتكسب اليوم غالبية. القرار ونوعيته من طبيعة وتركيب الشخص، شخص واطئ لا يكون كاتبا متقدما، حتى لو كتب أدبا جيدا في الظاهر، تجده عند فحص مترديا. الكتابة نوع من نبوة.

تعلم صناعة الشخصيات إبداعيا يبدأ من مراقبة المحيطين إلى الإطلاع على مراجع نقدية وأعمال الأفذاذ الكلاسيكية الإبداعية لتوسيع الإدراك الفني فوق الواقعي وحيازة حس مرهف، يلتقط الشاردة ويحيلها إلى واردة في البناء الثقافي. كذلك الحيل الفنية، الخاص والعام، السرعة والبطء، الحبكة، ما في العمق وعلى السطح، وغير ذلك من ضرورات البناء الفني لرواية متينة، يأخذ وقتا طويلا لتعلمه وتمثله، وقد تتعلم مثلا ليس حسنا إدخال أكثر من شخص في فصل واحد على مسرحك الدرامي، كذلك ضرورة التدرج في عرض الحقائق، إلاّ إذا كان المطلوب إحداث تأثير معين على المتلقي في لحظة معينة، كمشهد امرأة حزينة وحيدة مثلا تحيطها فجأة مجموعة فرحة من الناس، للإيعاز بأن الحياة لا تتوقف عن حدود الحزن الفردي، وإن الكثير فيها من الفرص المعوضة لخسارة، إلخ؟؟ لكن كيف تنفذ كل ذلك، كيف تجسد معرفتك، ذلك من أصعب الأمور، يحتاج إضافة إلى المعرفة قدرة السير في ظلام صحيحا، في مكان لا تعرفه، يحتاج لصبر خاص، يحتاج لتغليب العقل على الهوى، يحتاج لرؤية فسيحة، يحتاج لتكون متحاورا في داخلك دائما، ما أسميه الروح المبدعة، ولن تمتلك كل ذلك قبل أقل من عقدين في ممارسة الكتابة الروائية.

تلك الروح تحتاج الصقل، بدراسة ومران، أو بقت فوضوية. في عالمنا الحالي يمكن تحقيق كل شيء من فوق، حتى تصنيع روائيين، لكن روائيين غير حقيقيين، بائسين، في داخلهم وفي منتجهم، لعدم إدراك، الأصح لعدم اعتراف، بأن مهمة الروائي الحقيقي توكل إليه من العلا، من الطبيعة، مثل مهمة رسل وقديسين متجردين، غلب هوى الحقيقة والرغبة في رفعة البشر كل الأهواء الأخرى عندهم.

بدايةُ حياة أديب ليس من لعبة، بل من طفرة نوعية في الوعي والمظهر، كتلك التي رفعت الإنسان قديما درجة من حيونة إلى إنسانيته، إلى تآلفه مع غيره المختلف. تظهر بداية كبرعم طبعا، فإذا حضت برعاية، منه أولا، أزهرت، وإذا أهملت انزوت بعيدا في مطاوي النفس.

وفكرة رواية حين تنضج بعد حين، تقترب إلى لحظة ميلاد تسمي إلهاما، حيث تعيد مخيلة الأديب الناشئ صياغة الأمكنة والأزمنة لتكون مناسبة لاحتواء تجربته وتجارب غيره التي تعرف عليها، بمعايشة قد تكون صغيرة بحجم أسرة، مدينة، أو كبيرة بحجم أمة وأبعد. الرواية تظهر في ذهن كاتبها بأهمية جنين في رحم امرأة استثنائية مهيأة لاستقبال وتربية أعظم حب.

إجادة اللغة عامل حاسم في عملية الولادة هذه، وإلاّ حدث إسقاط وخسرنا أعظم الحب. وكما يمكن إعادة صياغة الأسئلة ويمكن إعادة صياغة الأجوبة، للضرب على مناطق أخرى وأخرى من وعي القارئ، تكون لرواية تحولاتها نحو تكامل. السؤال مثلا عن قدرة الكاتب المبتدئ على تحديد زاوية الرؤية يمكن إعادة صياغته لتحديد مدى تلك الرؤية، إذ ليس كل الكتاب المبتدئين قادرين أو غير قادرين على تحديد رؤية لعملهم، دع عنك الكلام الآن عن رؤيا، هذه تحتاج تجربة وحكمة كبيرة لا يمكن توفرها عند كاتب مبتدئ إلاّ استثناء، حتى النبوة لها عمر قرب الأربعين، مئات الروايات وضعها كتاب مبتدئون وغيرهم ذوو تجربة وهي لا تستأهل الكلام عنها، لكن فرنسوا ساغان كتبت “مرحبا أيها الحزن” وهي في الثامنة عشرة واحدة من أجمل الروايات الفرنسية، ثم رأينا غيرها اليوم تكتب وهي في الأربعين رواية ناجحة أيضا، الموضوع فردي غالبا، نستخلص منه درسا نجعله عموميا.

لسؤال أو رواية يجب أن يكون ثمة مسار واضح، كما لقصيدة أو لطلقة لتأدية الغرض، ولعلنا في ثقافتنا العربية نحتاج ورش تعلم كل شيء، أولها ورش لتعلم كيف نصوغ أسئلتنا مثلما كيف نوجهها، مثلما نحتاج ورش تدريب على إبداء الرأي السديد المقبول حتى لو كان مناقضا لمفاهيم سائدة. هذا في عالم نشر ملغوم بنوايا وموانع كبيرة للأديب الناشئ وذي الخبرة على حد سواء، ما يجعل بلوغ الأفضل وتحقيقه في الفوضى الحالية شبه مستحيل، في منطقة تشهد زلازل سياسية عارمة تقلب وتحرث كل شيء، تظهر الأدب مسيطرا عليه تماما، والروائي أصبح يتم تشكّيله حسب طلب، نمطياً مقلداً، بلا شخصية؛ لا فرصة لتجديد وتمرد على قيود سوى المصنعة في بلادنا، كأن بلاد برة بلغت الكمال، وتسأل أنت: هل فعلا تنعدم القدرة على إيجاد مبدعين قادرين على إيصال خبرتهم إلى المبتدئين؟

أخذ يد المبتدئين، بل يد العملية الأدبية برمتها، ويد العملية السياسة وراءها تحتاج رجالا ذوي ضمير ومحبة للثقافة وللوطن، أكثر من محبة مصالحهم الخاصة، مؤثرين في مجتمعهم، يقومون لتأسيس مراكز تنوير تنقل الخبرة المتراكمة لدى الأجيال الناضجة إلى الأجيال الجديدة، تعالج مسائل الثقافة، ضمنا الإلهام والبحث والاقتباس والتوظيف الفني والتفاعل الحضاري وغير ذلك لما فيه أغناء التجربة الوطنية معنويا وجعلها قادرة على مجابهة تحديات العصر الهائلة المهددة باستلاب ما تبقى من جوهرنا وثرواتنا. يفيد من هو مؤهل للقيام بدور مستقبلي، ويعيق من كان همه الاستفادة المادية حسب من المتغيرات الجديدة. لكن ثمة من يريد وضع كل شيء في يده، حتى بيع الكتاب العشوائي في شارع المتنبي مُسيطَر عليه. أنا شخصيا ورواياتي فلتنا من كل سيطرة بمصادفات تاريخية يمكن القول لن تتكرر، الصدفة ليست كل شيء طبعا، نعم استفدت من دراستي بمعهد آداب راق لاتحاد كتّاب، لكن غيري درس أيضا فيه وخرج منه مثلما دخل. القضية شخصية دائما، لا أطروحة ناجعة لكل البشر.

والمواضيع تكبر مع العمر

2- ما تعريف الكاتب المحترف؟ يمكن الرد باختصار وتفصيل دائما، حسب المجال والقصد من الرد، حسب دقة صياغة السؤال، وهامش التفكير المباح فيه، وقدرة المجيب على تقصي أبعاد سؤال، وإدراك متى يجب التوقف. الكاتب المحترف هو الذي يكسب أجرا من كتابته قد يكون الرد، مع كثرة كتاب يكسبون أجورا وكتاباتهم بلا قيمة، هي مقروءة لنوع من قراء. كما هناك من لا يكسب أجرا عن كتابته وهي مرصودة ومقروءة عند عدد كبير من أهل العقل. يجب تحديد ما الحرفية قبل السؤال عن الكاتب المحترف. بل قد نسأل أيضا من هو الكاتب، قبل السؤال عن الكاتب المحترف. لا بد من استرسال أحيانا لتوخي الدقة. ولخطأ أحيانا، عندما تكون الرأس صاحية، فائدة التحفيز لتفكير في اتجاه صحيح.

الكاتب المحترف قبل كل شيء الذي يجيد صنعته، يعرف تفاصيل موضوعه، يجيد صبها في نص، ذلك من دراسة مثلما عن موهبة. لا يهم هنا يستلم أو لا يستلم أجرا عن ذلك، لماذا؟ الأجر اقتصاد، النص إبداع، ولكل من هذين أحكامه. لو قلت هو الذي يستلم أجرا، يعقب كم الأجر؟ بينما تقدر قيمة الكاتب بقيمة نصه الجمالية، لا بقيمته الاقتصادية. تغليب المال على الإبداع يعني محاولة السيطرة من دافعه على المعنى. هل ثمة تعارض بين المال والإبداع؟ المال يستثمر، الإبداع يبشر، وكلاهما يحقق ذلك داخل أو خارج الأخلاق، وهذه متباينة.

للكاتب المحترف الكتابة طريقة للعيش، لا لكسب، لا بأس طبعا بل ضروري الكسب، ليبقى حيا، إنما البقاء هو غير العيش، المهم في ذلك كينونة مستمرة، النظر إلى العالم والتفكير بطريقة خاصة، وأن يكتب كل يوم، بقلمه أو بعقله.

3-هل الكاتب المبتدئ لا يعرف كيف يقرر زاوية الرؤيا؟ الفرق بين الرؤيا والرؤية قيل فيه الكثير، الرؤيا تصور للعالم في وقت معين، آن يُكشف ما كان مستورا قبله. الرؤية هي مكان الكاميرا الإبداعية يمكن القول، التي تحقق الرؤيا لو وجدت، حيث يجري تصوير الموضوع بالقلم أو باللون. حين يكون التصوير عن رؤيا تأتي المشاهد متجانسة، تخدم عمق الكشف. من غيرها قد يكون التصوير سطحيا أو عشوائيا، لذلك علاقة بخبرة الكاتب طبعا. بعد كل عمل يتم تعلم شيء نافع لإدارة سرد. وحتى بعد خبرة طويلة يجابه كاتب صعوبة في اختيار ما يستند عليه، لبدء عمل إبداعي جديد، خاصة حين يكون الموضوع كبيرا، والمواضيع تكبر دائما مع التقدم بالعمر، أكثر بالمعرفة، إلى أفق يصعب احتواؤه أحيانا برؤية.

الكاتب المبتدئ ليس كالمجرب، المبتدئ من غير دراسة تجارب غيره الروائية لا يستطيع أن يبدأ رواية. تذكر الذي أراد أن يصبح شاعرا وطلب نصحا لذلك فقيل له احفظ كل شعر العرب قبلك، ولما حفظه قيل له انسه الآن وابدأ النظم، هكذا الرواية، ينبغي الإطلاع والتمرن على أكثر ما يمكن من الأعمال السابقة. قديما كانوا يستنسخون روايات يدويا ليتعلموا بعض فن كتابتها من روائي معين. أيضا يجب فهم ما قاله روائيون قبلك ليكون لك حق وضع صوتك بينهم، مواصلة سرد الجديد من حكاية البشر، أيضا لتكون “عضلاتك الروائية” قادرة على رفع ثقلك الإبداعي دون أن يطرحك أرضا وتخسر مباراة. أنا شخصيا قرأت عددا كبيرا من الروايات قبل أن أبدأ، كما نفعتني ملاحظات عمي الأديب عبدالله الخطيب في أول نصوصي، أيضا تعليقات زملاء وأصدقاء. الواحد يتعلم من كل شيء حوله، الموسيقار فاغنر كتب أجمل مقطوعاته متأثرا بإيقاع تساقط المطر، وأذكر وأنا أمام موضوعة كبيرة كالانعطاف الذي حدث في تأريخ العراق والناس بعد ثورة 14 تموز 1958 أنني شعرت وأنا في بدايتي أن عليّ التمرن أولا برواية صغيرة قبل التحليق عاليا بغيرها، هكذا كتبت “ضباب في الظهيرة” ثم “شقة في شارع أبي نؤاس” حتى بدأت خطواتي الحاسمة في رواياتي التالية كأني أمام جبل عليّ بلوغ قمته، عليّ أن أعرف شعابه جيدا، بل المزيد على ما عرفته عنه جيدا، راجعت كل التأريخ العراقي قبلي وهوامشه مدونا بصحف وكتابات قديمة، لعلها لم تنفعني مباشرة لكنها زودتني بثقة ومعرفة دربي صحيحا في متاهة إبداع حولي وأمامي، حتى بلغت النور.

الرواية ليست فقط تأريخ أقوام وطبقات ودول طبعا، ليست فقط مشهدا فسيحا، هي إيقاع وألوان وأفعال وردود أفعال، نفسية وفكرية، صغيرة وكبيرة. القصة الطويلة، الأخت الوسطى للرواية، تكتفي بتصوير علاقات داخل عائلة، عمل، بين صديقين، حبيبين، بدل المجتمع كله، ذلك ميسر ربما لكاتب مبتدئ، عبر علاقة حب غالبا، عوائق داخلية وخارجية، وقد ينجح بذلك في تصوير ما يحدث لقطاع واسع، لمجتمع، فيصيب إذا لم يتعجل في الكتابة والنشر.

4- هل يمكن تعلم مدخل الرواية ونهايتها، ووضع العنوان لها؟ هناك نصائح إبداعية في هذا الشأن، ليست نهائية طبعا، كأن يجب أن تكون الجملة الأولى مركزة تشد القارئ، فيها أحد محاور التفاعل، ولا أقول الصراع في المجتمع والرواية. الجملة الأولى “ليس حولنا غير الصحراء، لكن عشنا في ظلمة قاتمة، أفقدتنا حتى ظلالنا” من رواية “الجسور الزجاجية” لا تعبر عن حالة السجن “الخارجية” التي عاش فيها البطل فعليا بل أيضا عن حالته “الداخلية” النفسية، في سجن علاقات حزبية خطأ، أدت إلى مصيره التراجيدي، إلى فقدان ظلاله، شخصيته الحقيقية، وبإدراك ضرورة الاستقلالية عاد واسترجعها، بإصرار على نقائه وصدق ووضوح رؤيته، بنقض السائد حوله أحيانا، بنقض النقيض، هكذا تسير الرواية جملة إلى جملة كما الحياة نفسها، من يوم إلى آخر، دون أن نفطن غالبا إلى أحداثها الصغيرة ذات الدلالات البعيدة، نتصور لا شيء يحدث، لا خطر حولنا، بينما الواقع يتفاقم بأحداث مرئية وغير مرئية إلى كارثة وراء منعطف. نحن مهتمون عادة بما على السطح. ما في الأعماق لا وقت للشخص العادي للبحث عنه، ليس من واجبه واهتمامه البحث فيه، كطفل يتفرج على حديقة حيوانات، يهمه منها المخلوقات الكبيرة ويهمل الصغيرة. يُنصح أيضا بالتدرج في كشف شخصيات رواية قيد إنشاء وأحداثها، عدم إنزالها دفعة واحدة في مشهد، ولا من غير تمهيد، ولا دون تفاعل بالأخرى، ظهورها يتوازى مع نمو الحدث، ومعه تنمو أيضا وتتغير، ولا يُكشف للقارئ كل شيء من البداية، فيُشل الصراع ويصاب بملل. الاقتصاد بالكلمات ضروري، أيضا السياق المنتظم، ولو في العمق.

لكل رواية، خاصة الأصيلة، عالمها الخاص، مثلما لكل مجتمع أسراره، تقاليده وطموحاته، إضافة لمشترك المجتمعات، ضرورة الصدق ولو البيئة كاذبة، الحلم بالأمن خاصة في مجتمع مرتبك، حيوية الحب والمحبة خاصة في ظرف يتسم بكراهية وعداء.

حسنا لو كان مدخل الرواية لحظة انعطاف تبرر وتستأهل بدء السرد، كأن نبدأ من منتصف الحدث، ولو غير مرئي، كخيانة مستورة، كحب خائب، كرغبة مستحيلة، وأيضا حبذا لو كان المدخل عينة من الخاص لما هناك في العام. بمختصر، الجملة الأولى، المدخل، هو مكان الاستقبال والتوزيع الذي تنبع منه رواية وتنتشر، هو بؤرة الرواية، وعلينا منها رؤية مساراتها الأساسية ولا أقول رؤيتها ككل، فغالبا ما تغير الروايات نهاياتها، كمصائرنا إذ نعتقد سيطرنا عليها.

يمكن وضع نهاية مقدما لرواية، بل والبدء منها ومتابعة كيف صارت، ولو أنها إذا ضُمِرت قد تتغير لاحقا في انعطافة جديدة. لرواية رياحها الخاصة التي تدفع طياراتنا الورقية، أقصد أحلامنا، في اتجاه خاص بالرواية، لا في اتجاه تريده أحلامنا، ذلك يضفي على السرد سمة تلقائية وعفوية ضرورية لكسب قلب قارئ، يفضل عادة السرد البريء، الخالي من النوايا المسبقة والتعبير الجاهز والشطط، يؤدي إلى نهايات غير متوقعة ربما لكن منطقية، على سرد متآمر يحوك الأحداث لبلوغ هدف معين، كما تفعل السياسة في الحياة الاجتماعية.

العنوان غالبا ما يكون العنان، الذي يقود جواد الرواية، وقد يُهيَّأ قبل الجواد، لكن الرواية الحقيقية أكثر شموسا من أي جواد، قد ترفض المهيأ مسبقا، تبتكر لنفسها أثناء الجري المتوافق مع زخمها المتزايد مع تحرر عقل المؤلف من كابحه، دون هياج وشطط يؤدي لكبوة قاتلة أو غير قاتلة. هو في كل الأحوال ينبغي أن يكون جذابا، صالحا لتبختر واستعراض على حلبة سباق. لا بد أن يكون عميقا واسعا يفتح للمخيلة أفقا بلا حدود، يرسم ملامح مما سوف يكشف عنه، بعد الغوص في فضاء التجربة على الصفحات.

حين بكى تولستوي

5- هل الشخصيات هي التي تقرر نموها وليس الكاتب وبالتالي قد يضيع المؤلف المبتدئ في متاهات دروب الشخصيات؟ الرواية تحتاج معرفة بأعماق الناس، بدوافعهم وركائزهم الروحية، طموحاتهم ومقدار شجاعتهم، بحاضر وتأريخ المجتمع وتطلعاته ككل، الإستراتيجيات المتصارعة داخل البلد، إذا ألمّ المبتدئ بكل ذلك قد يكون له نصيب في فهم شخصياته الروائية وقدر من نجاح في جعلهم يتحركون منطقيا، عالما بشئونهم. يجب أن يكون المؤلف واقفا بمعرفته على مرتفع ليستطيع رؤية ما تحته. قادرا على جمع ناس حول طاولة مفاوضات، هي الرواية. طبعا لا أضع بهذا مؤلفا بالمطلق فوق مجتمعه، بل على مستوى معرفة مطلوب يمنح حق التحدث عن شخصيات يمثلون وسطا معينا لجمهور واسع من القراء، بذلك لا أربط الرواية بالمجتمع تعسفيا، كحصان إلى عربة، كمرآة لامرأة، رغم وجود صلة.

هناك مبدأ معترف به في معهد أدبي راق يفيد إن كتابة رواية ناضجة تقتضي أن يكون مؤلفها ليس دون الثلاثين من عمره عموما. إذا اكتملت تجربة شخص سريعا، نتيجة ظروف معينة مفتوحة، أهلته ليعرف أفراد مجتمعه حسنا، عند ذاك يكون قادرا على التقاط الشخصية الروائية ذات دلالة عامة، تبرر الكتابة عنها، اختيارا أو جمعا غير عشوائي.

إذن اصطناع الشخصيات الروائية صحيحا أولا، ويرى بعد ذلك في كيفية تطورها روائيا. ذلك مرتهن بتفتح عقل الروائي المبتدئ، قد يكون بطله نقيضه، لا يجوز في هذا الحال عرضه سلبيا، بل قد تكون الشخصية الروائية على صواب والمؤلف على خطأ، ينبغي الانتباه لهذه التعقيدات، إذا كان المؤلف منغلقا على نفسه يجر شخصياته وراءه إلى النهاية برغباته وميوله وأفكاره لا برغباتها وميولها وأفكارها، آنذاك تكون صورا متعددة له، وإذا كان لا، متفتحا، مستعدا لتغيير قناعته، يتركها تذهب حيث تشاء وتحفر في الواقع الروائي مصائرها بنفسها، ذلك يفسر عندي إصابتي أثناء كتابتي إحدى رواياتي بنوبة يأس من كل شيء، حتى أنني مزقت في بدايتي ما كتبته تماما لولا أن انتشل المخطوط مني أحد الزملاء، ثم أرجع مزق الأوراق إلي بعد أيام، قبل ذلك تمزق شعوري، ما أكتبه ليس ما أريد كتابته، عدت وعدلت النص بأناة وبدأ يتخذ منحى آخر غير الذي رسمته في البداية، كنت أعرف ماذا سيحدث بالضبط في كل فصل منها قبل أن تكتب، بعد ذلك بدأت شخصيات الرواية تشق دربها بحرية متمردة على الصيغة التي وضعتها لها، ونجحت الرواية بعد ذلك حسب ردود فعل وصلتني من قراء ونقاد نابهين. كما أذكر كنا بعد ذلك في بيت ليف تولستوي نزوره، حدثتنا المرشدة كيف نزل الكاتب العظيم من هذا السلم أمامي وهو يبكي، يقول لزوجته: لقد ماتت آنا، قُتلت تحت عربة القطار!.. متحدثا طبعا عن نهاية آنا كارينينا، أفضل رواياته برأيي، في صورة غير متوقعة له، و إلاّ ما خضته المفاجأة كذلك حتى فقد السيطرة على نفسه.

6- الاهتمام بهندسة الرواية، بناء الشخصيات، ألا يحتاج إلى تعلم؟ كل شيء في الدول المتقدمة يحتاج إلى تعلم، حتى الإنجاب والقتل، أفلام الحب وألعاب العنف منه، وكذا التعليم نفسه. فكيف الحال مع الإبداع، حيث ينبغي أن يكون لا متعة جمالية فقط للحاضر، وشاهدا على التغيرات، بل واستثمارا للمستقبل. كل شيء يكتب اليوم يصبح غدا وثيقة. إذن حرفية الأداء العالية ضرورية، و إلاّ صُنِّف المُنتج بعد حين مع النفايات، كالكثير مما نقرأ اليوم وإن عُرض في واجهة لامعة بل ومُنِح جائزة، تخسر في ذلك وقت عليها أن تكسب معنويا.

التعلم مطلوب لبناء جسر الإبداع، كما لإعداد مقارباته، ليس بمعنى واحد زائد واحد يساوي اثنين، لا توجد وصفة لكتابة رواية ناجحة، توجد نصائح نافعة في هذا الشأن، التعلم هنا يعنى تربية الذوق، الحدس. هناك حيل والتزامات فنية تساعد على كتابة النص، مثلا لا يجوز أن يكون عملك يائسا تماما، حتى لو كان الواقع مظلما تماما، يجب فتح كوة للأمل دائما. كما لا يجوز الكتابة بلغة معقدة تنفر القارئ وادعاء عمق المعنى، ولا توظيف شخصيات من نوع واحد في عمل روائي، يجب أن يكون ثمة تنوع منها وفيها، وأن يؤخذ في الاعتبار حقيقة أن الكثير يمكن أن يتغير مع تغير الظرف، مع صعود الفرد أعلى على مستوى التفكير، نحو البرغماتية والإحساس بذاته حد الغرق فيها أحيانا، مقتربا بذلك إلى غيره من هذا النوع، مع احتفاظ بخصوصية. وحين يشكو البعض من هذا المنحى في الحياة ويراه مجحفا وقد ينبذه يتجاهل هو في الحقيقة الواقع، كمن يشكو من بلورات بَرَد في جو، لا يمكنك تغيير الجو إذن أحم نفسك منه بطريقة ما، ضع معطفا وانزل إلى الشارع مستمتعا بالبرد بدل الخوف منه. أقصد، لطريقة التفكير علاقة بالتصرف، أيضا في بناء رواية وشخصياتها، لتكون أقرب أو أبعد عن الواقع، والنجاح هنا ليس بنحتها مستجيبة، أو رافضة، لما حولها. بل متفاعلة إيجابيا.

الاستجابة الكاملة ذوبان، والرفض نهايته إلغاء النفس، بعزلة، بانتحار، وفي كليهما تفقد الشخصية مكوناتها ومدلولاتها الضرورية لبقاء مثمر فاضل، وينعدم الفرق تقريبا بين واحدة وأخرى، حيث التشابه في التفكير والسلوك والأقوال، بين قتلة ويائسين ومنتحرين مثلا لو كانوا من أقصى الغرب أو من أقصى الشرق، وذلك في مرحلة أخيرة من تراجع الشخصية بالاستسلام الكامل للضغوط، أو التشنج والتيبس برفض كل جديد. خلاف ذلك الاعتماد على العقل، نبذ المنفر، ذلك ينبغي أن يكون في أساس بناء شخصية وحدث روائي. ويبقى البون موجودا بين نظرية وتطبيق، مهارة المعلم بالأولى غالبا، وبالتطبيق تتجلى مهارة المبتدئ.

كما في التصوير الفوتوغرافي نتعلم التعامل مع الضوء نتعلم في الرواية تجسيد تجربة بكلمات، في شكل أحداث يصنعها أشخاص متفاعلين بما حولهم وبموروثهم. خارجيا مهم أيضا للتجسيد الأدبي الاهتمام بعادات الشخصية، ملبسها، كلماتها المميزة، حركتها، مشاربها، حدودها الأخلاقية، ملامحها الخارجية والداخلية باختصار. كل ذلك يساعد على تجسيدها وإبقائها في ذاكرة. وكما للبيوت والمباني أشكال قابلة للتطويع والتغيير أرى للبناء الروائي هندسة أيضا، يمكنك أن تأخذ رواية وتبني على شاكلتها مغيرا في الشخصيات وكلامها والأحداث ومسارها ما يتناسب وبيئة جديدة قليلا، لكن ذلك لا يصنع رواية أصيلة تبقى في ذاكرة بشكل وحدث مميزين. وثمة أنماط للبناء الروائي، كأن تبدأ من النهاية وتنزل شيئا فشيئا في كيف حدث ذلك، أو تتلاعب بتقديم وتأخير الفصول أو المشاهد لإحداث غموض وتشويق. لا بد أن يكون في الرواية شيء خفي، كما في الحياة، ينبغي الكشف عنه تدريجيا، يساعد هذا على ذاك، وذاك يعيق لأسباب، بهذا تتولد الديناميكية. كما ينصح أيضا أن يكون السرد في البداية بطيئا ثم يتسارع لبلوغ الذروة والحل. ذلك برواية كلاسيكية تعود بقوة إلى الساحة الأدبية اليوم. وفي رواية حديثة نجد النفَس الكوسموبولوتي، والبناء العشوائي، تفكيرا وسلوكا ومنحى أطغى.

الرواية كبناء من عدة غرف، في كل منها سر، ليس بالضرورة أن يكون سرا كبيرا، إذن على الروائي أن يجيد توزيع اهتمامه عليها، وإظهار وإخفاء ما فيها في لحظة وأخرى كما يفعل حاو مع كراته، ورسام حين يوزع ألوانه، يوازنها، يضع تشكيلا خفيا في أساس لوحته، وأيضا كما يفعل موسيقار، يوزع إلحانه ويعرف متى يظهر هذا اللحن ومتى يختفي ومتى يمتزج بغيره ليكون لحنا جديدا وصولا إلى مصب عام.

قد يصبح الأمر خطرا جدا

7- هل المثابرة والجدية والعمل الدءوب هما أساس الإبداع؟ الرواية نصف مثابرة ونصف موهبة. المثابرة نعرفها، ما هي الموهبة؟ قوة الملاحظة والانشغال الدائم بفكرة لفهمها أفضل وتجسيدها، في معادلة، في شكل ولون وحركة وموقف. هي الإحساس عميقا جدا بالإيقاع، أكان في نغمة صوتية، في كلمات، في توليف لون، في انحناءة أو استقامة خط، في التفاتة امرأة، في موقف رجل.

حسب تجربتي، من غير تفرغ كامل، قد يمتد عاما إلى خمسة أعوام، لا تكتب رواية متماسكة. في غياب الموهبة تتبعثر المثابرة دون طائل، وفي حضورها وفقدان المثابرة لا يكتمل العمل. البعض يقول الموهبة هي المثابرة، والمثابرة موهبة، في هذا صواب، لارتباطهما داخليا، نعم احداهما تتغذى بالأخرى، بمعنى الإنسان يصبح ذكيا موهوبا بمقدار ملاحظته وعمله، ذلك من نظرية آمن بها اشتراكيون، اقتنعوا بأن أي إنسان يمكن أن يكون فنانا أو كاتبا بالمثابرة، وهذا غير صحيح تماما، مع احتمال وجود استثناء دائما عند وفرة قوة الإرادة، هي أساس الموهبة. اليوم يصنّعون كل شيء، من الأنسجة الحية إلى استنساخ المخلوقات إلى التكنولوجيا العضوية مستقبلا، فكيف لا يصنّعون الكتاب والفنانين والمذيعين والساسة بل وقادة. لكن يبقى للاستعدادات الفطرية وللبيئة الحاضنة دور أساس في تحديد نوع العمل الذي خلقنا لأجله، في وضع طبيعي، بلا قسر. المثابرة من غير رؤية سليمة إلى العالم لا تفعل شيئا، والرؤية السليمة قد تكتسبها بالمثابرة، أو بحقن، بحظ إذا صادفت أناسا ذوي معرفة فتحوا عينيك في لحظة على ما نصل إليه في سنوات. المثابرة مثل التنفس، ضرورة للوجود، لكنها ليست كل شيء.

8- هل يستطيع الكاتب أن يقرر أن يصبح كاتباً؟ نعم باعتقادي يمكن لشخص أن يقرر أن يصبح كاتبا، أنا نفسي جعلت نفسي كاتبا بقرار مني، لكن المهم هنا ليس القرار بل ماذا كان قبله وبعده، تلك حكاية طويلة، بدايتها ونهايته ينبغي أن تكونا واضحتين قبل القرار. القرار من غير استعداد دائم لتنفيذه حماقة قد تؤدي لخسارة العمر، مثل أن تقرر بلوغ قمة جبل وأنت لا تعرف شعابه ولا إمكانيات تقنية وجسدية ضمنا العقلية معك. ومن غير معرفة النفس والمجتمع وهدف التكامل العام للبشر يكون القرار ارتجاليا آنيا، وهو استراتيجي لشخص، إنه ليس قرار أن تشتري شيئا ثم تبيعه إذا وجدته لا ينفعك، بل يعني قبل كل شيء وعي دورك في الحياة، بإلهام أو بخيال أرضي أو سماوي. أي أنك تنفذ القرار مُتخَذا من التأريخ والطبيعة، فيك لا منك، شبه مرغم بل راض حتى لو النتيجة صارت فقدان كل شيء، عن إدراك أنت مخلوق لتكون.. كاتبا، لا غير أبدا، مقابل بلوغ نشوة معرفية جمالية على طريق مساهمة في بلوغ استقرار ورخاء للجميع، على طريق تدوين أحلامهم الخائبة والمزهرة، لا لتحظى من ذلك باحترام أو مال أو حظوة يمكن تحقيقها باختيار عمل آخر، ولو جاءت تلك، ذلك الترف، عرضا، مرحبا بها طبعا، الكاتب ليس ماسوشيا يجلد نفسه بإبداعه، على العكس هو يستمتع به وبما يأتي منه، لكن لا على حساب النزاهة. بعد ذلك كلما جوّد كاتب في عمله جابهته صعاب أكبر، حتى قد يفكر في اتخاذ قرار آخر لاحقا، ينسف السابق في أن يكون كاتبا. يعني يقول.. كفى، وجع الرأس هذا لا أريده، لا قدرة لي بعد الآن على تحمل ضغوط أكثر، من طبيعة العمل من داخله، ومن غير طبيعته خارجه، لا قدرة على مواجهة العالم كله وحيدا. بل وقد يصبح الأمر خطرا جدا، يهدد حياته، مبادئه، قيمه، آنذاك هو أمام قرار آخر، يواصل الكتابة ومعها احتمال مصادرة كل شيء، أو يستسلم. كثرة تستسلم. الكتبة السيئون ضعاف شخصية، يصبحون كحيوانات مفترسة مروضة، يقدمون عروضا في سيرك الحياة ويحصلون من ذلك على قطعة سكر، وتصفيق نصفه لحامل السوط، ويعادون لأقفاص. غيرهم لا يهتم بأخطار، يواصل طريق الكتابة الصعب، كأنه لا يرى الخطر، ذلك ما يجب أن يفعله كاتب حقيقي ليكتب أدبا حقيقيا، مستقبليا.

9- كيف يمكن تعلم صناعة الشخصيات؟ من قراءة أمهات الروايات العالمية، من مراجع لهذا الفن، من التقاط ما يميز شخص عن آخر، طريقة كلامه، مفرداته ذكرت، حركته، تكوينه الفكري والنفسي، أحلامه، وغير ذلك مما يصنع عالم الفرد المرئي وغير المرئي، ولا تفاجأ لو ظهر في ملاحظتك حملة ثقافة أغبياء، أجلافا، وأناس بسطاء جد أذكياء، كبارا.

العائلة والمدرسة والمقهى والمحلة في الصغر خير أماكن لملاحظة ودراسة الشخصيات عموما، منها يُستلهم لاحقا جانب من شخصيات روائية تتميز عن العادية في كونها إضافة لخصوصيتها تجدها أكثر عمومية ودلالة، تمثل غيرها كما تمثل نفسها، أيضا شريحتها الاجتماعية، تحمل هما، خاصا، اجتماعيا، ميتافيزيقيا، وراءها مشكلة، قصة، تحفز للكتابة عنها. ومن خلال هذه الشخصية وتلك يكشف الكاتب عن التفاعل الاجتماعي والحضاري حولنا، الجمالي والأخلاقي، ضمن صراع خفي وظاهر بين تحضر وهمجية، عن صراع الشخصية مع نفسها لتكون أفضل، هكذا يكون السرد عنها مبررا، يحمل معنى أو بعضه كان ناقصا إلى وجودنا المعنوي، يغنيه، يقربنا إلى حالة إنسانية أرقى، في متعة جمالية.

وحسنا لو كانت الشخصيات الروائية متضادة، متكاملة، تساعد في تحريك الحدث الروائي، إظهار جميع زواياه، غير قانعة بواقعها، لتجرنا معها إلى ذرى وجود اجتماعي جميل وعادل تسعى إليها البشرية منذ صاغت أساطيرها، منذ نزلت الأديان وانتشرت، لحاجة إليها، انتقالا إلى حركات الإصلاحيين، وظهور نزعات تجديد وتطهير من فساد وفقر متزايدين بجشع أنانيين لاغتناء بلا حدود، ما يؤدي حتى لإفقار مصادرنا الأرضية وتلوثها وتدهور البشر.

ليس كل شخصيات رواية تتمتع بإدراك عال طبعا، لكن ينبغي أن تكون بينها واحدة في الأقل كذلك، لتكون مرآة لبقية الشخصيات. سابقا صنفت الشخصيات الروائية إلى سلبية وإيجابية، شريرة وطيبة، اليوم السلب والإيجاب في كل واحدة منها، يبقى على الكاتب أن يحرك الحدث نحو تغليب النوازع الخيرة الإيجابية في الإنسان، ليكتسب الأدب سمته الطبيعية باعتباره المعادل الموضوعي للشرور الاجتماعية، ضمنا القبح الأخلاقي، والتفاوت الطبقي الكبير، هي شرور تبدأ من قلة الذوق إلى ارتكاب جرائم، كلما كبرت كان مدلولها أكبر، والأدب الذي يتصدى لها أكبر، كذلك الشخصيات التي يقوم عليها هكذا أدب.

أفضَـل الحيل

10- هل يمكن تعلم الحيل الفنية للرواية، السرعة والبطء في السرد، كيفية التنقل من فصل إلى آخر؟ حين يأكل صغير وجبة طعام لا تراه كبر أمامك، هكذا التعلم، شيئا فشيئا يكبر الكاتب مع زيادة تعلمه وتجربته، ضروري دراسة كل ما يمكن من نقد وإبداع في فن الرواية، حتى لو لن تستخدمها مباشرة في عملك، بل وأقمته على أسس أخرى، أكثر تلقائية. الصدق يقود إلى نتيجة طيبة، هذا في الأدب، كذلك في حياة اجتماعية، إلاّ إذا كانت فاسدة، قد يقود إلى ما لا ترضاه، ذلك موضوع آخر، علما كل الكتاب لا يكتبون بنفس الطريقة، مثلما لا يرسم كل الرسامين بنفس الطريقة، لكل أسلوبه، عالمه. في حيل يستخدمون أسلوب الإخفاء، لزيادة التشويق، على مذهب المرحومة مارلين مونرو حين قالت الإغراء هو إخفاء ما يراد إظهاره. أيضا توقف الفصل عند نقطة كان يجب الكشف فيها عن شيء، ثم مواصلة السرد في الفصل التالي منها فتكشف بعض ما مر، وتواصل بعض الغموض والكشف، إنما الفني لا المفتعل، لكن أفضل الحيَل يبقى الكتابة بلا حيَـل، فولكنر قال ينبغي للسرد التحرك في ظلال الحدث، تنتهي بنقطة معتمة أخرى وهكذا. في البداية تكون الجمل رحبة، متراخية ربما فليلا، حتى لو كان الحدث صارما، ثم في النهاية تكون الجمل أقصر، أكثر تركيزا، إيقاع الحركة أسرع، قطع المَشاهد واختصارها، ذلك ليس حتما أسلوبا فنيا ناجحا تماما، القوالب مضجرة، التشويق الفني يقوم على كشف ما لا يتم الانتباه إليه بسهولة، على تبديل زاوية النظر المعتادة إلى الأشياء، على الكشف في العادي عن الخارق والشعري، على حرث الواقع وإظهار ما فيه من خبايا صغيرة، تخدم الموضوع الكبير للرواية، وما يسمى سياق الرواية.

11- هل يمكن صنع روائيين من العدم، وهل يمكن إخضاع هذا الصنيع لشروط تقنية أو خارجية صرف؟ هم يشككون حتى في وجود شكسبير فما رأيك في الباقي؟ شولوخوف اتهم بأنه ليس كاتبا رغم فوزه بجائزة نوبل، حقيقة ساعد على ذلك تململه وانتقاده اللجنة المركزية حينه، أما “الدون الهادئ” روايته قد قيل انتحلها، من ضابط قتل في الحرب، يدللون على عدم موهبته بأنه لم يكتب بعدها سوى القليل البسيط، و إلاّ كان كتب مع “الدون الهادئ” شيئا ذا قيمة. شخصيا غير متأكد من ذلك. لكنها حقيقة يُنفخ أحيانا في كاتب، يصغَّر آخر، حسب الفائدة لجهاز إعلامي فعال جدا. بل وقد يمكن صنع روائيين وكتاب من عدم حين تقف تلك المؤسسات ذات الشأن وراء هذا أو ذاك، لإحداث تأثيرات ثقافية معينة في الوسط الثقافي وأبعد، في السياسي والاجتماعي. ويمكن شراء كاتب باختصار لمصلحة متبادلة.

ليس الواقع الثقافي وحده قائما في الكثير على ألاعيب إلى أكاذيب، بلسانه قال أحد أعمدة الإعلام لي بأننا صنعنا فلانا، وهو اسم كبير في الأدب الروائي، ولم يكشف سرا بذلك، البعض يعرف ذلك لكنه صامت عن ذلك، ربما كي لا يقلب طاولة على نفسه. ويتكلمون بالقيم النبيلة كأنها لهم وهم بها يعبثون، حتى وزير سابق أخبرني بأن ذلك الإعلامي صنع فلانا، بمعنى ليس فقط نشر كتبه، وروج لها، لا، الأمر أبعد من ذلك، رواية وربما أكثر من رواية كتبت بغير قلمه ونقحت ونشرت باسمه، ليكون في ذلك دعاية لحزب حسب عليه، وهو في الحقيقة لم يكن يقيم وزنا كبيرا لذلك الحزب سوى لانتفاعه منه. طبعا قد يقول البعض برهان ينتقص من غيره لغيرة، هذا ليس صحيحا على الإطلاق، الصحيح قلته، وأنا مازلت أحب ذلك الكاتب واحترمه، لأني لم أر منه سيئا غير ما يمكن تمشيته، كما لا أجد شيئا أو أحدا أغار منه سوى طرزان ربما ورئيس الهنود الحمر الذي قلدته صغيرا. أحد العاملين المهمين في الإعلام استغرب حين عرف بأني لا أعرض رواياتي على أحد للحصول على “الرضا” قبل نشرها، وقال الجميع يفعل ذلك و إلاّ تجابه وضعا لا تحسد عليه، بعد ذلك حدث فعلا ذلك.. سوى أن شاعر كبير قال: بل تحسد عليه. وذلك بعد أن تم تسفيري من الاتحاد السوفيتي بذريعة نفاد الإقامة، وهي نافذة. بعد سقوطه اعترف أفاضل روس مهمون بأنهم أخطئوا في حقي، ودلوني هذه المرة كيف أنشر رواياتي هناك دون تغيير كلمة فيها. وفي مكان آخر استفاد روائي من مؤسسة عمل فيها، صنعته، نشر روايته فيها ومنها أرسل “ملايين” النسخ باعترافه إلى معارفه، ثم هرب منها وراح يتمنى لها ولأهلها ما لا يمكن تصوره، مستفيدا هذه المرة من جهة أخرى، على شاطئ آخر. ذلك هو حال بعض “الروائيين” مقابل ذلك أخبرني مدير معهد أدبي، ذو تجربة كبيرة، بأنهم كانوا يتصورون في السابق أنه يمكن تصنيع الأدباء، ثم عرفوا يمكن أن تصنع قاتلا، لكن ليس أديبا.

11- يقال إن الأديب الناشئ كالطفل لا يدري سر ميله إلى اللعب، فهل الكتابة في بداية حياة الأديب لعبة؟ في هذا القول بعض صواب، بمعنى عكسي، أي إن الأطفال الذين يجيدون اللعب، خاصة بمفردهم، هم أكثر استعدادا من غيرهم للأعمال العقلية، ذلك يعني هم متفاهمون مع أنفسهم أولا، ومع غيرهم، وذلك ملمح مهم لبداية أديب، الأدب في جوهره عقد آصرة صداقة مع المختلف، أليس أي نوع من اللعب فيه هذا الجانب الإيجابي. وللعب جانب سلبي أيضا، حين يُستغل لإلحاق هزيمة وأذى بآخر، والانتفاع من ذلك. الأدب لا ينحو نحو الانتفاع، ولا لإيقاع أذى، بل ولا ينبغي له الاعتراف بمفهوم العدو إطلاقا، إلاّ إذا تمثل رذائل في ركن ما، حتى لو تغير مفهوم المقدس والمدنس، الأدب تفاهم مع الجميع، لا مع فئة معينة، متى خرج عن ذلك خرج عن كونه أدبا، أصبح تحريضا، أي معظم ما يُكتب اليوم في العراق، مع الأسف.

الراقي لا المبتذل

12- هل تُصنّع فكرة الرواية أو هي إلهام كما طُرحت في ندوة؟ لنحدد معنى الإلهام الذي يزداد لغط حوله، البعض يتصوره طردا محملا برؤى وأفكار ينزله رب العالمين على بعض أبنائه الخلص غفلة عن الجماهير، كهوامش شرح على أطروحة دينية أو غير دينية تقتضي إضافات وتعديل بين حين وآخر، على غرار اكتمال الرسالة من رسول لآخر، فكرة نيرة تهبط من علياء تنير ظلمات المتلقي ومريديه.. ذلك كلام من عصور مضت. إنما توجد لحظات كشف يتم فيها لمبدع استجلاء معنى بغتة، بعد أن كان غامضا مستغلقا، كتلك اللحظة التي تجد فيها حلا لمسألة رياضية معقدة تعبت في حلها، أو توصلت لتفصيل كان غائبا عن مشكلة عندك. الإلهام هو لحظة تشكل واكتمال معنى، مثل بدر، تصوُّر على طريق استكمال صورة نهائية لإبداع. لحظة اتقاد المخ في مواجهة ثنائيات وأعقد قلت مرة، لحظة استخدام العقل بأكبر قدر من طاقته، نتيجة تركيز ومثابرة. في أوقات عادية نستخدم خمسين أو ثلاثين من مئة من قدرتنا العقلية. لحظات الإبداع، الإلهام، تشبه لحظات ممارسة الجنس الراقي، لحظات التجلي والتفتح نستخدم تسعين إلى أقل من مئة من معين قدرتنا العقلية. هكذا يكون الإلهام جزء من تصنيع فكرة رواية نعم، وليس منفصلا عنها، أما كيف تصنع فكرة رواية فهذا يختلف من مبدع إلى آخر، من رواية إلى أخرى لنفس المبدع، أحيانا تنتظم كل رواياته بخيط واحد، هذا لا يعني جاء “الإلهام” مرة في حياته وانهزم بعد ذلك، أو ظل يقفز إليه من بداية رواية إلى أخرى. البعض أطلق على لحظات الإبداع لحظات نزول الصاعق، أنا أسميها فارزات نص الوجود، المكتوب بلغة الهاجس، لحظات يجتمع فيها الماضي والمستقبل في آن، تخلق في نفس المبدع حنينا إلى مستحيل نبيل وتسحبه إلى مكان مجهول، لتجسيده في شكل، في محتوى، الكثير منه شظايا في النفس آنذاك، وبعملية الإبداع تتلاصق تلك الشظايا، ويصنع منها أعجوبة لم تكن.

13- هل يمكن إسقاط الإلهام على الكاتب في عملية تعلم فن الرواية؟ لا أفهم هذا السؤال كثيرا، لعلك تعني إذا كان ممكنا استحداثه بمؤثر، بحبوب مخدرة مثلا، بتواصل عقلي مع الأكوان البعيدة عبر التركيز على رموز، على برازخ تقود إلى وعي أبعد. لقد جرب الحبوب فنانو الغرب والشرق وما نجحوا كثيرا فيها في اعتقادي، الدوس هكسلي جربها أظن، الحبوب أيضا جربناها، غائب وأنا، مرة أولى وأخيرة وسخرنا منها. لكن التركيز كما في الحديقة الحجرية اليابانية المشهورة، في نظر طويل صاف إلى صخور صغيرة جربته في كيوتو، هو ممتع فعلا، يقود إلى تشتت ونسيان الواقع. كما جربت الوقوف على الرأس، نفعت مرة، لكن كل تلك الوسائل لا تنفع ولا تدفع موضوعا كبيرا كثيرا إلى أمام. الإبداع عمل عقلي متزن يحتاج تركيزا شديدا، صفاء ذهنيا شبه مطلق، لياقة بدنية، مع توضيح الخطوط الرئيسية للعمل، فالفرعية، فالغوص فيها واستخراج اللآلئ الخفية منها ووضعها في سطور. كل ذلك يتم بحدس ثاقب، بذوق عال، بمحاسبة القلم على كلمة تصدر منه، وبمراقبة كلية لمشروعك في آن.

14- هل يمكن تعلم عملية تركيب الزمان والمكان وإمكان تخيله، وإعادة تركيبه من جديد في الرواية؟ كل شيء بنقاش بناء نافع، مع النفس، مع الغير، مع وجود رغبة في التعلم. لذلك علاقة بما تريد أن تنقل بروايتك، قلنا لا توجد دروس مطلقة، الرواية فن مرن صعب في آن، الفن قياس غير مرئي قبل كل شيء، نقيض فوضى وتشتت، هو إعادة ترتيب الزمن والمكان ليكونا وحدة تعيش في ذاتها خارج حدود الزمان والمكان. بروست أراد وضع حياته في كتاب، لينتشلها من براثن الزمن، حصرها بين جدران ورحل في ذاكرته، دوّن. حياتي، ربما حياة أي عراقي، أراها واسعة بعيدا، بسبب كثرة الهزات الداخلية والخارجية فيها. منذ بدأت أكتب القصة القصيرة سعيت لفهرسة حياة العراقي في كتبي، العراق بالتالي، أنا ضمنا. بإيحاء من الجد كلكامش أردت أن أكون شاهدا مستقلا على الأحداث، أوقف حياته على هذا الهدف، في فترة من أغنى فترات التاريخ الغابر والمعاصر، تضمنت نهضة العرب مع الثورة المصرية، انكسار مشروع التغيير من أسفل، إلى نهضتهم الحديثة المنتظرة اليوم، مع انتشار مشروع تغيير جديد من أعلى هذه المرة، فترة عايشتُ خلالها على صعيد شخصي قريب أحداثا تاريخية كبيرة، تأميم القناة وحرب السويس، الثورة العراقية 1958، الجمهورية الثانية 1963، حرب 1967، حرب الخليج الأولى والثانية، وما تبع بعد ذلك، منعطف تخوم الألفين، فترة جعلت الزمن العام زمني الخاص، وكل العراق بل العالم مكانا لي، لقصصي ورواياتي، هكذا صارت حاضنة شرعية لتلك الأحداث، بالقدر الذي تفاعلت بها وأصابني منها رشق غير قليل، غربة فوق غربة. أن تكون لكل حدث أو موضوع شخصي امتدادات في المكان والزمان العامين أمر طبيعي، السرد يحيطها، ينتقي من الزمان والمكان ما له علاقة بتلك الامتدادات، ويجعل ذلك موضوع رواية، يحقق وحدة زمان ومكان خاصين بالرواية، يجعلانها أمتع وأوسع من مدونة وثائقية سطحية، أي فنية، عميقة، أي يقوم الكاتب بنحت المكان والزمان وتشكيل قالب منهما لحدثه، لقصة قد تمتد في عدة أمكنة، في عدة أزمنة. كيف يفعل ذلك وهل يتعلمه؟ قرار مواجهة مشكلة نصف حل، النصف الآخر أثناء التنفيذ والتصحيح.

العصافير تفكر

15- بناء الرواية وتعدد مستويات اللغة تدخل ضمن الحرفية الروائية وتحتاج إلى زمن لتعلم ممارستها، فهل تستطيع المدة القصيرة إعادة تشكلها لدى الروائي المبتدئ؟ أفهم سؤالك هذا كالتالي، هل يمكن اختزال تجربة روائي وتقديمها على طبق لمبتدئ يكفيه طول العمر؟ مرة أخرى أقول كل شيء ممكن لو الرضا بالسيئ ممكن، هنا نتكلم عن الحسن، ضمنه كلامنا، تلخيص تجربة ممكن بصيغة أو أخرى إنما لن يكون ذلك حبة دواء ضامنة شبابا دائما لمبدع مبتدئ، تلخيص تجربة كاتب يحتاج تفرغا لدراسة كل أعماله ومواقفه، يفعل ذلك مختص بأدب فلان من الكتاب، وربما آخر بآخر غيره، لكن ونحن نقرأ لفلان وفلان لا نتعلم فقط كيف يبني جملته وحدثه وكيف يطور سرده ويشكل نهاية، الأهم من هذا كله أن نلامس روحه، إذا كان كاتبا ذا روح كبيرة، بحجم روح شعب أو أمة لم لا، يؤخذ منها تلقائيا ما يعين على العيش بكبر أيضا حتى لو اشتغلنا حمالين، لا عيب في أي شغل شريف، هو فخر بمقدار ما يُبذل له من النفس، تلك الملامسة لا يمكن إيجازها، هي إيجاز في ذاتها لكيان غير مرئي عظيم، كالكون، الكاتب حين يغمض ويعي الكون يكون هو الكون، عقله، الكون لا شيء حين لا يعيه عقل. ولو أعدت صياغة سؤالك ليكون محددا أكثر ومعه رد، كأن تقول كيف يمكن لمبتدئ الاستفادة من بنائك الروائي ولغتك أجيب، الرواية أتصورها قبل الشروع بكتابتها قصرا أو متحفا لحدث نفسي تاريخي في آن، أقيم البنيان رشيقا والتأثيث بالمطلوب من تفاصيل متلائمة فيما بينها، كأن يكون لون ستائر غير نشاز مع لون خشب، تقطنه شخصيات تستحقه، متفاهمة بالمهذب والمفيد للجميع. هل هذا التلخيص نافع لمبتدئ، وإلى أي مدى؟ هو الذي يقرر طبعا.

وله أن يعلم أيضا.. الإبداع يُنفق عمر عليه، وقد يُسرق من متطفلين، قبل اكتمال تجربة، أو يدمر بتجاهل متعمد من دور نشر. إذن ينبغي التهيؤ لا لمنازلة طنطل الإبداع فقط، بل وطنطل النشر، ذي العين الوحيدة وعشيرته، إما تفعل ما يُطلب منك ودربك ميسر، أو كن من حجر جرانيت وأقسى، قبل التفكير أن تكون نفسك.

أعود إلى الأسئلة، إلى صياغة أخرى لها. وأمامها ردي مختصرا:

1- هل تؤدي ورش الكتابة الوظيفة القمينة بها؟ تفاح شجرة برية نافع لمن يصله.

2- ألا يمكن أن يكون وراء هذه “المحترفات” ناشرون همهم صعود جيل معين من الروائيين يعقب جيلاً آخر؟ الثقافة صناعة ثقيلة اليوم، للقائمين عليها أهدافهم حتما، نعم يجري حرث الثقافة وربما قطع أشجارها القديمة وغرس جديدة.

3- هل عملية صنع الروائي تشكّله نمطياً مقلداً، تغيب شخصيته؛ فلا تتاح له فرصة لتجديد وتمرد على القيود؟ المُصنَّع مُصنَّع، الحقيقي لا سيطرة عليه، يصبح نادرا، في عالم يُفهرس، والروائي الحقيقي يعيد فهرسته.

4- هل فعلا لا نملك القدرة على إيجاد مبدعين يستطيعون إيصال هذا المشروع إلى المبتدئين؟ المبدعون قلة، هم مهتمون بإبداعهم أكثر من غيره. التعويل على أساتذة ونقاد أدب.

5- هل الإلهام يحتاج إلى من يقوده إلى ساحة الوعي؟ السعي لا إلهام.

6- ألا يمكن أن تكون هذه الورش هي بمثابة الخلطة السحرية للكشف عن المبدعين؟ لا. المبدع لا يحتاج أحدا يكشف عنه، بل أن لا يُقتل.

7- ألا يمكن أن نعد هذه الورش مفاتيح كشف لإيقاد الإلهام وتنمية الموهبة؟ منفعتها محدودة.

8- هل استفاد من انضم إلى تلك الورش؟ بين صفر إلى مئة من مئة الاستفادة واردة.

9- ما مدى الاستفادة من هذه الورش مستقبلاً وتفعيل دورها؟ يكبر من يريد التعلم والتعليم.

 

كلمة ليست أخيرة

سألتني مقدمة برامج، هل لك أن توضح لي قولك عن الأدب رياضيات؟ الرياضيات سيدتي وسيلة لبلوغ حقيقة لا جدال عليها، واحد زائد واحد يساوي اثنين. الأدب العالي يحوم حول حقيقة، بأجنحة المنطق، والمطلق أيضا، بتغريد بنظم متناغم، الشعر يحلق مثل نسر عن مبعدة حولها، والرواية مثل بومة عن مقربة سبرا على الكوكب في ظلام. الحقيقة التي أقصدها ليست جنائية طبعا ولا اجتماعية ولا دينية ولا غيرها، هي حقيقة جدلية متحركة في لحظة راهنة، يكشف عنها الأدب بأدب، جماليا أخلاقيا في آن. لا بد لمَثل هنا يوضح، الفكرة المجردة تضيع أحيانا في تصورات، أيضا التصورات تجسدها، خذ لقاء فتى وفتاة، بداية حب، أية حقيقة بل حقائق يمكن أن تتحرر من ذلك، على مدى تلك اللحظة وعلى مدى المستقبل البعيد. تجسيدها في نص شعري أو نثري، هو الأدب. المسرحية برأيي تحفر في كوكب تلك العلاقة. بمعنى تركيزها أكبر في كشف عالم النفس والعلاقات البشرية.

منطق الرياضيات الإحصائي أدق من منطق الأدب التخيلي، رغم ذلك قد تخطأ الرياضيات ويصيب الأدب، في مسألة وغيرها. خمسة عصافير على غصن، أسقط إحداها بطلقة مسدس، كم بقى منها على الغصن؟ أربعة؟ خطأ. هذا حساب. رياضيات. الرد الصحيح: لم يبق عصفور على غصن، كلها طارت، من صوت الطلقة. ذلك هو الأدب.

الاحتلال هو صوت الطلقة، استثناء في مشهد ساكن، والنتائج تأتي هنا استثناء، الاحتلال يبدأ بحسابات القوة الموجهة والقوة المضادة، لا بتصورات أدبية إنسانية، كذا المفترض والمفروض، ويرسم الخطأ في حساب المحتل نهاية غير متوقعة له، فالشعب يواجه محتله لا بحساب خسارة وربح، بل بقيمه قبل كل شيء، قيمه المعنوية لا الحسابية، وهو هنا ليس العصافير، هو الشجرة التي يمر بها صياد وعصافير، يمضي، تعود العصافير، وهي باقية.

إلاّ إذا صار الخطأ صوابا.

برهان الخطيب –  كاتب وروائي عراقي

 من كتاب جديد لبرهان الخطيب معد للطبع بعنوان “الروائي والرواية”

الكلمات المفتاحية: تعلم فن الرواية