أخبار الأردن

بعد أزمة “المحامين”.. نحتاج إلى أكثر من توافق!

عمّان- جلال أبو صالح

بالتوصل إلى توافق ينهيّ أزمة نقابة المحامين والحكومة الأردنية، بشأن إجراءات التقاضي، بعد مد وجزر بينهما لأكثر من أسبوعين، يبدو أن الأزمة الحقيقة، الغائبة عن بالنا، تكمن في استقلالية قطاع العدالة ودوره، خصوصاً وقت الأزمات.

إجراءات التقاضي والتي سيبدأ تنفيذها الأحد المقبل، ستطبق ضمن محاكم البداية والصلح؛ على أن يكون حضور المحامين في المحاكم المذكورة وجاهياً، وتسليم الأوراق للقاضي بشكل مباشر، فيما سيكون نظام التبليغات إلكترونياً.

إذن، هذه هي حصيلة التوافق الذي حدث، بعد أن صدحت أصوات وتنبيهات الرأي العام والنقابات والقطاع الخاص والإعلام مؤخراً حول “رفض نقابة المحامين أمر الدفاع 21″، والذي تبرره الحكومة بأنه جاء “لضمان سير أعمال المحاكم في ظل تداعيات انتشار وباء كورونا، ووقاية القضاة والمحامين والكوادر الإدارية في المحاكم ومراجعيها من خطر الإصابة بفيروس كورونا، والحدّ من انتشاره”.

لكن هل هذا الإنجاز- إن شئنا أن نسميه إنجازاً- والمسجل لنقابة المحامين، يكفيّ، لأن نصفق لها؟ المطلع والمراقب لحيثيات المشكلة يفهم أن القضية تمس “هيبة” قطاع العدالة في المملكة، وكيف أن هذا القطاع تم المساس به وتعطيله وجره إلى الدخول في أزمات تواجهها وزارات العدل والمجالس القضائية في المنطقة، والأردن، منذ زمن بعيد.

تلك الأزمات، معروفة وواضحة، وضوح الشمس، وليست وليدة اللحظة، وتتخطى أزمة جائحة كورونا، إذ تتمثل في أن قطاع العدالة يعاني من عدم وجود أنظمة مجهزة وفعالة ومستعدة لمجابهة الأزمات وتداعياتها، وبالتالي هو يفتقر لآليات تضمن سيادة القانون والتقاضي في الأزمات مهما طالت، ما يمس دور السلطة القضائية وهيبتها في المواقف الجلل.

وبالعودة إلى الأزمة، التي أشعل فتيلها قرار وزير العدل الأردني، بسام التلهوني، القاضي بـ”اعتماد التبليغات الهاتفية والرسائل النصية والتطبيقات الذكية، بدلاً من الحضور الوجاهي”، غير مقدراً للأبعاد السياسية والاجتماعية والإنسانية التي يمكن أن تترتب عليه.

ولا نتقول، إذا قلنا أن ملامح الأزمة، بين النقابة والحكومة، ازدادت قتامةً وتعقيداً، بعد إصرار الأخيرة بإلحاق الضرر على سير العدالة القضائية والمساس بها، متناسية بذلك أن الوصول للعدالة “حق كفله الدستور ولا يجوز تعطيله”.

القضية الأخرى؛ كيف أن الحكومة تعاملت مع قطاع العدالة، على طريقة “الوضع على الرف”، أو على قاعدة أنه ليس له أولوية، وذلك بالتزامن مع تهميش دور النقابات والمؤسسات المختصة بتقديم الدعم القانوني للمجتمع والاستعانة برأيها في كيفية التعامل مع الأزمة.

وكالعادة؛ فإن الحكومة تختار الوقت الأصعب وغير الملائم لترميّ “فتيشة” قراراتها، وهي بأفعالها تلك تتخطى قواعد المنطق والصواب، فكيف يمكن فهم أحجيتها “بضرورة الانتقال إلى العالم الرقمي في المحاكم، بمعنى أتمتة قطاع العدالة بالكامل”، والذي هو أمر “مهم وضروري” من حيث المبدأ، ولكنه غير مناسب من ناحية التوقيت

في هذا السياق، يعلق المحامي الأردني وعضو منتدى تطوير قطاع العدالة ، يعقوب الفار، بالقول: “لسنا ضد التطور التكنولوجي بما يخص إجراءات التقاضي، لكن المشكلة تكمن في حاجتنا إلى بنية رقمية تحتية جيدة، وبيئة عمل مناسبة، تخدم هذا الأمر، والحكومة مسؤولة عن ذلك”.

الفار يجدد رفضه بـ”استقواء الحكومة على نقابة المحامين”، فالنقابة، بحسبه، مؤسسة عريقة ومن أقدم مؤسسات المجتمع المدني، وهي تضم نحو 30 ألف محامياً (بين متقاعد ومتدرب ومزاول للمهنة)، والحفاظ عليها واحترامها واجب.

وتتفق المحامية ونائبة رئيس جمعية الحقوقيين الأردنيين المحامية، نور الإمام، مع ما سبقها، وتؤكد أن المحامين أحد أركان قطاع العدالة الذي يجب أن تتم مشاركتهم فيه من خلال النقابة؛ في التدارس في أي إجراءات تمس المهنة وتغير من طبيعتها.

وتلفت إلى أن المحامين ليسوا ضد تطوير إجراءات التقاضي إن كانت ملائمة، وليسوا ضد التطور الرقمي بالمجمل، منوهة إلى ضرورة أن يترافق مع أي إجراء جديد خطة زمنية للتنفيذ، فمنذ توقف اللجنة الملكية لتطوير القضاء أعمالها عام ٢٠١٧، لم يتم التوافق على إجراءات زمنية لكي تتم تهيئة كافة الأطراف على استخدام أدوات مهنية مختلفة عما عهدوها.

وحول إطلاق نظام رقمي للمحاكم، تقول الإمام “قد ينتج عيوباً عن هذا النظام في البداية، لذا كان من الأفضل عدم تعميمه قبل تجربته، وكان من الأجدى اختيار محكمة تجريبية (pilot court ) لا يكون فيها اكتظاظ ويتم تجربة كل إجراء، فإن نجحت التجربة ولم تمس جوهر العدالة ولا ضمانتها الدستورية ومعايير المحاكمة العادلة يتم البدء بالتوسع لشمول كافة المحاكم”.

وأمام كل تلك التحذيرات والآراء، التي ناقشت “فتيل الأزمة”، تبرز تأكيدات جلسة لمنتدى دعم تطوير قطاع العدالة في الأردن، عقدها بالشراكة مع منظمة النهضة العربية للديمقراطية والتنمية (أرض)، مؤخراً، بضرورة الاستجابة للحاجات الإنسانية في الأردن والمنطقة، مع مراعاة وصول الأفراد للعدالة بما يضمن حمايتهم الحقيقية، وبناء قدرات العاملين في قطاع العدالة لتفعيل العدالة الإلكترونية، والتأكيد على مبدأ التشاركية بين القطاع العام والمجتمع المدني في ذلك.

كل ذلك يضعنا، أمام ضرورة ضمان عدم تضييق الخناق على المحامين، أو تهديد استقرارهم المعيشي والمالي، والعملي. وعلى الحكومة، حماية قطاع العدالة الذي هو “مهم وحيوي”، ولا تقف خدماته في إيصال حقوق الناس والدفاع عنها فقط، لكنه أيضاً إحدى أدوات ضمانات المحاكمة العادلة، وتعزيز سيادة القانون.