آراء حرة

اليمن.. لعبة ترويض النمر

عبدالامير المجر

في 19-1-1839 احتلت القوات البريطانية مدينة عدن اليمنية، بعد اختلاق ذريعة سخيفة، على امل ان تحتل بقية اليمن، لكنها واجهت مقاومة عنيفة من قبل السلاطين اليمنيين ورجال القبائل. تفاهم البريطانيون مع العثمانيين في العام 1913، واقتسموا اليمن، شمالي (عثماني) بعد ان وقع الامام يحيى بن حميدالدين، امام الزيدية، اتفاقية “دعان” في العام 1911 التي اعترف بموجبها بالحق الشرعي للسلطنة العثمانية (دولة الخلافة) مقابل الاعتراف به اماما على الزيدية. وجنوبي (بريطاني)، كأمر واقع.

في العام 1918 وبعد خروج العثمانيين من الجزيرة العربية على خلفية “الثورة العربية” في العام 1916، اعلن الامام يحيى بن حميد الدين المتوكل (امام الزيدية) عن قيام “الدولة المتوكلية” في الشمال، وشرع بحملة عسكرية لتوحيد البلاد، لكنه فشل، بسبب التفاوت الكبير بين قواته والقوات البريطانية في الجنوب. وهكذا استقر الامر في اليمن، حتى ستينيات القرن الماضي، حيث اطاحت ثورة ايلول/سبتمبر في العام 1962 بالحكم الامامي في الشمال واقامت الجمهورية، وتبعتها ثورة في الجنوب، بدعم من حكومة الشمال بقيادة عبدالله السلال ومن خلفه العراق ومصر وبعض الدول العربية. وقد نجحت ثورة الجنوب في العام 1967 وخرج البريطانيون، مثلما تكرس النظام الجمهوري في الشمال، لكن على حساب السلال، الذي غادر الحكم بصفقة سعودية مصرية، بعد التداعيات التي احدثتها نكسة حزيران وانسحاب الجيش المصري من اليمن، الذي جاء لتثبيت الحكم الجمهوري، حيث عارضته المملكة العربية السعودية ودعمت الامام بدر، آخر الائمة واخيرهم. ولم تعد هناك امكانية لتوحيد اليمن، وقتذاك، بسبب الارباك الذي حصل في الشمال، بعد الانقلاب المتفق عليه (سرا) بين عبدالناصر والملك فيصل بين عبدالعزيز في قمة الخرطوم (قمة اللاءات الثلاث)، لانهاء الحرب في اليمن، حيث جاء عبدالرحمن الارياني بانقلاب عسكري مدبر، كما اشرنا. بدا واضحا انقسام قيادة الجنوب (الجبهة القومية لتحرير جنوب اليمن) بعد التحرير، كونها اصلا تشكلت من ائتلاف بين يساريين قوميين ويساريين ماركسيين، وحصلت انقلابات عدة في الجنوب لامجال لاستعراضها، وانعكس هذا على مشروع الوحدة التي كانت بالاساس، هدفا مشتركا للثورة في الجنوب، لاسيما ان قائدها قحطان الشعبي، عيّن من قبل السلال وزيرا لشؤون الوحدة التي كان ينبغي ان تتم بعد تحرير الجنوب، لكنها لم تتحقق وظل اليمن منقسما ويشهد نزاعات بين شماليه وجنوبيه بين مدة واخرى، بسبب الخلافات العقائدية والطموحات السياسية. وعلى الرغم من تحقق الوحدة في العام 1990 لكنها تعرضت الى هزات عنيفة، لم تجعلها تستقر على ارض صلبة الى اليوم.

لعل قصة اليمن المعاصر، طويلة ومتشعبة جدا، لمن يريد ان يتناولها بالتفصيل، لكن الذي يهمنا هو ما يحصل فيه اليوم من صراع مؤلم، تداخلت فيه الابعاد العقائدية المتناشزة، بالمصالح السياسية والشخصية، وانتهت الى دخول اليمن بكامل خارطته في متاهة، بعد ان فتحت الخلافات بين الفرقاء، ابواب البلاد لتدخلات اقليمية ودولية، انتهت بها الى ما تعيشه اليوم من خراب شامل.

لقد اعتقد كثيرون ان معركة الحديدة ستكون محطة فاصلة في الحرب، وان أي طرف يربحها، سيفرض اغلب شروطه، ان لم تكن كلها، لاسباب موضوعية، ومن ثم يعود اليمن دولة فاعلة بقدر حجمها الطبيعي. لكن الذي حصل هو ان “الارادة الدولية” التي تركت الفرقاء في حرب مرعبة لنحو اربع سنوات، فرضت مؤخرا، وقفا هشا لاطلاق النار، وارغام المتحاربين على التفاوض، على ان يكون ميناء الحديدة تحت الاشراف الدولي!

لاشك ان هناك رغبة خارجية في اعادة اليمن الى حالة ما قبل الاستقلال، ووضع اليد على موانئه ومرافقه المطلة على البحر الاحمر، للتحكم بهذا الممر الملاحي الهام، واغراض اخرى، ولو الى مرحلة معينة. وان هذا لا يتم الا بعد ان تكون البلاد مقسمة من الناحية الواقعية وارادتها السياسية ضعيفة، تبعا لذلك، وهو ما يعكسه واقع اليمن اليوم.

قد يرى البعض، ان هذا الطرح يندرج ضمن نظرية المؤامرة. لكن قراءة دقيقة لما مر به اليمن، والموقف الدولي المتفرج على الحرب، ومن ثم صحوته المفاجئة، وشروط السلام مقابل وصاية (دولية) على ميناء الحديدة، الشريان الاهم لحياة اليمنيين، تضعنا امام هذه الحقائق، ما يعني ان اليمن، انضم عمليا الى قائمة الدول العربية التي باتت تحت الوصاية الدولية، وفي سياق مخطط محكم، فشلنا في قراءة مدخلاته ومازلنا نفشل في قراءة مخرجاته، على الرغم من ان كل هذا، جرى على اجسادنا وفوق اشلائنا اوطاننا الممزقة.. والمستمرة في التمزق، للاسف!

عبدالأمير المجر