منوعات

ايقونة موسيقى ‘البوب’ التي صدمت العالم بآرائها السياسية والجنسية

عين نيوز- رصد/

انها الثالثة بعد الظهر في يوم مشمس من ايام شهر ايلول وانا جالس في ال’يونيفرسيتي بولروم’ في فندق بارك هيات في تورونتو،شاعرا بالاثارة وانا انتظر احدى اشهر النساء على وجه الأرض.

على عكس العديد من النجوم العالميين الكبار الذين اجريت مقابلات معهم، فان مادونا ليست شخصا شهيرا فحسب، انها ايقونة عالمية قامت باعادة تشكيل ثقافة البوب بموسيقاها، وبكسرها للقواعد الاجتماعية وتحدي التقاليد المتعارف عليها عالميا والسلطات الاخلاقية من خلال طريقتها الفنية التي لا تقبل الحلول الوسطى والتي لا تخاف، بحيث انها صدمت العالم وازعجت الجماعات المحافظة والمتدينة من خلال تعليقاتها السياسية الصريحة وتعبيرها الصريح عن الجنس، فألهمت الملايين من المعجبين بها حول

 

العالم واجيالا من الموسيقيين الشباب الذين استمروا بالاعجاب بها وقاموا بتقليدها بشكل أشبه بالتعبد.
رجال العلاقات العامة كانوا يجيئون ويذهبون من الغرفة، واجهزة البلاكبري ملتصقة بآذانهم، لكن مادونا لم تأت. قلقا من تأخرها، أقوم من مقعدي وأتسلل خارجا من الغرفة. اشاهد امواجا من عناصر أمن الفندق، بأطقم سوداء مثل ممثلي فيلم ‘رزفوار دوغز’، وهم يتجهون من المصاعد صاعدين الى الأدراج من الطوابق السفلى. مثل النمل الذي يحمي مملكته، كانوا يتفقدون المكان والغرف القريبة بعصبية.

واحد منهم ذو جسم ضخم يقف في منتصف القاعة، وهو يهمس في ميكروفون ملتصق بمعصمه، ملقيا الاوامر الى

عناصره على ما يبدو.
ومن الرائع، ان هذا النشاط العصبي كان دون تماما دون صوت. الكل يتكلمون بأصوات هامسة، كما لو كنا في معبد. التقط زجاجة

ماء وأشربها، آملا ان اخفف الحريق الذي في داخلي، لكن دون جدوى. قلبي المتمرد كان يضخ مثل سيارة سباق دون كوابح.
فيما كنت منتظرا، أفكر في بدايات مادونا المتواضعة. عام 1977، وصلت الحالمة المنبوذة من ضواحي ديترويت الى نيويورك ومعها 35 دولارا فقط في محفظتها لتبدأ حياتها الفنية كراقصة.

عملت خلال تلك الأيام في اعمال خدمية بالحد الأدنى للاجور، وقامت بأعمال قليلة كموديل، ومثلت في افلام طلاب سينمائيين ورقصت في باريس حتى عام 1982 حين قامت بالتوقيع للغناء مع ‘ساير ريكوردز’، الشركة التي قامت باطلاق اغنيتها الأولى ‘ايفيري بادي’، التي باعت ثمانية ملايين نسخة، كاشفة ظاهرة ثقافية نسائية. مع منتصف التسعينات، وبعمر 25، كانت مادونا قد

توّجت باعتبارها ملكة البوب التي لا ينازعها أحد.
بعد اربعين دقيقة طويلة متعبة، أحسست بحركة عصبية مفاجئة: الحركات صارت أسرع واكثر استثارة. سمعت أصواتا هامسة تعلن، ‘مادونا هنا’ تبعتها ضربات أقدام تقترب، مثل صوت جيش يقترب. تملكني احساس بالاثارة قريب من احساس الجندي

باقتراب المعركة وأخذ قلبي يضرب بشدة.
مخفورة باثنين من ‘البودي غارد’ العنيدين، واحد أسود والآخر ابيض، ظهرت مادونا وهي تبتسم بطفولية، ووجها مشدود مثل

قميصها الأحمر وتنورتها السوداء، داخلة بهدوء الى الغرفة، تتبعها حاشية من 20 شخصا على الأقل.
رغم انني كنت مصدوما من شكلها غير الطبيعي كان وجهها منفوخا بطريقة لا تمكن من معرفتها وجسدها نحيف كأنها مريضة كنت لا ازال مأخوذا بمشهد قدومها. طريقة دخولها الدرامية العظيمة الى الغرفة جعلتها تبدو مثل ملكة.

‘مرحبا’ قالت بمرح فيما قام احد حراسها بالامساك بملف موجود على الطاولة وأخذ يتفحصه، كما لو أنه يفتش عن سلاح.
متجاهلا ما يحيط بي، كان عقلي متركزا على مادونا، التي حالما أحست بقلقي، وضعت ذراعها على وسطها وقالت: ‘تخيّل انني بابا نويل أحضر لك هدية لعيد الميلاد’.
‘مادونا’، قلت متأتئا، ‘هذا عيد الميلاد وأنت هديتي’، فضحكت بشكل لعوب وهي تشد قبضتها حول وسطي، قبل ان تجلس، ببهجة

من يؤدي عملا.
مادونا في تورونتو لعمل دعاية لفيلمها، W.E الذي عرض للمرة الأولى في مهرجان البندقية السينمائي والذي كان يعرض في مهرجان تورونتو السينمائي.

‘افضل لو تقتصر الأسئلة على الفيلم’ قالت مادونا محذرة.
يتابع فيلم W.E علاقة الغرام بين الملك ادوار (جيمس دارسي) والمطلقة الامريكية واليس سيمبسون (اندريا رايزبورو)، والتي ادت الى تنازله عن الملكية، وهو يروى من وجهة نظر امرأة معاصرة، والي وينثروب (ابي كورنيش)، التي تغدو مهووسة بحياة واليس سيمبسون، عندما تواجهها تحديات رومانسية مشابهة.
الحافز وراء صناعة هذا الفيلم كان بحث مادونا عن اضاءة جديدة على حقيقة واليس سيمبسون، التي كانت غالبا ما تصور كامرأة سطحية مهتمة بالثياب، وبلبس المجوهرات الفاخرة والذهاب الى حفلات العشاء، وتم تشويه سمعتها بالزعم انها حرمت المملكة من ملك.
‘ابحاثي قادتني لاكتشاف انها كانت عمليا شخصية معقدة، وانها كانت ضحية للظروف، وانها كانت متوحدة وتبحث عن الحب والسعادة، وانها كانت تبحث بشكل محموم عن عمل وحياة مهنية، لكنها احست انها محاصرة وغير مفهومة، ولم تكن لديها الفرصة

ابدا للدفاع عن نفسها’ شرحت مادونا بحماس.
مشاهدة الملك ادوارد في الفيلم وهو مقيّد بالسلطة الامبريالية التي كان من المفترض ان تعطيه حرية غير محدودة، تساءلت كم ان ملكة البوب مقيّدة هي ايضا في حياتها الشخصية.
‘اعتقد ان ذلك موجود في كل ظروف الحياة’ قالت مادونا بمرح. ‘لو كنت سياسيا ناجحا، او كاتبا ناجحا او شخصا ناجحا في أي مجال، فسوف تحس كم ان الحرية مقيدة. هذه طبيعة الحياة، وانا لست مستثناة من هذا القانون الطبيعي’ تقول ضاحكة.
مثل الملك ادوار الذي الذي لم يسمح للسياسة ان تقف في وجه مشاعره العاطفية، فان بطلة الوزن الثقيل في الابداع الفني استمرت في مطاردة احلامها، متحدية الضغط الاجتماعي، خالقة باصرار شخصيات ومفاهيم جديدة. لذلك، فان تحولها الحالي كمخرجة افلام

يبدو طبيعيا جدا بالنسبة لها.
‘اظن ان الناس لديها آراء حول ما يعتقدون ان عليّ ان افعل او لا افعل. لم اتخيل لدقيقة واحدة انني سأصبح مغنية او كاتبة اغان. تركت نفسي منفتحة نحو التجارب واللقاء بالناس، وهكذا قاد أمر الى آخر. كنت منفتحة لأشياء رغم انني كان تدريبي العملي هو على الرقص’.

ايقونة الموسيقى لا تظن ان صناعة فيلم كان قفزة كبيرة بالنسبة اليها. ‘انه بالطبع فن مختلف كلية لكنني عندما اصنع استعراضاتي، فانني اكون منغمسة بشكل كامل بالتفاصيل الدقيقة لكل مظهر من مظاهر العرض: اتفقد اللقطات او الأزياء، الأزرار، الستائر، الشعر، ماكياج الراقصين، الأضواء، الشاشة الخلفية، تصميم الرقص والنتيجة النهائية بما فيها الصورة الصغيرة، وهناك الكثير من هذا يجري في صناعة الفيلم. انا شخص أنغمس بما اعمل واحب ان افكر في نفسي باعتباري رائية’.
قبل البدء بعمل W.E، غمست مادونا نفسها في تعلم فن الاخراج السينمائي. شاهدت افلام السويدي انغمار برغمان والفرنسي الان ريزنيه لتنشيط الالهام لدي، كما قضيت الكثير من الوقت مع مصورين سينمائيين بحيث تعلمت الكثير عن العدسات، الكاميرات الثابتة، انواع الأفلام والأضواء. حتى انها استشارت زوجيها السابقين المخرج/الممثل شون بن والمخرج غاي ريتشي، اللذين كانا متعاونين معها.

‘لم يعطياني نصيحة محددة حول طريقة رواية الحكاية، لكن غاي اعطاني نصائح تقنية حول الكاميرات او استخدام الديجيتال مقابل الأفلام العادية’ قالت مادونا وهي تضحك.
‘كنت حقا تلميذة بكل طريقة يمكنك تخيلها. كنت أتسابق مع اكثر ما يمكن من المعلومات التي استطيع ان استوعب من طاقمي المخضرم والموهوب فيما كنت اعمل بالفيلم’ اضافت.
بعد ان استوعبت كل المعرفة التقنية، طوّرت مادونا اسلوبا موسيقيا للتعاطي مع اخراج الفيلم.
‘عندما كنت أصور اللقطات او استعد للقطة، كنت اغلق عيني واستمع للممثلين فحسب، ولعدد من المرات كنت احذف الكلمات او مقاطع الحوار لأنها لم تبد لي موسيقية بشكل كاف. كان يجب ان يكون هناك ايقاع للحديث، والحوارات ولحركة الكاميرا’.
على الرغم من التشابه التقني بين صناعة الموسيقى وصناعة الفيلم، فان مادونا عاشت التجربتين بشكل مختلف.
‘بطريقة موضوعية واخرى ذاتية’ قالت مؤكدة. ‘الغناء هو تعبير حميم ويأتي من داخل الجسد، وعندما اكون اغني امام جمهور احصل على تفاعل مباشر، والأخذ والعطاء لحظيّ. تشعر بأنه بدائي اكثر بطرق عديدة وأقل نخبوية من صناعة الفيلم، والذي لا أشعر به لأنني اكون على الطرف الآخر من الكاميرا ولأنني اعيش الأمر في عقلي’.
المرأة ابنة ال53 عاما، وايقونة الغناء التي كانت تجذب الجماهير الى عروضها الحيوية المسرحية ما تزال غير قابلة للتحدي في عالم الغناء الاستعراضي هذا مبيعات البوماتها جعلتها الفنانة الأنثى الأكثر مبيعا في امريكا، واكثر فنانة يتم عرضها في بريطانيا، ومع ذلك فان مادونا فضلت ان تكون ساردة لحكاية سينمائية.
‘صناعة فيلم يشكل خلاصة كل شيء أحب’ تردد مادونا بحماس. رغم انها تدرك وتحس بضغط التوقعات الكبيرة منها بسبب وزنها الفني، ‘اعتقد ان لدى الناس توقعات اكبر من الاشخاص الذين شاهدوا اعمالهم من قبل فيتوقعون ان تكون جيدا كما كنت من قبل. اعتقد ان الناس يكونون اكثر انتقادا لي من أي مخرج مبتدئ لأنني كنت ناجحة في مظاهر أخرى من حياتي الفنية’.

هذا صحيح بالتأكيد، لأن W.E تعرض لتهجمات النقاد في البندقية وتورونتو، لكن مادونا لم تتأثر. هي تقرأ كتبا حاليا وتفكر في موضوع ممكن لمشروعها القادم.

تتحدث مادونا بشكل هادئ وبليغ. وعلى عكس صورة المرأة الجامحة التي تعودنا عليها، فانها رسمية ومنظمة جدا، فعندما أقوم

لأخذ صورة لها تنادي فريق الماكياج وتقول لهم: ‘ظبطوني!’.
وبسرعة كبيرة يتقدم خمسة موظفين نحوها بحقائب ملأى بكل اشكال ادوات الماكياج. تجمعوا حولها مثل النحل الذي يلتف حول الملكة، واحد يعيد ترتيب شعرها، وآخر يلمس البودرة على وجهها، وآخر يرتب حواجبها، وآخر يلمع أحمر الشفاه وآخر يقوم بتنظيف قميصها بشكل منهجي.

فيما كنت اراقب هذا المشهد يتوضح امام ناظري، اتساءل عن معنى الحياة الغرقى بكل هذه الرفاهية الغريبة.
‘الرفاهية لا تعني شيئا حين لا اكون سعيدة’ تقول مادونا ضاحكة. ‘أحس بالامتياز لحصولي على كل هذه الحياة الفاخرة. احس بالامتياز بامتلاكي هذه الاعمال الفنية العظيمة او بقطعة من الازياء او شيء من هذا القبيل لكن ذلك بالتأكيد ليس هو كل ما يهمني او يكون خلاصة حياتي’.

استغرق فرق الماكياج عدة دقائق للانتهاء من مهمتهم، لكن النتيجة بصراحة لم تكن ملحوظة لعينيّ غير المدربتين.
بعد أخذي الصورة، قالت مادونا ‘وداعا’ وذهبت، محاطة ببطانتها، وتركتني أفكر فيما شاهدت فيما عقلي يعيدني ببطء الى العالم الواقعي.

الكلمات المفتاحية: الاراء- البوب- السياسية- ايقونة- مادونا- موسيقى