أخبار الأردن المركز الوطني لحقوق الإنسان يصدر تقريره السنوي لعام 2019

“الوطني لحقوق الإنسان” يؤكد على ضرورة تعديل قانون الجرائم الإلكترونية

أصدر المركز الوطني لحقوق الإنسان، تقريره السنوي السادس عشر، لرصد حالة حقوق الإنسان في البلاد لعام (2019)، وذلك في ظروف بالغة التعقيد والحرج على مختلف الصعد المحلية والإقليمية والعالمية.

وشهد عام (2019) زيادة في عدد الموقوفين قضائياً مقارنة بالأعوام السابقة نتيجة لاستمرارية التّوسع في التّوقيف القضائيّ، حيث بلغت أعداد الموقوفين قضائيّاً عام 2019م نحو (45.516) موقوفاً، وهو ما يُشكّل إهداراً لمبدأ قرينة البراءة الذي أضحى مبدأ دستوريّاً بموجب التّعديلات الدستوريّة لسنة 2011م، علاوةً على إخلاله بالمبادئ والمعايير الأساسية للحقّ في محاكمة عادلة الواردة في المادة (14) من العهد الدوليّ الخاص بالحقوق المدنيّة والسياسيّة.

وأما على صعيد الممارسات المتعلقة بحرية التعبير فقد شهد عام 2019م استمرار توقيف ومحاكمة عدد من الأشخاص بسبب التعبير عن الرأي، حيث رصد المركز توقيف ومحاكمة ما يقارب من خمسة عشر شخصًا.

ويؤكد التقرير على ضرورة تعديل قانون الجرائم الإلكترونية رقم (27) لسنة 2015 ومواءمته مع المعايير الدولية لحقوق الانسان حيث إن هذا القانون وتحديدا المادة (11) منه والتي تنص على تجريم نشر او اعادة نشر ما ينطوي على الذم او القدح او التحقير، يتم استخدامه بصورة واسعة لملاحقة الافراد بسبب التعبير عن آرائهم خاصة على مواقع التواصل الاجتماعي وغيرها.

ويشير التقرير كذلك إلى استمرار العمل بقانون حماية اسرار ووثائق الدولة رقم (50) لسنة 1971 الذي يحتاج إلى تعديلات ضرورية بما يتلاءم مع مقتضيات قانون ضمان الحق في الحصول على المعلومات ويحتاج ايضاً الى تعديل بما يضمن حصول الافراد على المعلومات بصورة شفافة وبما يضمن عدم استثناء معلومات واسعة من هذا الحق. علاوة على عدم إحراز تقدم فيما يتعلق بقانون الجمعيات رقم (51) لسنة 2008 على الرغم من تعديله عام 2009، إذ لا يزال القانون في بنيته وآلياته قاصراً عن تعزيز وحماية حق الأفراد في تشكيل الجمعيات والانضمام إليها، ويضع قيوداً على ممارسة الجمعيات لنشاطاتها.

ويؤكد التقرير على ضرورة الاستجابة لمقترحات الأحزاب السياسية التي تم تقديمها بطريقة جماعية من قبل (23) حزباً سياسياً، ومن أبرزها: تعديل قانون الانتخاب وكافة القوانين الناظمة للحياة السياسية، نقل تبعية الأحزاب من الحكومة الى هيئة مستقلة للانتخابات والأحزاب تدير شؤون الاحزاب وتنظيم عملها، وأن يكون الانتخاب على أسس برامجية وقوائم حزبية وطنية قادرة على تقديم برامج تقنع وتعزز الثقة لدى الناخبين، ومن ثم يكلف الحزب أو الائتلاف الحزبي الحاصل على أعلى عدد من المقاعد في البرلمان بتشكيل الحكومة كما هو معمول به في العديد من دول العالم.

ويرى المركز أن قوانين الجمعيات والاجتماعات العامة والانتخاب والأحزاب السياسية والنقابات والمطبوعات والنشر وغيرها من التشريعات الناظمة للحقوق المدنية والسياسية والحريات العامة تشكل وحدة متكاملة ومترابطة ولا بد من إعادة النظر فيها مجتمعة باعتبارها المكونات الأساسية لتعزيز الحقوق المدنية والسياسية. علاوة على ضرورة مراجعة التشريعات التي تحتوي على أحكام تتعارض مع الدستور والمبادئ العامة للحق في محاكمة عادلة، ما يحتم مواءمة هذه التشريعات مع الاتفاقيات الدولية التي صادق عليها الأردن وتم نشرها في الجريدة الرسمية، ومن أبرز هذه التشريعات قانون محكمة أمن الدولة، قانون منع الإرهاب، وقانون الجرائم الاقتصادية.

أما على صعيد الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية فيشير التقرير إلى خطورة انتشار الفقر وزيادة معدلات البطالة، وينظر المركز إلى الفقر بوصفه شكلاً من أشكال الإقصاء والتهميش والمساس بكرامة الإنسان، وهو يشكل انتهاكاً لحق جوهري من حقوق الإنسان تنجم عنه انتهاكات لحقوق عديدة أخرى منها؛ الحق في العمل والدخل المناسب والعيش الكريم، والضمان الاجتماعي.

وسجل المركز استمرار التعامل السلبي مع حقوق العمال الأردنيين والأجانب، حيث لا يزال العمال يعانون من العديد من المشاكل لا سيما تلك التي تتعلق بالأجور والعيش الكريم والسكن المناسب والتأمين الصحي والضمان الاجتماعي، وذلك على الرغم من توصيات المركز المتكررة بضرورة إيجاد حلول جذرية لهذه المشاكل، وتكفي الاشارة الى عدد الاعتصامات العمالية وحجم المشاركين فيها وانتشارها في مختلف انحاء المملكة وفي جميع القطاعات للدلالة على عدم تكافؤ الفرص وتهميش حقوق الفئات الضعيفة والمس بكرامتهم والرغبة في حصولهم على الحقوق المكفولة دستورياً ودولياً.

ويشير التقرير إلى بعض جوانب القصور في الحق بالصحة، وما زال هناك قطاعات غير مشمولة بمظلة التأمين الصحي، رغم أن معظم الحكومات المتعاقبة رفعت شعار التأمين الصحي الشامل، كما يحذر المركز من تدني مستوى الخدمة الصحية في المراكز الصحية الحكومية، بالإضافة إلى اكتظاظ الأعداد، وغلاء الأدوية الضرورية وعدم توفرها في كثير من الأحيان، وينبغي لفت الانتباه إلى الفجوة المتعاظمة بين القطاع الخاص والقطاع العام في جودة الخدمة ومستوى العناية والتعامل. كما تشير المعلومات إلى تراجع مستويات التعليم في القطاع العام وعدم صلاحية بعض أبنية المدارس، وعدم توافر المياه الصالحة للشرب، وعدم توافر المرافق الصحية اللائقة. بالإضافة الى بعض حالات التسيب والتسرب من المدارس.

وتضمن تقرير عام (2019) تقريراً صادراً عن لجنة التحقق وتقصي الحقائق المشكلة من أعضاء مجلس الأمناء حول اعتصام المعلمين بتاريخ 5/9/2019، وأبرز ما خلص اليه التقرير: القصور التشريعي هو أحد الأسباب الرئيسية في حدوث تداعيات الوقفة الاحتجاجية، وأن السلطات قد اعتمدت الحلول الأمنية خياراً بديلاً للحلول التوافقية، وبالرغم من أن أجهزة إنفاذ القانون قد مارست درجة من ضبط النفس أثناء فض التجمع بالقوة، إلا أن غياب التنظيم الواضح في عملية التفتيش الجسدي داخل مراكز الاحتجاز المؤقتة تسبب في إحداث خلل تطبيقي وتنظيمي لهذه الإجراءات.

ويغطي التقرير مختلف الحقوق المدنية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية، بما في ذلك حقوق الفئات الأكثر عرضة للانتهاك، حيث شهد عام 2019م تطورات ايجابية تدعم حقوق المرأة، فقد ثمن المركز جهود الحكومة في اصدار تشريعات داعمة للمرأة نذكر منها قانون الاحوال الشخصية، والقانون المعدل لقانون العمل، والقانون المعدل لقانون الضمان الاجتماعي، ويأمل المركز في تعديل التشريعات التمييزية ضد المرأة نذكر منها: قانون العقوبات وقانون الجنسية والقانون المدني وغيره .

وفيما يتعلق بحقوق الطفل، شهد عام 2019م تطورات تشريعية نذكر منها قانون الأحوال الشخصية، وصدور تعليمات ترخيص الحضانات في عام 2019م، إلاّ أن المركز رصد وجود انتهاكات بحقوق الطفل، يفصلها التقرير على نحو مستفيض.

أما بالنسبة لحقوق الاشخاص ذوي الإعاقة فقد شهدت بعض التطورات كصدور النظام المعدّل لنظام إعفاء مركبات الأشخاص ذوي الإعاقة رقم 27 لعام 2019م، وصدور تعليمات ترخيص مراكز التدخل المبكر للأطفال ذوي الإعاقة لعام 2019م، وأعدّ المجلس الأعلى لحقوق الأشخاص ذوي الإعاقة التقرير السنوي وصدر في عام 2020م. لكنّ المركز رصد عددا من الانتهاكات الواقعة على حقوق الأشخاص ذوي الإعاقة، يوردها التقرير بشكل مفصل.

وقال المركز الوطني في إيجاز حول إصدار التقرير إن المواطن “لم يلمس تقدما ملموسا في المجالات السياسية والاقتصادية والتربوية والتعليمية، والإنتاجية، ويساور القلق معظم شرائح المجتمع من المستقبل القادم الذي تلوح في أفقه نذر الغموض والتشاؤم”.

وأضاف أن “التقارير السنوية للمركز تهدف  إلى رصد حالة حقوق الإنسان في البلاد على يد راصدين في مجال حقوق الإنسان، بمنهجية علمية وموضوعية تؤشر على مواضع الخلل والانتهاك بجرأة ووضوح، وترصد التقدم والنواحي الإيجابية كذلك إن وجدت، من أجل مساعدة أصحاب القرار والجهات التنفيذية، وأجهزة إنفاذ القانون في تطوير آليات العمل بما يخدم المواطن، ويحفظ كرامته في ظل سيادة القانون، وليكون التقرير بين أيدي المواطنين وجميع المهتمين في مختلف المجالات السياسية والإعلامية والحقوقية، من أجل النهوض الجمعي بمستوى الحقوق والحريات عبر التعاون والتكامل بين جميع المؤسسات المعنية”.

وتابع: “تبرز أهمية التقارير السنوية للمركز لجهة كونها إحدى أدوات التقويم لمسيرة مؤسسات الدولة على الصعيد التشريعي والتنفيذي، بما يساعد هذه المؤسسات على أن تكون متلائمة مع المعايير الإنسانية المعتمدة ولتكون إحدى مرجعيات المساءلة والمحاسبة من منظور حقوق الإنسان، ولذلك فأن منهج المركز في العمل يعتمد على عنصرين هما الأساس في تقويم أدائه وأداء المؤسسات الوطنية لحقوق الإنسان وهما: التقييم المعياري الذي يتم على أساس القوانين المنشئة لهذه المؤسسات ومدى استجابتها لمبادئ الإعلان العالمي لحقوق الإنسان؛ وتقييم الممارسة من خلال التقارير والتحليلات التي تعكس مدى استقلالية هذه المؤسسات وفعاليتها وقدرتها على حماية حقوق الإنسان والنهوض بها على نحو متكامل”.

الإيجاز، أضاف أن المركز عمد إلى إقامة سلسلة من النشاطات الممنهجة بخصوص قانون منع الجرائم رقم (7) لسنة 1954، وقدم مجموعة من التوصيات بضرورة إلغاء هذا القانون ووقف كافة أشكال التوسع في صلاحيات التوقيف الإداري استنادا إلى هذا القانون، لكن لم يطرأ تقدم بهذا الخصوص، وشهد عام (2019) استمرارا في الارتفاع بأعداد الموقوفين إدارياً بالمقارنة مع الأعوام السابقة، حيث بلغ عدد الحالات 37853 موقوفا، فيما بلغ العدد 37683 عام 2018.

ويعالج التقرير كل حق من حقوق الإنسان على حدة ويعرض السند التشريعي الأردني له ومدى ملاءمته للمعايير الدولية المستمدة من الاتفاقيات الدولية التي صادق الأردن على معظمها، انتقالاً الى توصيف الوضع الراهن للحق بما فيه من تطورات إيجابية وسلبية، ومن ثم إيراد الانتهاكات التي تم رصدها من قبل المركز مباشرة عن طريق الفريق الفني للمركز، او بشكل غير مباشر عن طريق ما ورد في الصحف والتقارير والدراسات المنشورة، واستعراض الشكاوى التي وردت إلى المركز حول هذه الحقوق، وانتهاءً بالتوصيات التي يرى المركز ضرورة الأخذ بها من أجل حماية حقوق الإنسان في الأردن وتعزيزها. 

ويشمل التقرير السنوي تحليلاً إحصائياً للشكاوى وطلبات المساعدة التي تلقاها المركز في عام 2019 مبوبة حسب كل حق من حقوق الإنسان. 

وفضلاً عن القراءة النقدية لواقع حقوق الإنسان في الأردن بوجهيها الإيجابي والسلبي يشخص التقرير الوقائع ويحدد المسؤوليات، ويقترح التشريعات والسياسات التي يعتقد المركز أنها تسهم في تغيير الواقع الراهن لحقوق الإنسان الى الأفضل.

وأخيراً، ينبغي التأكيد على أن المركز سيواصل العمل الدؤوب لتحقيق رسالته المستمدة من قانونه دون كلل أو ملل، وما هذا التقرير إلا خطوة من الخطوات العديدة التي يتخذها المركز في هذا السبيل، وعلينا كذلك أن نتذكر أن حماية حقوق الإنسان والارتقاء بها صيرورة مستمرة وعملية دائمة يمكن إنجازها من خلال الرؤية الواضحة، والإرادة الحقيقة، وتضافر جهود السلطات التنفيذية والتشريعية والقضائية، وإيجاد حاضنة ديمقراطية مكتملة، ومواءمة التشريعات مع المعايير الدولية لحقوق الإنسان، وضبط انتهاكات حقوق الإنسان، والمساءلة الحقيقية، وإعلاء حكم القانون.

ودعا المركز إلى فتح حوار متواصل وبناء بين الحكومة والمركز لدراسة أفضل السبل للارتقاء بوضع الحقوق والحريات العامة في المملكة ومعالجة الاختلالات من ناحية، ودراسة توصيات المركز الموجهة إلى الحكومة في تقاريره السنوية السابقة والتقرير الحالي دراسة متأنية وواعية، واتخاذ السبل والإجراءات اللازمة ليصبح بالإمكان الأخذ بها ضمن مدى زمني منظور وواقعي. 

وتابع : “للنهوض برسالة المركز التي لا تتحقق إلا من خلال تمكينه وتعزيز ولايته القانونية، فإن التحدي الأكبر أمام المركز للارتقاء بحالة حقوق الإنسان في المملكة هو محدودية الدعم المالي المقدم للمركز من قبل الدولة وما تبعه من انعكاسات أثرت على مدى كفاية الموارد البشرية والقدرة على تنفيذ المشاريع والأنشطة، والحيلولة دون فتح فروع للمركز في المحافظات ليتمكن من أداء رسالته على أكمل وجه. ويأمل المركز استجابة الحكومة للتوصيات المنبثقة عن اللجان الدولية التعاهدية وغير التعاهدية لزيادة الموارد المالية للمركز”.