شباب وجامعات

بعد عام من “التعلم عند بعد”.. هل زادت مهارات الطلبة “إلكترونيا”؟

شارف الطلبة على إنهاء ما يقارب العام، انتقلوا خلاله من التعليم الوجاهي إلى الإلكتروني، وما رافق ذلك من تغيير كامل بالطريقة التعليمية، منذ ظهور الحالات الأولى لفيروس كورونا في الأردن، وتوجه الحكومة للابتعاد عن التعليم التقليدي والتوجه “أونلاين”، كنوع من الاجراءات الاحترازية لحماية الطلبة والمعلمين.
ذلك العام، حمل تغيرات كبيرة في ظل الغياب عن المدرسة وساحاتها ومعلميها، وتحمل أولياء الأمور مسؤوليات مضاعفة في التدريس ومتابعة الواجبات للأبناء بتقنيات جديدة لم تكن حاضرة بالسابق.
حالة من عدم الرضا تشعر بها فاتن نصير التي لم تعد لديها الطاقة الكافية لأن تكون “أما وموظفة ومعلمة في الوقت ذاته”، على حد تعبيرها، إذ أنها لم تتوقع أن يستمر الوضع بالتعلم عن بعد كل هذه الفترة الزمنية التي طالت، وانتقل فيها الطلبة من صفٍ إلى آخر، من دون أن يكون هناك تغيير في طبيعة العملية التعليمية والتربوية.
وتقول فاتن ان هذا العام، من الناحية التربوية والتعليمية، أوجد حالة من التوتر والقلق وضعف الأبناء في فهم المعلومات التي تنهال عليهم، من دون أن يكون هناك أي تفاعل كافٍ كما في المدارس والصفوف ضمن التعليم الوجاهي وبمتابعة مباشرة من المعلمين، لا تغني عنه المنصات التعليمية الالكترونية.
وبدأ التعلم عن بعد في منتصف شهر آذار (مارس) 2020 ولجميع الطلبة بكل المراحل والصفوف واستمر في العام الدراسي 2020/ 2021 ، الذي يتضمن شكلين من التعلم الأول التعليم المتزامن، وهو الذي يتطلّب وجود المعلم والطالب في الوقت نفسه من خلال التقنيات والوسائل المرتبطة بالإنترنت والاعتماد على النقل المباشر من خلال برمجيات مختلفة من مثل ZOOM. والنوع الثاني التعليم غير المتزامن، وهو غير مباشر ولا يحتاج لوجودِ المعلّم والطالب في الفترة الزمنيّة نفسها، والذي يعتمد على فكرة المنصات التعليمية ولا يتضمن تفاعلا مباشرا بين المعلم والمتعلم وهذا هو الشكل الذي اعتمدته الوزارة من خلال منصة درسك.
التحول من التعلم الوجاهي إلى التعلم عن بعد أدى إلى تغيير في كل عمليات التعليم وما يرتبط بها من أنشطة، وحتى في طريقة تقديم الاختبارات.
العام الدراسي (في زمن كورونا)، بكل ما فيه، مرّ بالكثير من التفاصيل التي ألقت بظلالها على أولياء الأمور، سواءً من الجانب المادي والنفسي والتربوي مع الابناء، وعلى الرغم من أن التأثير الذي طال كثيرا من جوانب التعامل مع معطيات التعليم الجديدة، إلا أن بعض الأهالي وجدوا في هذا الأمر المفروض عليهم، طريقة جديدة لإكساب أبنائهم أدوات تعليم مستحدثة ومهارات تزيد من أفق التفكير، لدى من توفرت لديه القدرة على التعلم عن بعد، وفتح الباب على مصراعيه للطفل لتجربة تعليمية جديدة ونقطة تحول قد تكون وسيلة داعمة له مستقبلاً.
والدة الطفلة غزل في الصف الرابع، ما تزال تعاني في بعض المرات من عملية التعليم عن بُعد عبر “زوم”، ولكنها في الوقت ذاته تشعر أن ابنتها أمست قادرة وحدها على متابعة دروسها واستخدام تقنية الـ “زووم” في الدخول للحصص وحل الواجبات والاستماع لشرح المعلمة، إضافة إلى تقديم الامتحان بشكل مباشر مع المعلمة.
وتعتقد والدة غزل، وهي ايضاً موظفة، أن هذا الأمر قد يكون من إيجابيات التعلم عن البعد في هذه الفترة، بأن الأطفال أصبح لديهم الشغف في استخدام الأجهزة الإلكترونية لاتمام عملية التعليم، ولكن لا ينفي هذا اهمية أن يكون هناك تواصل مباشر مع المعلمة، ومتابعة من أولياء الأمور حتى تكتمل الصورة ولا يختلف مستوى الأطفال الدراسي.
الخبير والمدرب التربوي الدكتور عايش النوايسة يؤكد أنه حتى ما قبل الأزمة الحالية (جائحة كورونا)، كان التفكير جدياً بالتحول من التعلم التقليدي إلى التعلم الرقمي في العالم، وجاءت هذه الأزمة عاصفة لجميع القطاعات ومنها قطاع التعليم الذي وجد نفسه مجبراً للتحول في أدواته وفي شكله وإجراءاته من خلال توظيف التقنيات الإلكترونية والرقمية في تعلم الطلبة عن بعد، وفتح هذا الإجراء باباً كبيراً أمام وزارة التربية والتعليم وكل القطاعات المعنية بالتعليم للتحول من الشكل التقليدي إلى الالكتروني المستند إلى الادوات الرقمية.
بيد أن هذا التوجه، واجه تحديات كبيرة في مجالات عديدة ومنها كيفية انتظام الطلبة في التعلم عن بعد، ومتابعتهم للالتزام بعمليات التعلم وأداء الواجبات التعليمية والدخول إلى المنصة ومشاهدة الحصص الدراسية.
ويبين النوايسة، إنه يمكن القول إلى الآن إن الوزارة قطعت شوطاً كبيراً في التحول في التعلم من الوجاهي إلى التعلم عن بعد، على الرغم من محدودية الموارد والامكانات المادية لكنها وظفت مواردها البشرية جيدا، وتعاونت مع القطاع الخاص والقطاع العام في سبيل تقديم تعلم عن بعد يناسب الطلبة.
وتمثلت الاستجابة الجديدة الأكثر أهمية في إنشاء منصة “درسك”، وهي منصة تعليمية جديدة للطلبة من مرحلة رياض الأطفال إلى الصف الثاني عشر توفر محتوى في شكل مقاطع فيديو منظمة تتوافق مع المنهج الدراسي وتسلسله، إلى جانب ذلك، يعد موقع Teachers.gov.jo منصة جديدة تم تطويرها للمعلمين بواسطة منصة “موضوع” وتغذيها الدورات الإلكترونية التي تقدمها “إدراك” للمعلمين. تقدم هذه المنصة دورات للمعلمين عبر الإنترنت تتمحور حول أدوات التدريس عن بُعد، والمفاهيم الأساسية (مثل التعلُّم المدمج)، واستراتيجيات التدريس المناسبة، وتطبيق تكنولوجيا التعليم لدعم عملية التعلُّم.
وبحسب النوايسة، فإن ما قامت به وزارة التربية والتعليم من إطلاق برنامج “التعافي”، له العديد من الجوانب الإيجابية التي تتمثل في تقبل فكرة التحول بشكل التعليم من التقليدي إلى التعليم المتزامن وغير المتزامن من خلال استخدام تقنيات ووسائل الاتصال الاجتماعي والمنصات وشاشة التلفزيون في عمليات تعلم وتعليم الطلبة.
وفي جانب الممارسات التعليمية، ظهرت فجوات كبيرة في تعلم المواد الأساسية وهي اللغة العربية واللغة الإنجليزية والعلوم والرياضيات التي تحتاج إلى جهد أكبر من المعلم والمتعلم في تعلمها والتمكن من المهارات الأساسية لها، بهدف تعزيز المفاهيم والمهارات الأساسية التي تعالج فجوات التعليم في مرحلة الاستجابة للمباحث الدراسية المختلفة وتثبيتها خلال جائحة كورونا.
وفي مجال الثانوية العامة، يبين النوايسة أن الوزارة قدمت اختبار الثانوية العامة في ظروف استثنائية في ظل جائحة كورونا، ونجحت الوزارة في إدارة الاختبار في ظل برتوكول صحي صارم هدفه الحفاظ على صحة الطلبة الذين مروا في ظروف استثنائية، إذ تعرض طلبة الثانوية العامة لهذه السنة 2020 لحدثين أثرا عليهم كثيراً، الأول إضراب المعلمين في بداية العام الدراسي، وأزمة كورونا منتصف الفصل الدراسي الثاني، لقد ترك الحدثان أثراً نفسياً عميقاً وقلقا.
ورغم ذلك، لا ينفي النوايسة الأثر النفسي في هذه التحولات على الطلاب، إذ أن هذا التذبذب أثر على شخصية الطالب وطريقة تعلمه وشخصيته وبشكل سلبي، فاللجوء إلى التعلم عن بعد يعني الغاء التعلم الوجاهي والتعلم النشط، وبالتالي ضعف تعلم الأساسيات من مثل القراءة والكتابة والاستماع والمناقشة والتأمل وطرح الأسئلة والتقييم الذاتي.
وبالموازنة بين التعلم الوجاهي والتعلم عن بعد، فإن الآثار السلبية للتعلم عن بعد تنعكس على مخرجات التعليم واداء الطلبة من غياب البيئة الدراسية التفاعلية والجاذبة والتي ترفع من استجابة الطلبة في هذا النوع من التعليم، بحسب النوايسة، كما أن من أبرز الآثار السلبية الملموسة هو إقتصار المادة التعليمية على الجزء النظري من المنهاج في أغلب الأحيان، واختصار التجارب الحيّة وما تحققه من فائدة للطالب.
الى ذلك، من سلبيات “التعلم الالكتروني” إجهاد المتعلّم بسبب ما يقضيه من وقت على الهواتف الذكية وغيرها لمتابعة مواده الدراسية المختلفة، واقتصار دور المعلّم على الجانب النظري، واختصار الدور التربوي وفي تنشئة الطلّاب، وعجز الطالب عن تقييم أدائه وتحصيله بشكل مستمر وهو الدور الذي كان يُسند إلى المعلم في البيئة التعليمية الواقعية.
وتشير اختصاصية علم النفس وعلم النمو والاستشارية الأسرية الدكتورة خولة السعايدة إلى أن التعلم عن بعد من شأنه أن يؤثر في شخصيه الطفل بشكل واضح، في ظل غياب التفاعل والحوار بين الطالب والمعلم، والذي يساعد في تكوين جزء كبير من النمو المعرفي والانفعالي ويؤثر فيما بعد على ذكاء الطفل.
لذلك، تنصح السعايدة بأن يوفر الأهل بدائل لهذا التفاعل لدى الأنباء من خلال مشاركتهم بالحوار سواء في الدارسة أو بالمواضيع التفاعلية، وان يحرصوا بالوقت ذاته على متابعة تفاعل الأبناء مع معلميهم في حال كان تفاعليا عبر المنصات، والحرص كذلك على تنمية المواهب والتواصل مع المدرسة لضمان عدم غياب الاهتمام بالجانب اللامنهجي للطلاب.
وعلى الرغم من أهمية التعلم المباشر في المدرسة على تكوين شخصية الطفل في مختلف المراحل التعليمية وتنمية المعارف المختلفة لديه، وفق السعايدة، إلا أن ما تمر به المجتمعات من ظروف استثنائية بوجود وباء كورونا، يتطلب تكاتف جهود الأهل والمعلمين والإدارة المدرسية لتعويض الطلبة مما افتقدوه من معطيات المعرفة والتربية خلال هذه الفترة الحرجة، التي أيضا استفاد منها الطلبة بالتعرف الى طرائق جديدة للتعليم بشقيه الوجاهي والإلكتروني.

الغد

الكلمات المفتاحية: الاردن- التعليم عن بعد