آراء ومقالات

بن لادن.. ظاهرة العَشْرية

اسامة  الرنتيسي

 

لم يجد تنظيم القاعدة قضية عادلة (يتعربش) بها سوى القضية الفلسطينية، التي لم يقدم لخدمتها شهيداً واحداً، وكان خطاب القاعدة سابقاً يرفض أن يطلق على من يقتل على أرض فلسطين صفة شهيد، وحصر الشهادة في الذين يقاتلون الاتحاد السوفييتي خلال احتلاله أفغانستان.
ففي بيانه الأخير الذي أعلن فيه مقتل أسامة بن لادن، شدد تنظيم القاعدة على أنه مستمر في طريق الجهاد على خطى بن لادن، وأكد أن دماءه لن تذهب سدى، معتبراً أن موته سيكون “لعنة تطارد الأميركان وعملاءهم”، محذراً أنه عما قريب ستنقلب أفراحهم أحزاناً، وتختلط دماؤهم بدموعهم. وقال لن تنعم أميركا ومن يعيش في أميركا بالأمان حتى ينعم به أهل فلسطين.
ومهما يكن من أمر، فإن بن لادن يعتبر ظاهرة السنوات العشر الأخيرة، وبعيداً عن كل التقولات التي تضعه في خانة الصناعة الأميركية، وأنه فيلم أميركي طويل، نهايته لا تشبه النهائيات الهوليودية، لم نشاهد البطل في المشهد الأخير، واكتفت واشنطن بمقطع سخيف من خلال رمي جثته في البحر، فاختلف المسلمون، هل هي شرعية ام لا؟، وجاوبت واشنطن، الدفن تم على الاصول الاسلامية.!
وبراءة من أي تعاطف مع كل القوى الظلامية والإرهابية في العالم، فإن مقتل بن لادن شكّل ضربة قوية لتنظيم القاعدة، ووضعه على طريق انحدار يصعب إيقافه، كما سيواجه التنظيم أزمة قيادة على خلفية “الكاريزما” التي كان يمتلكها بن لادن ويفتقدها القادة الآخرون، (فأيمن الظواهري، الرجل الثاني في التنظيم مثلاً، ليس محل إجماع، وتوجد خلافات حول شخصيته).
إن غياب بن لادن، على الرغم من رمزيته بالنسبة للحركات الجهادية السلفية، لن يترك تأثيراً كبيراً على هذه الجماعات لأنه لم يعد يسيطر على فروعها منذ العام 2001، كما أن القاعدة تحولت من تنظيم هرمي بقيادة مركزية محكمة إلى شبكات محلية مترامية الأطراف، لا تتلقى أوامرها من مركز التنظيم.
“القاعدة” تراجعت في الأعوام الأخيرة، ولم تعد تحظى بالشعبية التي كانت تتمتع بها قبل أعوام قليلة، والجماهير عموماً لم تعد ترى فيها خياراً مقبولاً، خصوصاً في ظل الثورات والانتفاضات العربية التي يقودها شباب “الفيسبوك”، الذين لا علاقة لهم بأفكار بن لادن أو تنظيمه، وهم يريدون خيارات مختلفة تتفق مع روح العصر والثقافة الراهنة، لأن الجماهير لم تعد مقتنعة بالمواجهة المسلحة مع الأنظمة القائمة بعد نجاح الثورات الشعبية في تونس ومصر في إسقاط نظاميهما. وإذا استمر خط التحولات والانتفاضات في العالم العربي فالجماعات المرتبطة بالقاعدة ستصبح متجاوبة مع المعطيات والظروف المحلية أكثر من ارتباطها بـ”الجهاد العالمي أو المعولم”، كما يحدث حالياً في مصر.
الراجح أن مقتل بن لادن سيساعد الرئيس الأميركي باراك أوباما على الفوز بولاية رئاسية ثانية، مثلما شكلت هجمات أيلول (سبتمبر) 2001، لحظة فارقة في التاريخ الأميركي على صعيد تعبئة المشاعر الوطنية بين الأميركيين، ومهدت الطريق أمام جورج بوش الابن للفوز بولاية ثانية.
وخروج المظاهرات الاحتفالية بخبر مقتل بن لادن، في واشنطن ونيويورك، أبلغ دليل على هذه التعبئة، كما أن الحدث سيكون له أثر على الأقل في المدى القصير أكبر من التداعيات الاقتصادية، وسيحول اهتمام الرأي العام الأميركي عن فشل أوباما في معالجة التداعيات الكارثية للأزمة المالية على الاقتصاد الأميركي، وسيقدمه كقائد عام جدير بموقعه، خلافاً للصورة التي حاول الجمهوريون رسمها له، كـ”رجل ضعيف في مواجهة الإرهاب، وبأنه لا يؤتمن على توفير الأمان وحماية الأمن القومي للشعب الأميركي”، وبالتالي سحب ورقة القوة والحزم في مسائل الأمن القومي من يد الجمهوريين.

 

الكلمات المفتاحية: اسامة- استشهاد- الاتحاد السوفييتي- الرنتيسي- القاعدة- ايمن الظاهوري