آراء حرة

تعايش مع وقف التنفيذ

فرج أحميد

في عالم الأحداث المتسارعة نعيش اليوم حالة من التعصب والتخندق خلف أفكار ومواقف من صنعنا وتصميمنا، تلك التي لا تحصد لنا سوى الكره والاقتتال والدمار لجل شعوب العالم. كل منا يعتبر نفسه على حق ولا يريد أن يتراجع عن قراراته أو مواقفه قيد أنملة، وبالتالي يتخذ زاوية ليستعد للمواجهة والتصدي لأي هجوم قد ينتهك كرامته الإنسانية وفق أفكاره البالية والمسبقة.

من هذا المنطلق وددت التحدث عن ما كان يدور في ذهني مذ كنت في عمر لم يستوعب بعد، ما الذي تعنيه حقوق الإنسان، وماذا يعني التنوع والاختلاف والسياسة، رغم أنني عشت كأقراني تلك المرحلة التعبوية التي عاشتها ليبيا، وتلك الدول التي تصدر الإرهاب الفكري.

لقد عشنا تلك المرحلة على مهل وبكل رفق وهدوء نهشت أفكارنا كالسوس، في تلك الحقبة رددنا كغيرنا تلك الشعارات التي يصنعها النظام السياسي القائم في بلداننا، على سبيل الذكر (طز في أميركا)، (والموت لليهود)،.(وصراعنا مع إسرائيل صراع وجود وليس صراع حدود)..لقد كان الكره يسكننا ويحتوينا حتى أنه تغلل بذواتنا وتربى فينا.

وفي هذا الخضم بينما كانت تتقاذفني أمواج الأفكار المتضاربة بينما عشته اعتقاداً، وبينما كنت أراه يقيناً وحقاً.. سألت نفسي لماذا الموت لليهود ولماذا طز في أميركا، ولمَ كل ذلك الإقصاء دونما مبرر أو ذنب؟ لم يعد يخفى على أحد منا ما قد تابعناه من أحداث مؤخراً في بنسلفانيا من مقتل أحد عشر شخصاً بدم بارد، والسبب خلف تلك المجزرة هو أن من قتلوا كانت ديانتهم يهودية، وقد تكرر ذات المشهد في الولايات المتحدة الأميركية.

لقد حدثت هكذا تجاوزات رغم نشأة الولايات المتحدة على التنوع والتجانس، ومع كل هذا لا يزال التعايش مطلوباً، لكنه مع وقف التنفيذ. بالأمس حدثت نفس المجزرة، لكنها بقارة أخرى، لقد وقعت الحادثة في مصر وراح ضحيتها سبعة أشخاص وبعض الجرحى من الديانة المسيحية، والسبب هنا هو الرفض وعدم قبول الآخر فكل من لا يشبهنا مصيره إلى زوال حسب ما يعتقده أولئك القتلة.

ويبدو حسب رأيي أن ثقافة التعايش لا تزال بغرفة الإنعاش، كما أنها تحتاج منا إلى إعادة نظر وإعادة تشخيص وتأهيل كي تنعم شعوب العالم بالتنمية والرفاهية.

إن أدوات تلك الأنظمة التي زرعت فينا كرهنا لكل آخر مختلف عنا ديناً وعرقاً ولوناً كانت بالدرجة الأولى الإعلام المرئي والمقروء، ولهذا يجب أن تكون بداية البداية لتصحيح هذا الخطأ هي ثورة في الإعلام العربي والعالمي. وعلى الرغم من وجود الكثير من الأئمة والخطباء الوسطيين والمعتدلين، إلا أن توظيف المنابر الدينية وفق رؤى وتوجهات تلك الأنظمة زاد من لغة الإقصاء والسجون، التي زادت الطين بلة وأصبحت حاضنة لانتشار الكراهية والعنف.

ولا شك أن الصراع العربي الإسرائيلي حصد آلاف القتلة من الجانبين، والكل متشبث بالأرض وبالحياة، وعلى الرغم من توافق وتقارب بعض المجتمعات، إلا أننا قد لا نرى نتائجه على أرض الواقع الذي لم يشهد سوى التطاحن والتنافر والخلاف. ومما لا شك فيه أن هناك تبادلاً دبلوماسياً واقتصادياً يصل بمليارات الدولارات بين الدول العربية وإسرائيل وبالأخص تلك التي قامت بالتطبيع. ويظل حلم التعايش السلمي بين الشعوب هاجساً مهماً قبل التطبيع السياسي أو الاقتصادي، من هنا كان يجب أن توجد نقطة تلاقي وتقارب ثقافي فكري ديني يذيب كرة الكره والعنف بين شعوب المنطقة.

بوابة الوسط